معنى "الخيانة":

الخيانة - في اللغة - مصدر الفعل "خان" يخون خيانة وخونًا واختِيانًا ومخانة، وخان الشيء خونًا وخيانة ومخانة: نقص، وخان الأمانة: لم يُؤدِّها، وخان فلانًا: غدَر به؛ فهو خائن.. الجمع خَوَنَة. وخان النصيحة: لم يُخلِص فيها، ويقال: خانته رجلاه: لم يقدر على المشي، وخانه الدهر: غدر ربه[1].

 

وخوَّن فلانًا: نسبه إلى الخيانة. واختانه: خانه، ويقال: اختان المال. وتخوَّن الشيء: تنقَّصه، ويقال: تخون فلانٌ حقي؛ إذا تنقصه شيئًا فشيئا، وتخوّن فلانًا: اتهمه بالخيانة. والخائنة: الخيانة، وفي القرآن الكريم ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19].

 

والخوَّان: المبالغ في الخيانة بالإصرار عليها. ويقال: دهر خوَّان[2].

 

والخيانة ضد الأمانة، وهذه الأخيرة من أعظم أخلاق الدين؛ بل هي الدين كله.. قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ [الأحزاب: 68].. قال ابن كثير - في تفسيرها -: قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض، وهو مروي عن ابن عباس، وقال آخرون: هي الطاعة، وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أُبَيُّ بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها، وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود، وقال بعضهم: الغُسل من الخيانة[3]، وقال مالك عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة؛ الصلاة والصيام والاغتسال من الجنابة. وكل هذه الأقوال لا تَنافِيَ بينها؛ بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقِب؛ فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه[4].

 

والأمانة تعني الوفاء، والوفاء يعني التمام؛ أي أداء تمام الحق وأخذ تمام الحق بلا زيادة ولا نقصان[5]. والأمانة والوفاء والصدق متقاربة المعاني، وداخل بعضها في بعض، وجميعها من صفات المؤمنين.. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8، والمعارج: 32]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 33]. كذلك فإن أضدادها من الخيانة والغدر والكذب متقاربة المعاني، وجميعها من صفات المنافقين والكافرين.. قال تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾ [الزمر: 32]. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"[6].. قال الحافظ: ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أنها منبهةٌ على ما عداها؛ إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنيّة؛ فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفِعْل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخُلْف[7].

 

الفرق بين "الخِيَانة" و"الخَوَّانِيَّة":

إذا كانت "الخيانة" مصدر خان يخون، واسمًا على الغدر والخلف والكذب وتبديد الحقوق أو جحودها، فإن "الخَوَّانِيَّة" مصدرٌ صناعي من "خوَّان"، وهذا الأخير صيغة مبالغة من "خائن"؛ فمصدره خان خيانة، وأما المصدر من "خَوّان" خوَّانية. وقلنا "الخيانة" و"الخوّانية" لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾، وقوله: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾؛ فالدقة تقتضي القول: إن ما يمنع من حبه تعالى عبده هو "الخيانة" و"الخوَّانِيَّة"، والله تعالى أعلم.

 

أولاً: الخيانة بمعنى قتل المعاهد، والمؤمَّن:

قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج: 38]، وقال: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58].

 

وقد سبق الحديث حول الآية الأولى، أما الآية الأخرى فنـزلت في حال المسلمين وبني قريظة والمسلمين بعد الأحزاب.. قال السيوطي: روى أبو الشيخ عن ابن شهاب قال: دخل جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قد وضعت السلاح ومازلنا في طلب القوم؛ فاخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ الآية [8].

 

وقد عمل بهذه الآية الصحابَةُ في الفتوح الإسلامية، فطبقها معاوية في غزو الروم وطبقها سلمان في غزو فارس[9].

 

وقد حمل بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ على المؤمنين إن هم خانوا.. قال الصابوني: وهذا كالتعليل للأمر بنبذ العهد؛ أي لا يحب من ليس عنده وفاء ولا عهد[10]، وقال ابن كثير: أي حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضًا[11]، وقال السعدي: فلابد من أمرٍ بيِّن يبرئكم من الخيانة[12]. إلا أنه مع ذلك يحتمل أن يكون المقصود الكافرين الذين خِيفت خيانتهم، فنهى الله النبي والمؤمنين عن أن يشبهوهم في أخلاقهم التي يكرهها الله تعالى.

 

وحول قوله تعالى: ﴿ فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴾ [محمد: 4] الآية، يقول أحد الباحثين: يمثل قتال الذين كفروا الذي أمرت به الآية القرآنية أحد المبادئ الإسلامية والقضايا القرآنية التي أسيء فهمها كثيرا على طول التاريخ الإسلامي واختلاف أوضاع المسلمين قوةً وضعفًا، يستوي في ذلك الفهم السيئ من لا يؤمنون بالإسلام ولا يرون في رسوله - صلى الله عليه وسلم - أحد الرسل وخاتَمَهم الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، ومن يؤمنون بذلك ويرون في قتال غير المؤمنين - بشروطه - فريضة على المسلمين توجبها الدعوة إلى الله، ويُناط بها استقامة الناس وهدايتهم على صراط الله الحميد[13].

 

ولا يهمنا رأي غير المسلمين الذي نعلم أن سببه التحامل على الإسلام إما لإغراضٍ أو لجهل، أما سوء موقف المسلمين من الجهاد فسببه إفراط المفرِطين وتفريط المفَرِّطين؛ إذ المسلمون تفرقوا إلى فرق ومذاهب وجماعات شتى، وأصبح لكل فرقة أو مذهب أو جماعة رأيٌ في جهاد الكفار.

 

فعلى حين تطرّف بعض المسلمين حتى وصلت بهم الحال إلى اتباع الأذناب من القاديانية الذين يدَّعون أنه يحرُم قتال المستعمر الكافر، نجد في زماننا وقبله من يَقتُلون بالجملة؛ فيَقتُلون المستأمنين والنساء والشيوخ والأطفال.. محاربين وغير محاربين، بل ربما يقتلون المسلمين أنفسهم، بل ربما قتلوا المسلمين الآمنين وتركوا الكفار المعتدين؛ وليس هذا بالمستغرب ولا هو بالجديد، فلقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في هؤلاء الخوارج: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"[14].

 

وقد تناولنا قبلُ أصناف من يجب قتلهم ومن يحرم؛ فلا حاجة لإيراده هنا.

 

بعض الأحاديث التي تحذِّر من قتل المعاهد والمؤمَّن:

1- عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره؛ ألا ولا غادر أعظم من أمير عامة"[15].

 

2- وعن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبو حسيلٍ. قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدا. فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه؛ فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر؛ فقال: "انصرفا.. نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم"[16].

 

وقد نقل ابن القيم في "زاد المعاد" جملة أحاديث في هذا الأمر.. نعتها بالثبوت عنه - صلى الله عليه وسلم -.. قال:

3- ثبت عنه أنه قال: "ذمة المسلمين واحدة.. يسعى بها أدناهم؛ فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلا"[17].

 

4- وقال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم.. لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده، من أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث أو آوى محدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"[18].

 

5- وثبت عنه أنه قال: "من كان بينه وبين قومٍ عهد فلا يحُلَّنَّ عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء"[19].

 

6- وقال: "من أمّن رجلا على نفسه فقتله فأنا بريء من القاتل"[20]، وفي لفظ: "أعطي لواء غدرة"[21].

 

7- وقال: "لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة[22] يعرف به.. يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان"[23].

 

8- ويذكر عنه أنه قال: "ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو"[24].

 

والخلاصة أن الخيانة التي تمنع من محبّة الله تعالى منها أن يقتل المسلم معاهدًا أو من في معناه من الآمن والمستأمَن.. إلخ.

 

ثانيًا: ارتكاب الكبائر وإلصاقها بالبُرَآء:

يقول تعالى: ﴿ وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ [النساء: 107].

 

قوله تعالى: (يختانون) مصدره "اختيان".. و"الاختيان" و"الخيانة" بمعنى الجناية والظلم والإثم [25].

 

وفي سبب نزول هذه الآية رُوي أن رجلا من الأنصار يقال له "طعمة بن أبيرق" من بني ظفر سرق درعًا من جاره "قتادة بن النعمان" في جراب دقيق؛ فجعل الدقيق ينتثر من خَرْقٍ فيه فخبأها عند "زيد بن السمين" اليهودي؛ فالتمست الدرع عند "طعمة" فلم توجد، وحلف ما أخذها وما له بها علم؛ فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منـزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إليّ طعمة، وشهد له ناسٌ من اليهود؛ فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهدوا ببراءته وسرقة اليهودي؛ فهمَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل فنـزلت الآية ﴿ إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ.. ﴾ الآية، وهرب "طعمة" إلى مكة، وارتد، ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط عليه فقتله[26].

 

أما عن قوله تعالى: ﴿ خَوَّانًا ﴾ فمبالغة من الخيانة؛ ولذا قلنا "الخوّانية"، إلى جانب "الخيانة"؛ وهو بمعنى الإفراط فيها.. ينساق إليها ثم ينساق إلى ما تجرُّه؛ كما انساق هذا المنافق إلى الردة ومفارقة الجماعة المؤمنة. ومن الإفرط في الخيانة تكرارها؛ بمعنى فعلها مرة تلو مرة حتى تصبح من خصاله فيصبح منافقا.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "آية المنافق ثلاث.. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"[27].

 

فبهذا يكون الأرجح - والله أعلم - أن السرقة مرة أو مراتٍ قليلة مع الحدّ لا تمنع من حبّه تعالى، وإنما تكون بالإفراط فيها؛ سواء باتهام البريء بها، أو بتكرارها حتى تصبح خلقًا وديدنًا، أو بتطورها حتى تصبح كفرًا وردة.

 

وقياسًا على ذلك يكون كل من يرتكب كبيرة ويلصقها بغيره داخلا تحت حكم الآية الكريمة؛ كالقاتل والزاني وشارب الخمر الذين يرمون غيرهم بسوء فعالهم، وذلك عملا بعموم الآية، خاصة وأن سبب نـزولها ضعيف.

 

من فوائد قصة الآية:

وردت هذه الآية من سورة النساء ضمن آيات تزخر بالمعاني الجليلة والفوائد البديعة:

أ- سياق الآيات: قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرْ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللهَ يَجِدْ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً * لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [النساء: 105-114].

 

ب- ما يستفاد من هذه الآيات فيما يخص موضوعَنا:

1- أن الحكم يكون بوحي الله وليس بهوى النفس ولا بهوى الناس.

 

2- ألا يضع الإنسان نفسه في صف ظالم فيجادل عنه، ويحتمل أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ﴾ - من الناحية اللغوية - أن لا تجادل الخائنين، كما قال تعالى: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وقال: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94]، وقال: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ [التوبة: 95].

 

3- أنه إذا هم الإنسان بارتكاب محرم فليستغفر الله تعالى.

 

4- من علامات المنافقين أنهم يستخفون من الناس؛ كما فعل سارق الدرع، فأخفاها في جراب الدقيق، ولا يستخفون من الله بألا يسرقوا أصلا.

 

5- أن جدال المؤمنين عن ذويهم من الخائنين إذا نفعهم في الدنيا بأن صرف الأعين عنهم؛ فلن ينفعهم في الآخرة لأنهم سيُفضحون. وربما لا ينفعهم في الدنيا كما لم ينفع سارق الدرع؛ إذ كشفه الله.

 

6- أن من يرتكب إثمًا ويرم به بريئا - ولو كان يهوديًّا كافرًا - فقد احتمل بهتانًا وإثما مبينًا.

 

7- أن من يطيع متبعَ هواه يضلّ، وأن الإنسان لابد أن يحق الحق ولو كان على عزيز أو ذي مكانة.

 

والخلاصة أن السرقة، بل وعموم الكبائر، تعد من الخيانة، واتهام البريء بها - وهو أيضًا كبيرة - يعد من الخيانة أيضًا. وأن كلتيهما -والله أعلم- من موانع محبّة الله تعالى عبده؛ خاصة إذا تكررتا وأصبحتا من صفات المنافقين؛ أي صفة لازمة للمرء. نعوذ بالله من ذلك.

 

خلاصة هذا المانع:

نخلص من هذا المانع؛ أي "الخيانة" و"الخوّانية"، بأن هاتين الصفتين تأتيان بمعنيين اثنين:

المعنى الأول: قتل المعاهد والآمن والمستأمن، ومن في معناهم ممن حرم الله دماءهم، وقد نادينا بالاحتراز من ذلك في المانع السابق.

 

والمعنى الثاني: اقتراف الكبائر، وخاصة السرقة، واتهام البريء بها؛ خصوصا إذا تكررت وتطورت.

 

غير أن هذين - والله أعلم - لا يكونان مانعين من محبته تعالى إلا إذا لم يتب فاعلهما، بحيث يصبحان له ديدنًا وعادة؛ مما ينذر بسوء الخاتمة، أما لو تاب وأقلع وندم فإن باب التوبة مفتوحٌ إن شاء الله.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] هو على المجاز لا على الحقيقة؛ لأن الدهر لا يخون، وإنما تتقلب صروفه بالمرء؛ فإذا ساءت حال المرء قال: قد خانني الدهر، وقد يكون هذا بسبب ذنوبه، وأرى الاحتراز من ذلك للحديث القدسي: "لا تسبوا الدهر فأنا الدهر".

[2] يقال فيه ما قيل في سابقه، وراجع : "المعجم الوجيز" (ص215) مادة (خ و ن) طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم بمصر سنة 1421.

[3] يعني عدم الغسل، كما سيتضح بعد ذلك.

[4] انظر: "تفسير ابن كثير" (ج6 ص304) بتصرف.

[5] راجع : "المعجم الوجيز" (ص26) مادة (أ م ن)، و(ص676-677) مادة (و ف ي).

[6] [صحيح] تقدم تخريجه وهو متفق عليه.

[7] انظر: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" لابن حجر العسقلاني (ج1 ص123) طبعة دار القلم للتراث.

[8] [منقطع] أخرجه القاسم بن سلام في "الأموال" (ح408)، وابن زنجويه في "الأموال" (ح536) كلاهما من طريق: عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. كذا أخرجوه منقطعا بين ابن شهاب الزهري (توفي 125ه).

• وأصله ثابت في البخاري في الجهاد والسير (ح2813)، ومسلم فيه أيضا (ح1769)، وليس فيه ذكر الآية، هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، بلفظ "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فو الله ما وضعته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأين؟ قال: ها هنا وأومأ إلى بني قريظة، قالت: فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

• وانظر: «لباب النقول في أسباب النـزول» للسيوطي (ص136) الطبعة الأولى مكتبة الصفا - القاهرة 1423.

[9] راجع : "تفسير ابن كثير" (ج3 ص375) طبعة مكتبة الإيمان.

[10] انظر: "صفوة التفاسير" (ج1 ص511).

[11] انظر: "تفسير ابن كثير" السابق (ج3 ص375).

[12] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (ص303).

[13] انظر: "تفسير سورة محمد" للدكتور محمد إبراهيم شريف (ص 84).

[14] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب/ قول الله تعالى ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ ﴾ (ح 3344)، ومسلم في الزكاة، باب/ ذكر الخوارج وصفاتها (ح1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[15] أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب/ تحريم الغدر (ح1738) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[16] أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب/ الوفاء بالعهد (ح1787) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

[17] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الفرائض، باب/ إثم من تبرأ من مواليه (ح6755)، ومسلم في الحج، باب/ فضل المدينة (ح1370) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[18] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الحج، باب/ حرم المدينة (ح1869)، ومسلم في الحج، باب/ فضل المدينة (ح1371) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[19] [صحيح] أخرجه أبو داود (ح2759)، والترمذي (ح1580)، والنسائي في "الكبرى" (ح8679)، وأحمد (4/111 ح17140) (4/113 ح17150) (4/385 ح19656) جميعًا من طريق: شعبة قال: أخبرني أبو الفيض قال: سمعت سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة مرفوعًا به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

[20] [صحيح] أخرجه أحمد (5/223 ح 21997) عن ابن نمير ثنا عيسى القاري أبو عمر بن عمر ثنا السدي عن رفاعة القتباني قال: ثم دخل على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، قال: فأردت أن أضرب عنقه، فذكرت حديثا حدثنيه أخي عمرو بن الحمق قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (6/444): "رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات".

[21] [صحيح] أخرجه النسائي في "الكبرى" في السير، باب/ فيمن آمن رجلا وقتله (ح8686، 8687، 8688)، ابن ماجه في الديات، باب/ من آمن رجلا على دمه فقتله (ح2688)، أحمد (5/223 ح21996، 21998، 21999) من حديث عمرو بن الحمق رضي الله عنه.

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (3/136): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث رفاعة الجهني أيضا، ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن محمد بن إبان عن السدي عن رفاعة بلفظ إذا أمن الرجلُ الرجلَ على نفسه ثم قتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا، وكذا لفظ النسائي، ورواه النسائي في السير من طرق منها عن قتيبة عن أبي عوانة عن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد عن حماد بن سلمة عن عبد الملك ابن عمير وعن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن قرة عن خالد عن عبد الملك بن عمير به، ورواه الحاكم في المستدرك من طريق عبد الملك بن عمير به". اه‍.

[22] أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب/ تحريم الغدر (ح1738) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، بهذا اللفظ.

[23] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الجزية (ح6177) بهذا اللفظ، وله أطراف أخرى كثيرة، ومسلم في الجهاد والسير (ح1735) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

[24] [حديث صالح للعمل به] خرجه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1/167 ح106) وصححه بمجموع طرقه، وتمام لفظه: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - مرفوعًا "يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم".

قال: رواه ابن ماجه (ج4019) وأبو نعيم في "الحلية" (8/333-334) عن ابن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله ابن عمر قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: فذكره.

ونقل قول البوصيري في "الزوائد". "هذا حديث صالح للعمل به، وقد اختلفوا في ابن أبي مالك وأبيه".

[25] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (ص179).

[26] [مقطوع] عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (ج2 ص672) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، فذكره.

وانظر: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" المعروف "تفسير أبي السعود" لشيخ الإسلام أبي السعود محمد بن محمد العمادي (ج1 ص308) نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت. كما أورد ابن كثير هذه القصة عن الترمذي وابن جرير الطبري؛ لكن باستيفاء أكثر، وتغيير اسم "طعمة" إلى "بشير"، وقال: رواه الحاكم في "المستدرك" وقال الحاكم: "على شرط مسلم ولم يخرجاه".

[قلت] : سكت عنه الذهبي في "التلخيص".

[27] [متفقٌ عليه] تقدم تخريجه.