«دائماً تكون هناك لحظة ما في مرحلة الطفولة تتاح فيها فرصة التعرّف إلى المستقبل». تلك الكلمات التي صاغها الكاتب الإنكليزي غراهام غرين، هي الشعار الذي تبنّته «جامعة الطفل» في مصر، عندما دشّنت «أكاديمية البحث العلمي» المرحلة الأولى من تلك الجامعة قبل سنة تقريباً.

 

وبصورة عامة، يقتصر المنهج الدراسي للعلوم في مصر على مجموعة من الحقائق والأفكار التي تُطرح بصورة نمطيّة معتمدة على مناهج تقليديّة تستند إلى الحفظ والاسترجاع أثناء الامتحان. ولا تتيح تلك الطريقة للطالب فرصة إجراء تجارب وبحوث وتطوير مهارات تتعلق بالعلوم. وبذا، باتت البلاد في حاجة إلى تعزيز البرامج الخاصة بتدريس العلوم منهجيّاً، والارتقاء بمستوى الطلاب الذين يمثلون جيل المستقبل من العلماء والباحثين في مصر.

 

وتمثّل «جامعة الطفل» مشروعاً تعليميّاً ينتشر بسرعة عالميّاً، ويتيح إمكان التفكير العلمي والنقدي والإبداعي، عبر إتاحة الفرصة لتدريب الأطفال في بيئة جامعيّة. وتاليّاً، يؤهّل الأطفال عبر الاحتكاك بالعلماء والأساتذة الجامعيين، ودخول المعامل والتدريب على البحوث. ويؤدّي ذلك إلى زيادة قدراتهم الإبداعيّة والعقليّة والابتكاريّة.

 

خارج ما هو عادي

 

تبدأ النشاطات التعليميّة الجامعيّة لأطفال ذلك المشروع، خارج نطاق اليوم الدراسي العادي. وتساندها نشاطات متكاملة معها تجرى في المدارس قبل اليوم الدراسي، وأثناء تناول الغداء، وبعد اليوم الدراسي، وأثناء العطلات والإجازات وغيرها. ويلتحق بالبرنامج طلاب تتراوح أعمارهم بين ٦ و١٨ عاماً. وفي مصر، بدأ العمل بالبرنامج الوطني لمشروع «جامعة الطفل» بالتنسيق مع ٢٥ جامعة مصرية حكوميّة وخاصة.

 

«تعزيز المجتمع المصري عبر أطفال اليوم، وهم أدوات المستقبل، المعنيين ببناء مصر الحديثة»، هكذا تمثلت رؤية «جامعة الطفل» في كلمات الدكتور محمود صقر، رئيس «أكاديمية البحث العلمي»، الذي لفت إلى أنّ الجامعة تركز على الأطفال باعتبارهم أدوات التغيير القادرين على مواجهة التحديات المختلفة. وأوضح أن «جامعة الطفل» تنمي القدرات الإبداعية والابتكارية للأطفال، وتعزّز اهتمامهم بالعلوم، مع لفت أنظارهم إلى أهمية البحث العلمي، والعمل على تطوير مهاراتهم العلميّة. وأضاف صقر أنّ «جامعة الطفل» تعزّز احترام الذات والشعور بالثقة وتنمي الشخصية، كما تحاول اكتشاف المبتكرين والمخترعين من التلاميذ والأطفال، وتحتضنهم وتقدّم الدعم الفني والمادي لهم.

 

كذلك ذكر صقر أن تلك الجامعة تعمل أيضاً على ضمان إتاحة النشاطات التعليمية المتقدّمة لكل طفل، بغض النظر عن خلفيته الاجتماعيّة، مشيراً إلى سعيها لتعزيز ارتباط الأطفال بالجامعات القريبة منهم، وتزيد وعيهم بأهميّة التعليم العالي، خصوصاً لدى الشرائح الاجتماعيّة الأقل حظّاً. في المقابل، تشجّع تلك الأمور أساتذة الجامعات على المشاركة التطوعيّة في نشاطات تخدم المجتمع.

 

كذلك أوضح صقر أنّ «جامعة الطفل» تحاول أيضاً الوصول إلى الأطفال الذين يواجهون صعوبات تعليميّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة، خصوصاً في مناطق الريف والصعيد. وتدعم أيضاً تطوير مهارات التدريس وتبسيط المعلومات بين المعلمين، مُشدّداً على أنّ تلك النشاطات تراجع من قِبَل أساتذة وعلماء وخبراء في المناهج الدراسيّة أيضاً.

 

وتمنح تلك الجامعة مزايا للـ«خريجين»، وحوافز للأوائل منهم، مع منح شهادة تخرّج معتمدة من «أكاديمية البحث العلمي»، ترافقها جائزة ماليّة للأول على كل جامعة (من الجامعات الـ250 المتعاونة مع المشروع)، ودرعا للأول على «جامعة الطفل» مع جائزة ماليّة أيضاً. وينال الأوائل أيضاً رحلات إلى جامعات الطفل العالميّة، كتلك التي تحتضنها «جامعة مانشستر» في إنكلترا.

 

مشاهدة المعلومات و «تشريحها»!

 

«دراجة نارية»! بتلك الكلمات عبّر الدكتور ممدوح نصّار، المنسّق العام لمشروع «جامعة الطفل» في جامعة القاهرة، عن فرحته أثناء الاحتفال بتخرج الدفعة الثانية من الأطفال. جمع أجزاء تلك الدرّاجة استناداً إلى أدوات منزليّة، طفل لم يتعدّ الـ13 عاماً أظهر ميلاً لعلوم الهندسة، وعُرِضَت في حفل التخرّج.

وأوضـح نـصّار أنّ المنـاهج التـي تــدرس لأطفال المشروع وضعها أساتذة مختــصّون عبر جمع معلومات مبسطة وموجزة عن التخصّصات العلمية في الجامعة، ما يجعلها أيضاً برنامجاً متكاملاً لاكتشاف مواهب الأطفال وقدراتهم الإبداعيّة.

 

ومع تعرّف الطفل إلى التخصّصات الجامعيّة، يمكن التعرّف إلى ميوله وملكاته ومواهبه. كما تشمل تلك المناهج محاضرات تشتمل معلومات ثقافيّة وعلميّة وفنيّة كالمسرح والغناء، ما يقرّب برنامج الجامعة إلى صورة مهرجان للعلوم.

 

ويتميّز المحتوى العلمي للمشروع في أنّه يتيح للطفل مشاهدة المعلومات أيضاً. وفي قسم الفلك مثلاً، تمثّل المجموعة الشمسيّة بكرة من الفلين تجسّد الشمس، تدور حولها مجموعة من الكواكب السيّارة، إضافة إلى تقديم تلسكوب يستطيع الطفل تفكيكه للتعرّف إلى مكوّناته.

 

وتناول نصار ردود أفعال أولياء الأمور على البرامج التي تلقاها أطفالهم، ووصفها بأنها كانت «مبشرة جداً»، إذ اختار كثير من الأطفال مستقبلهم التعليمي أثناء انخراطهم في المشروع، فمنهم من عشق دخول المعامل لإجراء التجارب، وانجذب آخرون إلى هندسة البترول، ومالت مجموعة ثالثة إلى فنون النحت وصناعة التماثيل وغيرها.

 

 

وفي الآونة الأخيرة، يدور حديث في مصر عن تفضيل الطلاب الثانويّين التخصصات الأدبية على حساب العلميّة. وعلّق نصّار على ذلك قائلاً: «الطفل لديه رهبة من الموضوعات العلميّة، ولا يتعرف إليها بشكل سليم خلال مراحل التعليم الأساسيّة، ما يجعل كثيرين يختارون كليّات جامعيّة ربما لا تناسب مهاراتهم الحقيقيّة. وتحاول «جامعة الطفل» تصحيح تلك الأوضاع...

ومثلاً، أكّد أحد أولياء الأمور أن طفله لن يدخل كلية أخرى سوى كلية الآثار، مهما حصد من درجات في المرحلة الثانوية، بأثر من تعلّقه الشديد بهذا التخصّص عند انخراطه في برنامج «جامعة الطفل».

 

وخلص نصّار إلى القول إن سرّ انجذاب الأطفال إلى مشروع «جامعة الطفل»، يكمن ببساطة في كونه يطلق «الحرية كاملة للطفل لتفجير طاقات كامنة في داخله». وأشار إلى ندرة التغيّب عن نشاطات المشروع الذي يضم قرابة 300 طفل، على رغم أن برنامجه يمتد لثلاثة أسابيع، ويجري بمعدل 5 ساعات على مدار 5 أيام أسبوعياً. ولفت نصّار إلى أن بعض الأطفال يحزن إذا اضطّر للتغيّب، لأنه «نادراً ما يتاح لطفل مصري لم يتجاوز عمره 10 أعوام أن يعمل على تشريح ضفدع في معامل مختصّة، إلا في هذا المشروع».

 

وأعرب نصّار عن أمنيته بتطوّر مشروع «جامعة الطفل» من مجرد برنامج ملحق بالجامعات المصريّة، إلى كيان علمي مستقل يعمل على اكتشاف علماء المستقبل.

التقييم : 0 /5