معنى الإثم، ومرادفاته، وحجمه:

"الأثِيمِيَّةُ" مصدر صناعي صيغ بزيادة ياء مشددة وتاء على كلمة "أثيم"؛ لأن أثيمًا هي ما ورد مانعًا من محبة الله تعالى في آيتي البقرة والنساء، وهما الوحيدتان في القرآن في هذا الباب، ولم يرد اسم الفاعل "آثم" كمانع من محبته تعالى، ولو وردت لقلنا الإثم بدل "الأثيمية"؛ فالدقة إذن تقتضي أن نقول "الأثيمية" لا الإثم. و"أثيم" - كما سبق - صيغة مبالغة على وزن فعيل من "الإثم"، واسم فاعله "آثم".

 

أ- معنى الإثم:

الإثم هو الذنب، والذنب هو الأمر غير المشروع يُرتكب[1]؛ وإذًا فللإثم والذنب ركنان.. الأول: أن يكون ثمة أمرٌ غير مشروع؛ أي محرّم سواء كان قولا أو فعلا أو اعتقادا، والثاني: أن يقترِف هذا الأمر المحرَّم من نُهي عن اقترافه وهو "المكَلَّف" في اصطلاح الأصوليين. ومن ثم يمكن تعريف الإثم بأنه: ارتكاب المحرم في الشرع من القول والفعل والاعتقاد صغيرًا كان أو كبيرا؛ ومثاله قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾ [المائدة: 29]؛ أي تنصرف بإثمي وإثمك إذ قتلتني؛ أي إثم قتلِك إياي وإثم فعلك وقولك واعتقادك قبل ذلك؛ من مثل ما بسببه لم يتقبل قربانه. [فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ] لجميع هذه الآثام؛ فإنه ذُكِّر بالنار وبحرمة دم أخيه وبآثامه من قبل فلم يرتدع[2].

 

وقد حدّ النبي - صلى الله عليه وسلم- الإثم بقوله: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس"[3]، وفي قوله: "البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك"[4]، قال الإمام الراغب: وهذا القول منه حُكْمُ البر والإثم لا تفسيرهما[5].

 

ويفهم من الحديثين أن الإثم ضد البر، وقد عُرِّف البر بأنه: كل ما يؤمر به في الشرع، ويحدُّه قوله سبحانه: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].

 

وإذًا فالبر اسم جامع لكل ما يؤمر به في الشرع والإثم خلافه؛ أي هو اسم جامع لكل ما يُنهى عنه في الشرع من قول أو فعل أو اعتقاد صغير أو كبير، وهو اسم جامع لكل أضداد المعاني الواردة في هذه الآية، كما يدل على ذلك استقراء الكتاب والسنة.

 

وقال الإمام الراغب: الإثم والأثام[6] اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، يقال: أثمت الناقة المشي تأثمه إثما: أبطأت[7]، وجمعه آثام؛ ولتضمنه لمعنى البطء قال الشاعر:

جمالية تغتلي بالرداف

إذا كذب الآثمات الهجيرا[8]

 

 

وقوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: 219]؛ أي في تناولهما إبطاء عن الخيرات. وقد أثم إثمًا وأثامًا فهو آثم وأثيم. وتأثَّم: خرج من إثمه كقولهم: تحوَّب وتحرَّج: خرج من حوْبه وحرجه أي ضيقه. وتسمية الكذب إثمًا لكون الكذب من جملة الإثم، وذلك كتسمية الإنسان حيوانًا لكونه من جملته.

 

وقوله تعالى: ﴿ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ﴾ [البقرة: 206]؛ أي حملته عزته على فعل ما يؤثمه، ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ [الفرقان: 68]؛ أي عذابًا، فسماه أثامًا لما كان منه، وذلك كتسمية النبات والشحم ندىً لمّا كانا منه في قول الشاعر:

تعلى الندى في متنه وتحدرا[9]

 

وقيل: معنى ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي يحمله ذلك على ارتكاب آثام، وذلك لاستدعاء الأمور الصغيرة إلى الكبيرة، وعلى الوجهين حمل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم: 59]. والآثم: المتحمل الإثم.. قال تعالى: ﴿ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: 283].

 

وقوله تعالى: ﴿ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾ [القلم: 12]؛ أي آثم، وقوله: ﴿ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 62]. قيل: أشار بالإثم إلى نحو قوله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، وبالعدوان إلى قوله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45]؛ فالإثم أعم من العدوان[10].

 

ب- ألفاظ ترادف الإثم أو تلتبس به:

كل ما دلّ على محرَّمٍ أو منهِيٍّ عنه في القرآن أو السنة يندرج تحت الإثم، وكل لفظ تندرج تحته هذه المحرّمات والمنهيّات يعتبر مرادفًا للإثم[11]؛ مثل: الذنب والمنكر والظلم والجرم والفجور والفسق والضلال والجاهلية، وكذلك الكفر والشرك والنفاق من الآثام لكن لها حديث آخر، ومن الآثام ما دون ذلك. ومن هذه الألفاظ ما لو أطلق يراد به الكبائر على الأغلب كالفسق والفجور والضلال. ويجدر بنا أن نعرف حقيقة كل لفظ من هذه لندرك ما يتفق وما يختلف فيه عن الإثم.

 

1- الذنب: هو كل أمر غير مشروع إذا ارتكب؛ كان فعلا أو قولا أو اعتقادا صغيرا أو كبيرا. ولعله الأقرب إلى معنى الإثم، غير أن الأخير الأكثر ورودا في القرآن والسنة؛ لمعانٍ زائدة فيه عن معنى الذنب منها: كون الإثم يعني غير المشروع، ويعني اقترافَه، ويعني نتيجة ذلك وهي استحقاقُه العقاب، أو أن هذه النتيجة هي الأثام؛ فالخمر والكذب - مثلا - من مرادفاتهما الإثم وليس منها الذنب، وشرب الخمر وقول الكذب يسميان إثمًا وذنبًا، وحد الزنا أو عقابه في الآخرة يسمى أثامًا.. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ ﴾ [الأعراف: 33][12]، وقال: ﴿ لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ ﴾ [المائدة: 63]، وقال: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى ﴾ [البقرة: 203]، وقال: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ ﴾ [المائدة: 107]، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ [الفرقان: 68].

 

2- المنكر: هو كل ما تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو يقبحه الشرع أو يحرّمه أو يكرهه[13]. وهو ضد المعروف؛ ولذا من فرائض الإسلام (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)؛ بل هو سمة المؤمنين والخيِّرين.. قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ﴾ [آل عمران: 110]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "من رأى منكرا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"[14].

 

3- الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.. سواء كان هذا الشيء كبيرا أو حقيرا، وكان موضعه كبيرا أو حقيرا. والظلم كلّه حرام وأكبره الشرك بالله، وهو وضع حق الله تعالى وحده في العبادة في غير موضعه، وذلك بعبادة غيره، كانت هذه العبادة استعانة به أو سجودا له، وكان هذا المعبود حجرا أو المسيح - عليه السلام - قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

 

4- الجرم والإجرام بمعنى واحد، وهو كما في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ [هود: 35] معناه -كما قال المفسرون-: إن كنت افتريته (أي القرآن) فهذا جرم وعليّ عقاب هذا الجرم، وإن كان من عند الله غير مفترىً وكذبتم به فعليكم عقاب تكذيبي. وإذًا فالجرم هو اقتراف السيئة، وعن النحّاس وغيره قال:

طريد عشيرة ورهين جرم

بما جرمت يدِي وجنى لساني[15]

 

 

5- الفجور: هو ضد التقوى والبر والإيمان.. قال تعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ [القيامة: 5].. قيل: يكثر الذنوب ويؤخّر التوبة، وقيل: يتمنّى الخطيئة ويقول سوف أتوب سوف أتوب[16]. وإذًا فالفجور زيادة على الإثم بتسويف التوبة.

 

وقيل: الفجور التكذيب بالبعث؛ فهو - من هذا الوجه - كفر أكبر، وهو بهذا نقيض الإيمان، ومما يدل على أنه نقيض التقوى وأن الفاجر عكس المتَّقِي قوله تعالى: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ [ص: 28]، ومما يدل على أنه نقيض البر وأن الفاجر عكس البارّ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ [الانفطار: 13-14].. قال القرطبي -في تفسير هاتين الآيتين-: ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ تقسيم مثل قوله تعالى: ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [الشورى: 7]، وقال[17]: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ [الروم: 43] الآيتين ا.ه‍. ويعني بالآيتين هذه والتي تليها؛ أي قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ [الشورى: 44].

 

6- الفسق: لغةً الخروج، وشرعًا الخروج عن طاعة الله، وهو قسمان: خروجٌ كُلِّي؛ بحيث يقال للكافر فاسق.. قال تعالى -عن إبليس اللعين-: ﴿ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ ﴾ [الكهف: 50]، ويقال للمؤمن مرتكب الكبيرة فاسق.. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4][18]. وإذًا فالفسق نوع من الإثم يقتصر على الكفريات والكبائر.

 

7- الضلال: هو العدول عن الطريق المستقيم، وهو ضد الهداية.. قال تعالى: ﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ [الإسراء: 15]. والضلال يطلق على عدة معانٍ؛ كالكفر.. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ﴾ [النساء: 136]، والشرك.. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ﴾ [النساء: 116]، والمخالفة التي هي دون الكفر؛ كما قال: الفرق الضالة أي المخالفة، والخطأ؛ ومنه قول موسى - عليه السلام -: ﴿ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ ﴾ [الشعراء: 20]، والنسيان؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴾ [البقرة: 182]، والضياع والغيبة؛ ومنه ضالة الإبل[19].

 

8- الجاهلية: هي حال العرب قبل الإسلام، وكانت جاهليةً عامة انتهت بمجيء الإسلام؛ لكن لا تزال هناك جاهلية خاصة ببعض الأماكن والدول والأفراد. والجاهلية نسبة إلى الجهل، وهي عدم العلم أو عدم العمل بالعلم، ومما يدل على أن الجاهلية موجودة في البعض قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"[20]، وقوله - صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر - رضي الله عنه -: "إنك امرؤ فيك جاهلية"[21].

 

كذلك من الألفاظ في هذا السياق كل من: الوزر، والسيئة، والمعصية، والخطيئة، والمحرم أو الحرام، والنواهي أو المنهي عنه.. إلخ؛ لكن تكلمنا على ما يخشى التباسه بالإثم.

 

جـ- حجم الإثم ودرجته بين الذنوب:

كما رأينا لا تعبر الألفاظ التي فصّلنا معانيَها سابقًا عن نفس المعاني بحذافيرها، ومعلوم أن الترادف في العربية لا يعني حتمًا تطابق الألفاظ المترادفة في كل شيء؛ إذ كثيرًا ما يكون بين اللفظين المترادفين اختلافٌ؛ ومن ثم كان ورود بعض الألفاظ في بعض المواضع أوفق من بعض مع أن الجميع مترادف، والقرآن الكريم ليس فيه كلمة في غير موضعها؛ لأنه كلام الله الذي يقدِّر كل شيء بقدره، وكذلك كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - المروي بلفظه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي جوامع الكلام؛ لكن قد تواجهنا في السنة إشكاليّة رواية الحديث بالمعنى.

 

ومن هنا يأتي السؤال: ما هو الإثم الذي لا يحب اللهُ مقترفَه؟

والجواب: أنه ورد الإثم في القرآن الكريم مطلقًا من الوصف، وورد موصوفًا بالكِبَر، وورد وصفًا لغيره؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف 33].. قال السدي: أما الإثم فالمعصية، وقال مجاهد: الإثم المعاصي كلها، وحاصل ما فُسِّر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه[22]. وقوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ [الأنعام: 120].. قال قتادة: أي قليله وكثيره، سرّه وعلانيته[23].

 

ومن الثاني قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ﴾ [الشورى: 37]، وقوله: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [النجم: 32]، وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219]. كما وُصِف الإثم بالـ"مبين" والـ"عظيم" في آياتٍ أخر، ومن كل هذا يتضح أن في الآثام ما هو كبير وما هو أصغر منه؛ بل لمَمًا لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ اللَّمَمَ ﴾ مستثنيًا إياه من الإثم.

 

ومن الثالث قوله تعالى: ﴿ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة: 276]، وقوله: ﴿ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ [النساء: 107].. اللتان عليهما الكلام. فقد وصف الكَفَّار بالأثيم -في قولٍ- في الآية الأولى، ووصف الخوَّان بالأثيم في الأخرى.

 

وبهذا يتضح أن الآثام منها ما هو صغير أو لممٌ قد يُعفى عنه إذا اجتنبت الكبائر، ومنها ما هو كبيرٌ يصل إلى الكفر والنفاق - والعياذ بالله - لكن لا يوصف الإثم بالكبير إلا بشرع صريح أو بقرينة تصحبُه؛ كأن يوصف بالمبين أو بالعظيم وكبائر الإثم وما شابه، أو أن يأتي على صيغة المبالغة مثل "أثيم".. إلخ. ومصداق ذلك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه"[24].

 

وقد فسر ﴿ اللمم ﴾ في آية النجم السابقة بالقبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. وقال الإمام أحمد: عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الحديث السابق[25].

 

وإذًا فمجرد الإثم لا يمثل - والله أعلم - مانعًا من محبته تعالى عبدَه؛ لأنه ما من أحدٍ إلا يأثم، ومن الإثم ما هو لممٌ يُكَفَّر بالعبادات وباجتناب الكبائر وبالتوبة وبالابتلاء وغيرها. أما الإثم المانع من محبته تعالى عبدَه فهو الإثم الكبير المبالغ فيه؛ بحيث يصبح من صفات مقترفه الملازمة له، فإذا أشير إليه بـ"الأثيم" لم تخطئه العين. وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في حالين اثنتين في آيتين تناولناهما بالحديث سلفًا؛ لكن لايزال فيهما كلام؛ فنقول متوكلين على الله وحده:

 

أولاً: "الأثيم" بمعنى مستحل الربا:

يقول عز من قائل: ﴿ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة: 276]، وقد فرق المفسرون بين ﴿ كفار ﴾ و﴿ أثيم ﴾، وأعطوا هذا معنىً وهذا معنى. قال العلامة ابن ناصر السعدي: وهو - أي الكفار الأثيم - الذي كفر نعمة الله، وجحد مِنّة ربه، وأثم بإصراره على معاصيه[26]. وقال الشيخ محمد علي الصابوني: ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم المتمادي في الذنوب والآثام... أي لا يحب كل كفور القلب، أثيم القول والفعل[27]. وزاد ابن كثير على كلام الصابوني قوله: فهو جحود لما عليه من النعمة.. ظلوم آثم.. يأكل أموال الناس بالباطل[28].

 

وخلاصة ما نقلناه هنا، وفي المانع الأول (الكفر)، أن ﴿ كفَّارًا ﴾ تختص بالذنب الصادر عن القلب، وهو اعتقاد حلّ الرّبَا، وهو كفر لمن علم حرمته، وهو أمر مستفيض بين المسلمين في كل العصور؛ لكن قد يلبّس على البعض بتسميته بغير اسمه خاصة مع الجهل المستشري بينهم فيما يخص علم الاقتصاد. وأما ﴿ أثيم ﴾ فتختص بالذنب الصادر عن اللسان والجوارح؛ أي قول مستحل الربا: ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ [البقرة: 275]، وأكله إيّاه وتعامله به؛ فيكون ورود "كفار" و"أثيم" معا للدلالة على كل ما يصدر عن المرابي من ذنوب اعتقادية وقولية وعملية. والله أعلم.

 

كما قال بعض المفسرين: إن "أثيمًا" توكيد لـ"كفّار"، وإن الإثم من معانيه الكفر؛ لأنه يشمل جميع الذنوب؛ خاصة إذا كان بصيغة المبالغة. ولا منافاة بين هذا والأول؛ لأن الكل يفهم من الآية ولا يعدُّ أحدهما تأويلا بعيدا.

 

هل الإثم وحده مانع من محبة الله تعالى عبده كالكفر وحده؟

الجواب: أنه قد ورد الكفر وحده مانعًا من محبة الله تعالى عبده كما قال: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32]، وكما قال: ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [الروم: 45]، أما الإثم فلم يرد وحده مانعًا من محبته تعالى، إنما جاء مرة مقرونًا بالكفر ومرة مقرونًا بالخيانة. كذلك فإن الكفر والخيانة من كبائر الذنوب دائمًا وليس فيهما لممٌ، أما الإثم فمنه الكبير واللمم؛ لذا فلا نقول إن المعاصي والآثام تمنع من محبة الله تعالى عباده بإطلاق. والله أعلم.

 

ثانيًا: "الأثيم" بمعنى الخوَّان المنافق:

يقول تعالى: ﴿ وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ [النساء: 107]، وفيها أن "أثيمًا" قد تكون بدلا من "خوّان"؛ أي بنفس معناها، أو توكيدًا لها؛ كما كانت في الآية السابقة بدلا من "كفار" أو توكيدًا لها، وقد يكون معناها مغايرا لمعنى "خوّان" أو زائدًا عليه، وذلك كما في أقوال المفسرين التالية...

1- قال ابن جرير: إن الله لا يحب من كان صفته خيانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره مما حرّمه الله عليه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل[29].

 

2- وقال الشوكاني: والخوّان كثير الخيانة، والأثيم كثير الإثم، وعدم المحبة كناية عن البغض[30].

 

3- وقال السعدي: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾؛ أي كثير الخيانة والإثم، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض، وهذا كالتعليل للنهي المتقدِّم؛ أي لقوله تعالى: ﴿ وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾[31].

 

4- وقال الصابوني: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾؛ أي لا يحب من كان مفرطًا في الخيانة منهمكًا في المعاصي والآثام[32].

 

وهكذا يعمم المفسرون الآية ولفظ أثيم، وكأنهم عملوا بقاعدة "العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب"، وقد أوردنا سبب نزول الآية في المانع الثاني (الخيانة).

 

والخلاصة: أن الله سبحانه لا يحب المنهمكين في الآثام والمعاصي، وليس الكفر أو الخيانة أو الربا أو السرقة فقط، وهذه الآية والتي في سورة البقرة تحتملان هذا إذا اعتبر "أثيم" شيئا غير "كفّار" وغير "خوّان"؛ غير أننا نقف عند هذه الأربعة (الكفر، والخيانة، واستحلال الربا، واقتراف الكبائر مع إلصاقها بالغير)، كموانع من محبته تعالى فاعليها، وذلك لأننا لا نستطيع إطلاق موانع محبة الله تعالى من القيود التي قيّدها بها الوحي المنـزّل، وإلا لقلنا ما ليس عندنا عليه دليل ولا لنا به علم.

 

خلاصة هذا المانع:

وخلاصة ما يحترز منه ويخشى أن يمنع من محبته تعالى عبدا، بحسب آيتي البقرة والنساء السالفتين، ستة أمور:

1- الكفر أيًّا كان نوعه، وخاصة الكفر الأكبر.

 

2- الخيانة أيًّا كان نوعها، وخاصة إذا كانت صفةً ملازمة تتكرر ممن يأتيها، أو كانت خيانة في أمر كبير؛ لأن الأمر الكبير دليل على خبث النفس واستهزائها.

 

3- استحلال الربا وأكله والتعامل به، وخاصةً إذا أصر المرابي عليه وزينه لغيره.

 

4- اقتراف الكبائر، وخاصةً إذا اتهم بريئًا بها وبسوء فعاله.

 

5- النفاق أيًّا كان نوعه، وخاصة إذا كان نفاقًا أكبر.

 

6- الأثيميّة كصفة لازمة وليس مجرد الإثم كحدث عارض، وخاصة إذا كان الأثيم منهمكًا في آثامه مصرًّا عليها، لا يأبه بالزواجر. والله أعلم بالحق.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1] راجع: «المعجم الوجيز»[ص6] مادة[أ ث م] و[ص247] مادة[ذ ن ب].

[2] راجع: «تفسير ابن كثير»[ج3 ص53]، و«تيسير الكريم الرحمن»[ص208].

[3] أخرجه مسلم في البر والصلة، باب/ تفسير البر والإثم[ح2553]، والترمذي في الزهد[ح2389] من حديث النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه.

[4] [حسن] أخرجه أحمد[4/228 ح18164] حدثنا يزيد بن هارون. وفي[ح18169] قال: حدثنا عفان. والدارمي[ح2533] قال: حدثنا سليمان بن حرب. ثلاثتهم[يزيد، وعفان، وسليمان] قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، فذكره. في رواية عفان: عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، ولم يسمعه منه، قال: حدثني جلساؤه، وقد رأيته، عن وابصة الأسدي[قال عفان: حدثني غير مرة، ولم يقل: حدثني جلساؤه].

قال النووي في «الأربعين النووية» في الحديث رقم[27]: «حديث حسن رويناه في «مسندي» الإمامين أحمد والدارمي بإسناد حسن». اه‍.

فتعقبه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» فبين ضعفه فقال: «في إسناد هذا الحديث أمران يوجب كل منهما ضعفه:[أحدهما]: انقطاعه بين الزبير وأيوب؛ فإنه رواه عن قوم لم يسمعهم.[والثاني]: ضعف الزبير هذا، قال الدارقطني: روى أحاديث مناكير، وضعفه ابن حبان أيضا، لكنه سماه أيوب بن عبد السلام، فأخطأ في اسمه.

وله طريق آخر عن وابصة خرجه الإمام أحمد أيضا من رواية معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله السلمي، قال: سمعت وابصة، فذكر الحديث مختصرا، ولفظه: قال: «البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك، وإن أفتاك عنه الناس». والسلمي هذا قال علي بن المديني: هو مجهول».

ثم قال: «وقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- من وجوه متعددة وبعض طرقه جيدة»، فراجعه لمزيد الفائدة.

[5] انظر: «مفردات القرآن»[ج1 ص15].

[6] قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ [الفرقان: 68]، وأثام بالقصر مفرد وآثام بالمد جمع. قال ابن الأثير: الأثَامُ بالفتح الإثمُ يقال أثمَ يأثم أثَامًا، وقيل: هو جَزَاءُ الإثم. انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر»[ج1 ص34].

[7] انظر: «اللسان» مادة[أ ث م].

[8] البيت للأعشى في ديوانه[ص87]، و«اللسان»[أ ث م]، وعجزه في «المجمل»[ج1 ص87].

[9] هذا عجز بيت لعمرو بن أحمر وشطره:

كثور العداب الفرد يضربه الندى

وهو في ديوانه[ص84]، وانظر: «اللسان» مادة[ندى].

[10] انظر: «مفردات القرآن»[ج1 ص15].

[11] المرادف - عند علماء اللغة - ليس بالضرورة مطابقًا، وإنما يكفي أن يكون مشابهًا في بعض المعاني، وإن كان مختلفا في بعضها الآخر.

[12] قال القرطبي:[والإثم] قال الحسن: الخمر، قال الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقلي

كذاك الإثمُ تذهب بالعقول

وقال آخر:

نشرب الإثم بالصواع جهارا

وترى المسك بيننا مستعارا

انظر: «تفسير القرطبي»[ج9 ص211].

[13] انظر: «المعجم الوسيط»[ج2 ص952].

[14] أخرجه مسلم في الإيمان[ح49].

[15] انظر: «تفسير القرطبي»[ج11 ص107]، و«تفسير غريب القرآن» للإمام العزيزي[ص102 هامش1] تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة.

[16] انظر: «تفسير غريب القرآن» للعزيزي[ص233].

[17] أي رب العالمين I.

[18] انظر: «كتاب الإيمان» لشيخ الإسلام ابن تيمية[ص278].

[19] انظر: «كتاب التوحيد» للشيخ صالح بن صالح الفوزان، نقلا عن «مفردات القرآن» للإمام الراغب الأصفهاني[ص297-298].

[20] أخرجه مسلم في الجنائز، باب/ التشديد في النياحة[ح934] من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

[21] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الإيمان[ح30] وفي العتق[ح2545] وفي الأدب[ح6050]، ومسلم في الأيمان[ح1661] من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

[22] انظر: «تفسير ابن كثير»[ج3 ص251] مختصرا.

[23] انظر: السابق[ج3 ص200].

[24] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الاستئذان، باب/ زنا الجوارح دون الفرح[6238] وفي القدر[6612]، ومسلم في القدر، باب/ قدر على ابن آدم حظه من الزنا[ح2657] من حديث عبد الله بن عباس عن أبي هريرة رضي الله عنهما.

[25] [صحيح] سبق في الذي قبله، وانظر: «تفسير ابن كثير»[ج7 ص295].

[26] انظر: «تيسير الكريم الرحمن»[ص108].

[27] انظر: «صفوة التفاسير»[ج1 ص174-175].

[28] انظر: «تفسير ابن كثير»[ج1 ص412]. ويبدو أن الصابوني نقل عبارته منه.

[29] انظر: «تفسير الطبري»[ج7 ص471].

[30] انظر: «فتح القدير»[ج1 ص771].

[31] راجع: «تيسير الكريم الرحمن»[ص179].

[32] انظر: «صفوة التفاسير»[ج1 ص302].