تعريف الكفر:

الكفر -في اللغة- التغطية والستر، والكفر شرعًا: ضد الإيمان؛ فإن الكفر عدم الإيمان بالله ورسله.. سواءً كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب؛ بل شك وريب أو إعراض أو حسد أو كِبر، أو اتباع لبعض الأهواء الصادَّة عن اتباع الرسالة، وإن كان المكذِّب أعظم كفرًا. وكذلك الجاحد المكذب حسدًا مع استيقان صدق الرسل[1].

 

وكفر الرجل كفرًا وكُفْرانًا: لم يؤمن بالوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ (العنكبوت: 12). ويقال: كفر بالله أو بنعمة الله؛ وفي التنـزيل العزيز﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ﴾ (البقرة: 28)، وفيه أيضًا ﴿ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ (النحل: 72). كما يقال: كفر نعمةَ الله؛ فهو كافِر.. الجمع كُفَّار وكَفَرَة. وهو كَفَّارٌ أيضًا، وهو وهي كَفُور.. الجمع كُفُر، وهي كافرة.. الجمع كوافِر. وكفر بهذا: تبرَّأ منه، وكفر الشيءَ وعليه كفرا: ستره وغطاه؛ ويقال: كفر الزارع البذر بالتراب؛ فهو كافر، وكفر التراب ما تحته: غطاه. أكفر غيره وكفَّره: نسبه إلى الكفر. وأكفر من يطيعه: ألجأه إلى أن يعصيه...[2].

 

أنواع الكفر وأقسامه:

قسم العلماءُ الكفرَ -من الناحيتين النظريَّة والعمليَّة- إلى نوعين.:

النوع الأول: كفر أكبر.. يُخرِج من الملة، وهو خمسة أقسام:

القسم الأول: كفر التكذيب، ودليله قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾ (العنكبوت: 68).

 

القسم الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، ودليله قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ (البقرة: 34).

 

القسم الثالث: كفر الشك، وهو كفر الظن، ودليله قوله تعالى:﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ﴾ (الكهف: 35-38).

 

القسم الرابع: كفر الإعراض، ودليله قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ (الأحقاف: 3).

 

القسم الخامس: كفر النفاق، ودليله قوله تعالى:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ﴾ (المنافقون: 3)[3].

 

النوع الثاني: كفر أصغر.. لا يُخرِج من الملة، وهو الكفر العمَليّ، وهو الذنوب التي وردت تسميتُها في الكتاب والسنة كفرًا، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر؛ مثل كفر النعمة المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ ﴾ (النحل:116). ومثل الحلف بغير الله.. قال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»[4]. ومثل قتال المسلم المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»[5]، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كُفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»[6]. وقد جعل الله مرتكب الكبيرة مؤمنًا.. قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ (البقرة: 178)؛ فلم يُخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لوليّ القصاص فقال:﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ (البقرة: 178)، والمراد أُخُوَّة الدين بلا ريب، وقال تعالى:﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ (الحجرات: 9).. إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ (الحجرات: 10)[7].

 

وأشكال الكفرين الأكبر والأصغر أكثر من ذلك بكثير، ومنها ما يتعلق بالألوهية والربوبية وأسماء الله تعالى وصفاته، ثم ما يتعلق بأصول الإيمان الأخرى كالملائكة والكتب والنبيين واليوم الآخر والقدر. كذلك ما يتعلق بالإيمان والكفر من مسائل؛ مثل: تكفير المعيّن، والإعذار بالجهل والتأويل وسائر العوارض التي يعذر المعيّن بها، وما يعد من البدع مكفرًا وما لا يعد، وما يلتبس بالكفر مما يكون أحيانا -أو دائما- بمعناه؛ كالشرك والنفاق و«الكتابيّة» (ديانة أهل الكتاب)، والظلم والإثم وغيرها، وهذا مع غيره من العلاقة بين الإيمان والإسلام، وبين العقيدة والشريعة، وغير ذلك بابُ علمٍ واسع، هو علم التوحيد الواجب تعلُّمُه على كل مسلم يريد أن يحَصِّل أول أسباب محبَّة ريِّه الواحد الأحد سبجانه.

 

الفروق بين الكفرين.. الأكبر والأصغر:

1- أن الكفر الأكبر يُخرِج من الملة ويحبط الأعمال، والكفر الأصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط الأعمال؛ لكن ينقصها بحسبه ويعرّض صاحبَه للوعيد.

 

2- أن الكفر الأكبر يَخلُد صاحبُه في النار، والكفر الأصغر إذا دخل صاحبُه النار فإنه لا يَخلد فيها. وقد يتوب الله عليه فلا يدخله النار أصلاً.

 

3- أن الكفر الأكبر يُبيح الدم والمال، والكفر الأصغر لا يبيح الدم والمال.

 

4- أن الكفر الأكبر يوجب العداوة الدائمة بين صاحبه وبين المؤمنين؛ فلا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته ولو كان أقرب قريب، وأما الكفر الأصغر فإنه لا يمنع الموالاة مطلقًا بل صاحبه يُحَب ويوالى بقدر ما فيه من الإيمان، ويبغض ويعادى بقدر ما فيه من العصيان[8].

 

ما يمنع من محبة الله تعالى.. الكفر الأكبر أم الأصغر؟

 

الرأي أن الكفر الأكبر وحده هو الذي يمنع من محبة الله تعالى عبدَه، وذلك استنادًا إلى جملة أدلة:

الأول: أنه ما دام صاحب الكفر الأصغر يحب ويوالى من قبل المؤمنين فإنه كذلك بالنسبة لربه -والله أعلم- وإنه لا دليل على عدم ذلك، كما سيتضح إن شاء الله من خلال الآيات التي في عدم حب الله للكافرين أنها في الكافرين كفرًا أكبر.

 

الثاني: أن الله سبحانه أرأف وأرحم بعباده من إخوانهم المؤمنين، وهو أيضًا سبحانه أقرب إليهم منهم؛ بل أقرب إليهم من أنفسهم.. قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ﴾ (الواقعة: 85). وأنه سبحانه يتقرّب إلى عباده بأكثر مما يتقربون هم إليه، ومما يتقرب بعضهم لبعض.. قال تعالى -في الحديث القدسي-: «ومن تقرّب مني شبرًا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقُراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة»[9]. ومعلوم أن الكفر الأصغر ليس شركًا بالضرورة لا أكبر ولا أصغر.

 

قال الإمام النووي: معنى الحديث: «من تقرب إلي» بطاعتي؛ «تقربت إليه» برحمتي، وإن زاد زدت، «فإن أتاني يمشي» وأسرع في طاعتي «أتيته هرولة»؛ أي صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أُحْوِجْه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود[10].

 

الثالث: أن صاحب الكفر الأصغر قد يدخل الجنة -سواء بعد خروجٍ من النار، أو بعد المغفرة ابتداءً- ومعلوم أنه لا يدخل الجنة مكروهٌ من قبل الله تعالى؛ لقوله تعالى:﴿ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ (فاطر: 39).

 

الرابع: أن هذا كلّه من كرم الله ورحمته اللذين لا يقنط منهما إلا كافرٌ كفرًا أكبر، أما صاحب الكفر الأصغر فقد تناله رحمة الله تبارك وتعالى وعفوه.

 

أولاً: بغض الله تعالى عمومَ الكافرين والمشركين ومقتُه تعالى إيَّاهم:

قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ (الروم: 44-45)؛ فهذه الآية الأخيرة مجردة في عدم حب الله تعالى للكافرين؛ أي بشتى أنواعهم ومختلف أشكال كفرهم، وذلك لأنها تقارن بين أصحاب العمل الصالح وأضدادهم، ومعلوم أن أول العمل الصالح الإيمان بالله تعالى؛ فشمل الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات بفضله، وشمل الكافرين -أيًّا كان كفرُهم- بعدله وبغضه الذي هو ضد محبته وفضله سبحانه.

 

و﴿ مَنْ كَفَرَ ﴾ منهم؛ أي من جملة الناس الذين يصدَّعون يوم القيامة بمعنى يتفرقون ويصدرون أشتاتا ليروا أعمالهم، أو يتفرقون فريقا في الجنة وفريقا في السعير، ﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ ويعاقب هو بنفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى. ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً ﴾ من الحقوق التي لله والتي للعباد الواجبة والمستحبة، ﴿ فَلأَنفُسِهِمْ ﴾ لا لغيرهم ﴿ يَمْهَدُونَ ﴾؛ أي: يهيِّئون، ولأنفسهم يعمرون آخرتهم، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها. ومع ذلك جزاؤهم ليس مقصورًا على أعمالهم؛ بل يجزيهم الله من فضله الممدود وكرمه غير المحدود ما لا تبلغه أعمالهم، وذلك لأنه أحبهم، وإذا أحب الله عبدًا صب عليه الإحسان صبًّا، وأجزل له العطايا الفاخرة، وأنعم عليه بالنعم الباطنة والظاهرة. وهذا بخلاف الكافرين؛ فإن الله لما أبغضهم ومقتهم عاقبهم وعذبهم، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم؛ فلهذا قال: ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾[11].

 

ومما يدل على أن هذه الآية في عموم الكافرين بشتى أنواعهم الجمع والتعريف في لفظ ﴿ الْكَافِرِينَ ﴾؛ فـ«الكافرون» جمع «كافر»، وهو غير المؤمن عمومًا؛ وله أنواع كثيرة.. أكثرها شهرة جحود ربوبية الله تعالى، أو ألوهيته، أو الرسالة، أو الشريعة؛ مثال الصنف الأول: الملاحدة من الشيوعيين والدهريّين، ومثال الصنف الثاني: مشركو قريش، ومثال الصنفين الثالث والرابع: هؤلاء وأولئك واليهود والنصارى ممن لم يؤمنوا بنبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم؛ فيصح أن هؤلاء جميعًا تشملهم هذه الآية الكريمة، والله أعلم.

 

أي أن الله تعالى لا يحب الملاحدة والدهرية، ولا المشركين، ولا اليهود والنصارى، ولا من ارتد بعد إسلام.. إلى آخر أنواع الكفّار وأقسامِهم.

 

وكدليل على بغض الله تعالى الكافرين قوله تعالى أيضًا: ﴿ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ (فاطر: 39)، وقوله:﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ (غافر: 10).

 

قال الشوكاني: ﴿ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً ﴾؛ أي غضبًا وبغضًا[12]، ﴿ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ أي نقصا وهلاكا، والمعنى: أن الكفر لا ينفع عند الله حيث لا يزيدهم إلا المقت، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا الخسار[13].

 

وقال ابن كثير: ﴿ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً ﴾؛ أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله ارتفعت درجته ومنـزلته في الجنة، وزاد أجره، وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين[14].

 

وقال السيوطي: أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة فرأوا ما صاروا إليه مقتوا أنفسهم فقيل لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا، إذ تُدْعَون إلى الإيمان فتكفرون، أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم، وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: مقتوا أنفسهم لما دخل المؤمنون الجنة وأدخلوا النار فأكلوا أناملهم من المقت، قال: ينادون في النار لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم في النار، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله ﴿ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الآية، يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين يعرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه وأبَوْا أن يقبلوا أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عايَنوا عذاب الله يوم القيامة، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن زر الهمداني رضي الله عنه في قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال: هذا شيء يقال لهم يوم القيامة حين مقتوا أنفسهم؛ فيقال لهم: ﴿ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال: مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة[15].

 

وعن قتادة عن رجل من خثعم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه قال قلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: «نعم»، قال قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «إيمانٌ بالله»، قال قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: «ثم صلة الرحم»، قال قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: «ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، قال قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: «الإشراك بالله»، قال قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: «ثم قطيعة الرحم»، قال: قلت يا رسول الله! ثم مه؟ قال: «ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف»[16].

 

ففي هذا الحديث أن أبغض الأعمال إلى الله تعالى الإشراك به سبحانه، وهو اتخاذ الأنداد أو إشراكهم مع الله تعالى في العمل، وهذا موافق لنصوص الشرع الشريف؛ إذ ليس بعد الكفر والشرك ذنب؛ فإذا كان الله سبحانه يبغض الذنوب فهو لأعظمها وهو الشرك أشدُّ بغضًا.. فعن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك»[17].

 

ثانيًا: بغضه تعالى الكافرَ المعرِضَ عن طاعته تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ (آل عمران: 31-32).

 

أي: قل يا محمد إن كنتم حقًّا تحبون الله فاتبعوني لأني رسوله؛ يحبَّكم الله ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾؛ أي باتباعكم الرسول وطاعتكم لأمره يحبكم الله ويغفر لكم ما سلف من الذنوب[18]. ثم قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ ﴾؛ أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله. ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾؛ أي أعرضوا عن الطاعة، ﴿ فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾؛ أي لا يحب من كفر بآياته وعصى رسله؛ بل يعاقبه ويخزيه ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾[19].

 

قال ابن كثير: هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»[20]، ولهذا قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ ﴾؛ أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إيّاه، وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء والحكماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ إنما الشأن أن تُحَبَّ[21].

 

قال: ثم قال تعالى: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾؛ أي باتباعكم لرسول الله يحصل لكم هذا من بركة سفارته، ثم قال تعالى آمرًا لكل أحدٍ من خاصٍّ أو عام: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾؛ أي تخلفوا عن أمره، ﴿ فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾؛ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرّب إليه؛ حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسوله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء بل (المرسلون) بل أولو العزم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته...[22].

 

وأبرز من ادعوا محبتهم لله؛ بل محبة الله إيّاهم هم اليهود والنصارى لعنهم الله؛ فهذه فرية: أن يدعي الكافرون -أو صنف منهم- أن الله يحبّهم.. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ (المائدة: 18)؛ فقوله تعالى: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ ردٌّ على دعوى حب الله إياهم، وقوله تعالى: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ رد على دعوى أنهم أبناء الله -تعالى الله عما يصفون علوًّا كبيرًا- ويجوز أن يكون ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ ردًّا على الدعويين، وكذلك ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾؛ أي أنكم مجرد بشر ممن خلق لا يحبكم الله إلا بحصول الأسباب وانتفاء الموانع التي جعلها أسبابا وموانع لحصول محبته تعالى عبادَه.

 

هذا، وتشيع في زماننا دعوى الناس محبة الله إياهم؛ فنسمع البعض يقول: (أنا ربُّنا يحبني)؛ وقد يكون تعليقًا على كونه أفلت من قدر كاد يحل به أو حل بغيره، مع أنه قد يكون من حل به هذا القدر أحبَّ إلى الله؛ لأنه قد يكون ابتلاءً، وسيأتي أن من علامات محبة الله العبد ابتلاءه إيَّاه. غير أنه ليس كل من يدعي حب الله تعالى إيّاه كاذبًا؛ بل قد يكون البعض صادقا لكن يجب عدم تزكية النفس بهذا الفضل العظيم. كذلك فإن قول القائل إن الله يحبني ليس مذمومًا بإطلاق وإنما قد يمدح إذا جاء في محل الشكر، والله أعلم.

 

يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: هذه الآية[23] هي الميزان؛ التي يُعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة؛ فعلامة محبة الله اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه طريقًا إلى محبته ورضوانه؛ فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما، فمن فعل ذلك أحبه الله وجازاه جزاء المحبين، وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك ما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾.. ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ ﴾ بامتثال الأمر واجتناب النهي وتصديق (الخبر)؛ ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ عن ذلك فهذا هو الكفر، والله ﴿ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾[24].

 

و«الكافرون» جمع «كافر» وهو اسم فاعل؛ أي فاعل الكفر.. يفعله بأي نوع من أنواعه.. كان شركًا أو نفاقًا أو تهوُّدًا أو تنصُّرًا أو ردةً... إلخ، أو يفعله بأية جزئية من جزئياته؛ لأنه ليس بالضرورة أن يكون الكفر مجتمعًا كله في إنسان حتى يكون كافرًا أو حتى يكون غيرَ محبوبٍ لله تعالى؛ فتكفي جزئية واحدة من تلك الجزئيات، كالكفر بملَك من الملائكة أو بكتاب من الكتب، أو ببعض الكتاب، أو برسول من الرسل.. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً للهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 98)، وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: 85)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (النساء: 150-151). يدل هذا كله على أن الكفر فعلٌ بمحض إرادة فاعله.. قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل: 14).

 

وهذه الآية تدل على أن الكفر وحده -وهو هنا الإعراض عن طاعة الله ورسوله- مانع من حب الله تعالى عبدَه المتصف بتلك الرذيلة؛ لأن الله جمع الكفر مع الخيانة مرةً ومع الإثم مرةً كمانعٍ من محبته تعالى صاحبَها؛ لكن هاهنا أفرد الكفر عما يلتبس به من الذنوب، وجمع الكافرين كلَّهم فلم يستثن منهم أحدًا، والله أعلى وأعلم.

 

العصيان الذي يَكْفُر صاحبه:

الصواب أنه لا يكفّر المسلم بذنبٍ يرتكبه.. هذه عقيدة أهل السنة أنه ليس كل عاصٍ كافرًا[25]، خلافا للخوارج الذين يقولون إن مرتكب الكبيرة كافر، فهذا من ضلالاتهم المضلّة، وللمعتزلة الذين يقولون إنه في منزلة بين منزلتين أو هو فاسق ونفوا عنه اسم الإيمان[26]؛ لأنه ليس من أحدٍ إلا ويعصي سوى المعصومين، ومع ذلك ليس المعصومون وحدهم المؤمنين، وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»[27]. وليس معنى هذا أن كل مرتكبٍ إثمًا يظل به مؤمنًا، فهذا قول المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان معصية. فأهل السنة على أنه قد يضر إذا لم يعتقد الطاعة؛ أي أنه تجب عليه الطاعة، فهذا كافر، وليس من عصا تكاسلاً أو ضعفاً أو جهلاً أو تأوُّلا.

 

وتوضح الآيات في سورة النساء بعد الآية السابق إيرادها كفر من لم يطع الرسول؛ فيقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ (الآيات من 81 إلى 84 من سورة النساء). قال القرطبي -في قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾-: هذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين[28].

 

قال: أي يقولون إذا كانوا عندك أمرنا طاعة، أو نطيع طاعة، وقولهم هذا ليس بنافع؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيعٍ حقيقة؛ لأن الله لم يحقق طاعتهم بما أظهروه؛ فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد حقيقة لحكم لهم بها. فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها[29].

 

والخلاصة أن طاعة الله ورسوله من الإيمان، ومعصيتهما من الكفر. بل -إن شئت الحق- فإن طاعة الله ورسوله هي كل الإيمان، وهي طاعة واحدة لا يجوز فصلها عن بعضها البعض. وكذلك فإن معصيتهما أو أحدهما هي كل الكفر وليست جزءًا منه؛ لأن الكفر الأكبر لا يُجزَّأ؛ فمن أنكر أصلاً من الإيمان كفر ولو آمن بجميع الأصول الأخرى.

 

وإذًا تكون معصية الله ورسوله مانعة من محبّة الله تعالى عبده العاصي؛ فمن أراد أن يحبه الله فليطعه ورسوله معًا؛ لأن أمرهما واحد ونهيهما واحد.

 

على أن طاعة الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم متلازمتان؛ فلا تصح إحداهما إلا إذا صحت الأخرى؛ فالتوحيد توحيدان: توحيد المرسِل وتوحيد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل الطرق مسدودة إلا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من أراد نفسه وتزكيتها فعليه بالمتابعة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. علمًا وعملاً واعتقادا[30].

 

وتبيّن هذه الآية أن الكفر كله مانع من حب الله تعالى عبده؛ لكن الكفر كله محصور -بحسب هذه الآية[31]- في عدم التزام الإسلام الذي ارتضاه الله دينًا لعباده وأحبائه. والالتزام بهذا الإسلام هو طاعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به ونهى عنه، «وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو أربعين موضعًا من القرآن، فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب ...»[32].

 

وقد ذكر الله ذلك جليًّا واضحًا مفصَّلاً محكَمًا فقال: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء: 80)، وهذا بدهي؛ إذ لا يُعرف الله سبحانه حق المعرفة ولا الأحكام التي تعبَّدَنا بها إلا من طريق رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا: بغضه تعالى مستحلَّ الربا:

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾... إلى قوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: 275-276).

 

فلما ذكر الله حال المنفقِين -قبل هاتين الآيتين -وما لهم عند الله من الخيرات، وما يكفر عنهم من السيئات والخطيئات، ذكر الظالمين من أكَلة الربا والمعاملات الخبيثة، وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم؛ فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين، عوقبوا في البرزخ والقيامة بأنهم لا يقومون من قبورهم أو يوم بعثهم ونشورهم ﴿ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ﴾؛ أي من الجنون والصرع. وذلك عقوبة لهم وخزي وفضيحة، وجزاء لهم على مراباتهم ومجاهرتهم بقولهم ﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾، فجمعوا -بجراءتهم على الله وعلى أحكامه -بين ما أحل الله وبين ما حرم، واستباحوا بذلك الربا. فسيماهم التي يعرفون بها بين الخلائق الذين كان بعضهم يتخفى عنهم ويُسيِّر الناس يرابون له، فيفضحهم الله ويهتكهم فيسيرون يتخبطون كالمجانين والمصروعين والمخابيل. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر -ليلةَ أُسْرِيَ به -بقومٍ لهم أجواف كالبيوت فسأل عنهم فقيل: هم أكلة الربا. وروى البخاري عن سمرة بن جندب -في حديث المنام الطويل-: «فأتينا على نهر -حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم -وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر فاه له، فيلقمه حجرا، وذُكِر في تفسيره أنه آكلُ الربا»[33].

 

ما هو الربا؟[34]:

1- تعريفه: الربا -في اللغة-: الزيادة. والمقصود به هنا: الزيادة على رأس المال قلَّت أو كثرت. يقول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279).

 

2- حكمه: هو محرَّم في جميع الشرائع السماوية، ومحظورٌ في اليهودية والمسيحية والإسلام.

 

أ- فقد جاء في العهد القديم: (إذا أقرضتَ مالاً لأحد من أبناء شعبي فلا تقِفْ منه موقف الدائن، لا تطلب منه ربحًا لمالك)[35] ؛ إلا أن اليهود لا يرون مانعًا من أخذ الربا من غير اليهودي كما جاء في سفر التثنية، وقد رد عليهم القرآن. قال: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (النساء: 161).

 

ب- وفي كتاب العهد الجديد: (إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة فأي فضل يُعرَف لكم؟ ولكن افعلوا الخيرات وأقرضوا غير منتظرين عائدتها. وإذًا يكون ثوابكم جزيلاً)[36]. وقد حرم رجال الكنيسة الربا تحريمًا قاطعًا، وقال سكوبار: إن من يقول إن الربا ليس معصية يعد ملحدًا خارجًا عن الدين[37].

 

ج- وتناول القرآن الكريم الربا في عدة مواضع مرتبة ترتيبًا زمنيًّا. ففي العهد المكي نزل قول الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 39). وفي العهد المدني نزل تحريم الربا صراحة في قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 130). وآخر ما ختم به التشريع في الربا قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 278-279).

 

د- وقال صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات.. وأكل الربا..»[38]. وعن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. قال: «هم سواء»[39].

 

3- الحكمة في تحريم الربا:

1- أنه يسبب العدواة بين الأفراد ويقضي على روح التعاون.

 

2- أنه يؤدي لإيجاد طبقة المترفين التي لا تعمل، ومع ذلك تتضخم الأموال في يديها.

 

3- أنه وسيلة الاستعمار كما حدث في زماننا وقبله.

 

4- أنه يلغي أبواب الخير؛ كالتصدق والزكاة والإقراض الحلال.. إلخ.

 

4- أقسام الربا:

أ- ربا النسيئة (الأجل): وهو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، وهذا النوع محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة.

 

ب- ربا الفضل (الزيادة): وهو بيع النقود بالنقود أو الطعام بالطعام مع الزيادة، وهو محرم بالسنة والإجماع لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة.. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين»[40]. وقال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرِّ، والملح بالملح، مِثْلاً بمثل، يدًا بيد؛ فمن زاد أو استزاد فقد أربَى. الآخذ والمعطي سواء»[41]... ويشترط في بيع المِثْلَيْنِ من الستة المحرم بيعها بأمثالها شرطان:

1- التساوي في الكمية بصرف النظر عن الجودة والرداءة.

 

2- عدم تأجيل أحد البَدَلَين[42].

 

وقال الإمام القرطبي مختصرًا: (الربا) كل مالٍ حرام بأي وجه اكتسب. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النساء (النسيئة)، والتفاضل في العقود وفي المطعومات (ربا الفضل). وغالبه ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم (المدين): أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه، وهذا كله محرم باتفاق الأمة.

 

الفرق بين أكل الربا وبين استحلاله:

قال ابن كثير: وقوله ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾؛ أي إنما جُوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم الربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا ﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾، أي هو نظيره فلم حُرِّم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع؛ أي هذا مثل هذا وقد أحل هذا وحرم هذا. ويحتمل أن يكون من تمام الكلام ردًّا عليهم؛ أي على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكمًا، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم وما يضرهم فيهناهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل؛ ولهذا قال: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ﴾؛ أي من بلغه نَهْيُ الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة.. لا يأمره برد الزيادة التي أخذ ومن كان تعاقد على أخذ زيادة، ونزل الشرع قبل أخذها، فلا يأخذ إلا رأس ماله[43].

 

وقال العلامة السعدي: فجمعوا -بجراءتِهم- بين ما أحلّ اللهُ وبين ما حرّم اللهُ، واستباحوا بذلك الربا[44].

 

أما عن كَفَّار وأثيم وعلاقتهما بآكل الربا وبمستحلّه، ففيه توضيح لا يتأتى إلا ببحث اللفظين «كفار» و«أثيم» بحثا لغويّا -سيأتي- وتبقى النقطة المهمة في جواب هذا السؤال: هل الكفّار الأثيم هو آكلُ الربا من دون استحلاله؟ أم هو مستحلّه؟ أم كلاهما؟ أم أن أحدهما الكفار والآخر الأثيم؟

 

الحق أن أكل الربا من أكبر الكبائر؛ بل هو من الأخطاء التي لا يستطاع تصحيحها بسهولة.. أما أنه من أكبر الكبائر فلأنه منافٍ للتقوى ومضادٌ للإيمان.. قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 278). وأنه حُرِّم بصيغة حاسمة صريحة.. ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وأنه أحد صفات وخصائص اليهود والمشركين.. ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ (النساء: 160-161). وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات السبع[45]. ولعن الله ورسوله فيه خمسة.. آكله وموكله وكاتبه وشاهديه[46].

 

وقد نقل العلامة ابن حجر الهيثمي علامات وضعها العلماء لمعرفة الكبيرة أغلبها ينطبق على أكلِ الرِّبا.. منها: أن يكون عليها وعيدٌ شديد بنص كتابٍ أو سنة، وأن يُنَصَّ على تحريمها، وأن تكون مما يؤذِنُ بعدم اكتراث في الدِّين، وأن تكون محرمة لذاتها[47].

 

وأما عن كون أكل الربا مما لا يستطاع التخلص منه بسهولة؛ فلكونه أكلاً يُربي لحماً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل لحم نبت من حرامٍ فالنار أولى به»[48]. وفي «صحيح ابن حبان»[49] قال: قال أبو حاتم رضي الله عنه: ... وقوله: «لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت» يريد جنة دون جنة؛ لأنها جنان كثيرة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة ولد الزنى[50]، ولا يدخل العاق الجنة[51]، ولا منان[52]».. يريد جنة دون جنة...

 

[قلت]: وهذا يدل على أن أكل الربا (السحت) كبيرة من وجوه:

أولها: الوعيد الشديد عليها؛ حيث المنع من دخول الجنة.

 

والثاني: أن صاحبه لابد أن يدخل النار حتى تأكل ما نبت من لحم من الربا، ثم يبدله الله خيرا منه -إن كان من أهل (لا إله إلا الله)- فيدخل الجنة بعد ذلك.

 

والثالث: أن آكل الربا -ما لم يستحله- ليس بكافر بدليل خروجه من النار بعد التطهر؛ حيث لا يخلد مرتكب الكبيرة في النار، كما هي عقيدتنا معشر أهل السنة والجماعة.

 

وأما عن استحلال الربا فكفر من وجوه:

أولها: أنه إنكار للمعلوم من الدين بالضرورة؛ فالدين عقائد وعبادات ومعاملات والربا باب مشهور في المعاملات.. معلوم شره ومقته وتحريمه.. قال ابن القيم: وبيان ذلك[53] على وجه الإشارة أن الله (سبحانه وتعالى) حرم الربا والزنا وتوابعهما ووسائلهما؛ لما في ذلك من الفساد، ولابد أن يكون بين الحلال والحرام فرق في الحقيقة؛ وإلا فكان البيع مثل الربا، والنكاح مثل الزنا، ومعلوم أن الفرق في الصورتين مُلغىً عند الله ورسوله، وفي فطرة عباده؛ فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال؛ فإن الألفاظ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدا؛ فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال إذا اختلفت صورها واتفقت مقاصدها، وعلى هذه القاعدة يبنى الأمر والنهي والثواب والعقاب، ومن تأمّل الشريعة علم بالاضطرار صحة هذا[54].

 

والثاني: أن استحلال الربا إنكار لكثير من القرآن والسنة؛ فقد ورد تحريم الربا وذمه والتشنيع على آكله في آيات كثيرة وأحاديث جمة.. منها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275)، ﴿اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ (البقرة: 278)، ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ (آل عمران: 130)، ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (النساء: 161)، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ (الروم: 39)، وفي الحديث نقلنا حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الوارد في أكثر من خمسة عشر كتابًا من دواوين السنة المشرفة، وحديث السبع الموبقات وغير ذلك.

 

وإذًا فمستحل الربا لا يسعه إلا أن ينكر هذه الآيات والأحاديث المصرِّحة والجازمة بتحريم الربا، ومعلوم أن من يجحد شيئًا من القرآن كافر، وهو غير العاصي الذي يقرّ بحرمة الشيء ولو أنه ارتكبه؛ لأن جاحد الشرع يخشى الناس أكثر مما يخشى الله تعالى، وهي صفة في أصناف من الكفار؛ خاصة اليهود والمنافقين.. قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (النساء: 108)، ومن خصائص اليهود أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وهي صفة ملازمة للمستخفي من الناس، وكلا الصفتين مقدمتان لاستحلال الربا؛ حيث يخشى المرابي العار فينكر حرمة الربا حتى لا يلومه الناس إذا ما فعله، وإذا قيل له كفرت قال إنه مؤمن، ويستدل بتمسكه -في الظاهر- ببعض ما يؤمن به المؤمنون.

 

الثالث: أنه محادة لله تعالى ومحاربة، ولا يحادّ الله تعالى ويحاربه إلا كافر، وإنما المؤمن يصفُّ نفسَه في حزب الله المفلحين؛ فيأتمر بأمره وينتهي بنهيه ويدعو إليه ويقاتل في سبيله، ومما يدل على أن الربا محادّة لله تعالى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ (البقرة: 278-279).

 

قال المفسرون: حربًا في الدنيا؛ حيث يستتيب الإمام المتعامل بالربا، فإن تاب وأقلع وإلا ضرب عنقه.. قاله ابن عباس والحسن وابن سيرين.. هذا في الدنيا، وفي الآخرة قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب[55].

 

إن الربا إفساد في الأرض، بل هو من أكبر الإفساد فيها، والمفسد في الأرض محارب لله تعالى.. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33)، فربما استنبط من قال بضرب عنق المرابي إن لم يتب هذا الحكم من هذه الآية. ثم إن أخذ السلاح -في قول ابن عباس- حرب لله تعالى، وإنما فُعِل بالمرابي ذلك في الآخرة لأنه كان في الدنيا محاربًا. وكل هذا فضلاً عن كونه غير راضٍ برزق الله الحلال وغير مؤمن بالبعث حيث يجازى.

 

بحث «كَفَّار» و«أثيم» والفرق بينهما:

أ- «كَفّار»: هي مفرد على المبالغة من اسم الفاعل كافر، وقد تُحوَّل صيغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثي المتعدي واللازم إلى أوزان أخرى تدل على الكثرة والمبالغة -كمًّا وكيفًا- في اتصاف الذات بالحدث، وتسمى صِيَغ المبالغة؛ فنحو كذَّاب أبلغ من كاذب في دلالتها على الكذب. وأشهر صيغ المبالغة خمس هي: فعّال، ومِفعال، وفعُول، وفعِيل، وفَعِل[56]. وفِعْل «كفّار» «كَفَرَ» المتعدي في بعض الاستعمالات واللازم في بعضها.. تقول: كفر الرجل، وكفر نعمة ربه، كما يتعدى اللازم منه بالباء.. تقول: كفر بالله.

 

فـ«كفّار» صيغة مبالغة[57] من كافر؛ أي كثير الكفر، لمن يكفر مرة بعد مرة، أو بهذه الآية وبتلك، وبهذه النعمة وبتلك. وهو المبالغ في الكفر؛ حيث يُنهى عنه ولا ينتهي، فصفة الكفر ملازمة له.. ملتصقة به.. لا تنفك عنه ولا تبرحه.. يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، ويجحد الشرع، ويستحل الحرام... إلخ. وإذًا فـ«كفار» تعني -والله أعلم بمراده- مكرر الكفر والمستزيد منه، وفي كل منهما تفصيل:

1- إذا كان المعنى تكرار الكفر.. أي الكفر مرة بعد مرة؛ فهل الكفر مرة واحدة لا يمنع من حب الله تعالى؟

 

عقيدة أهل السنة والجماعة أنه ما لم يغرغر العبد ولم تطلع الشمس من مغربها فإن باب التوبة مفتوح حتى للكافر؛ غير أنه يخشى على من يكرر الكفر أن يطبع الله على قلبه فلا يؤمن -والعياذ بالله- أبدًا؛ فكان دعاء موسى (عليه السلام) على فرعون وملئه ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ (يونس: 88)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 3). ومما يدل على أن «كفَّارًا» قد تعني تكرار الكفر قوله تعالى في الآية السابقة على التي عليها الكلام: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 275).

 

2- وهذا أيضًا يدل على أن «كفّارًا» تعني زيادة الكفر؛ أي شدته؛ أي الكفر الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار. وقال الإمام القرطبي -عند قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾-: معناه عند جميع المتأوِّلين في الكُفّار، ولهم قيل ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلا؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»[58]، لكن قد يؤخذ العصاة في الربا بطرفٍ من وعيد هذه الآية[59].

 

ب- «أثيم»[60]: «أثيم» هي الأخرى مفرد على المبالغة في الإثم والزيادة منه، بحسب صيغة المبالغة «فَعِيل»، فما يقال في «كفّار» يقال في «أثيم»؛ فهي أيضًا مبالغة في الإثم وزيادة فيه، وتلزم صاحبها كما لا يلزمه اسم الفاعل «آثم»، وتمنع من محبّة الله تعالى عبده كما تمنع «كفار»، وذلك موضوع المانع الثالث من محبة الله تعالى.

 

جـ- الفرق بين «كفّار» و«أثيم»: قال القرطبي: ووصف كفار بأثيم مبالغة؛ من حيث اختلف اللفظان، وقيل لإزالة الاشتراك في «كفّار»؛ إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض.. قاله ابن فورك[61].

 

وقال ابن كثير: أي لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولابد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابِيَ لا يرضى بما قسم الله له من الحلال ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جَحود لما عليه من النعمة ظلوم آثم يأكل أموال الناس بالباطل[62].

 

ولا يعني -والله أعلم- أنه يشترط الصفتان في المرء؛ أي «الكَفّارية» و«الأثيميّة»، حتى يبغضه الله تعالى؛ إذ الكفر وحده مانع من محبّة الله تعالى عبده كما سبق، و«الأثيمية» -ولا نقول الإثم حيث قد يكون لممًا- وحدها مانعة من محبته تعالى عبده كما سيأتي. فلا يلزم اجتماعهما في شخص حتى لا يحبه الله تعالى، والله أعلم.

 

رابعًا: كفر القاتلِ غدرًا وخيانة، وكفر النعمة:

يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: 38).

 

قال القرطبي -في سبب نزول هذه الآية-: روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغدر ويحتال[63].

 

وقال بدر الدين العيني: إن المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة فشكوا إلى النبي وسألوه أن يغتالوا من أمكنهم منهم ويغدروا به فنزلت ﴿ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا بالصبر إلى أن هاجر النبي فنزلت ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ الآية؛ فأباح الله قتالهم فكان إباحة القتال مع الهجرة التي هي سبب النصرة والغلبة وظهور الإسلام[64].

 

وقال بعض العلماء: إن سورة الحج مكية إلا ثلاث آيات من أول قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (الحج: 109)، وليست هذه الآية من الآيات الثلاث المدنيّة، وقد وردت في سياق النهي عن القتال قبل الإذن به في الآيه التي تليها مباشرة، وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39)[65]، ومعلوم أن الجهاد في سبيل الله مر بثلاث مراحل تشريعية[66].. الأولى: حظره قبل آية الإذن هذه، والثانية: الإذن به قبل فرضه كما في هذه الآية، والثالثة: فرضه على الكفاية أو على التعيين على تفصيل ليس هاهنا مكانه.

 

فهل في سورة الحج آياتٌ أخرى مدنية غير الآيات الثلاث المشار إليها؟ أم أن الجهاد قد أُذِن به قبل الهجرة؟ إنه يستحيل هنا الجمع بين القولين.. فلابد أن أحدهما صحيح والآخر خطأ، ولكن اتفق العلماء على أن الجهاد لم يؤذن به في مكة بدليل آيات الصفح الكثيرة في السور النازلة أوّلا بالمدينة كالبقرة وغيرها؛ مثل قوله تعالى: ﴿... فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ... وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ...﴾ (البقرة: 109-110) وقوله: ﴿... فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة: 13)، قال ابن تيمية: وسورة المائدة مدنية بالإجماع[67]، وقال أيضًا عن سورة الحج: وسورة الحج بعضها مكي بلا شك وأكثرها أو باقيها مدني متقدم[68]؛ فإذن القول بأن سورة الحج مكية إلا ثلاثا ليس صحيحا.

 

يقول السعدي عند آية الحج هذه: كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار ومأمورين بالصبر عليهم لحكمة إلهية؛ فلما هاجروا إلى المدينة وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، كما قال تعالى:﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ﴾ يفهم منه أنهم كانوا قبلُ ممنوعين؛ فأَذن الله لهم بقتال الذين يقاتلونهم[69]. قال: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ ﴾ أي خائن في أمانته التي حمّله الله إيّاها، فيبخس حقوق الله عليه ويخونها، ويخون الخلق.. ﴿ كَفُورٍ ﴾ لنعم الله؛ يوالي اللهُ عليه الإحسان ويتوالى منه الكفر والعصيان، فهذا لا يحبه الله بل يبغضه ويمقته وسيجازيه على كفره وخيانته، ومفهوم الآية أن الله يحب كل أمين قائم بأمانته شكور لمولاه[70].

 

ويقول ابن كثير -عن زيد بن أسلم ومقاتل بن حبان وقتادة وغيرهم-: هذه أول آية نزلت في الجهاد. واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة -أي سورة الحج- مدنية. كما روى ابن كثير سببًا آخر لنـزول الآية -عن ابن جرير الطبري في تفسيره[71]- عن ابن عباس قال: لما أُخرِج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكُنَّ. قال ابن عباس: فأنزل الله (عليه السلام) ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾.. قال أبو بكر رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال[72]. قال: وقوله: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾؛ أي لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق لا يفي بما قال، والكفر: الجحد للنعم فلا يعترف بها[73].

 

وبهذا الاستعراض يتضح أن للمفسرين -في المناسبة بين قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وقوله ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾- ثلاثة أقوال:

الأول: أن «الخوَّانيّة» و«الكَفُورية» هاتين في حق المؤمنين إن غدروا بالمشركين فقتلوا من أمكنهم منهم، كما يقول القرطبي والعيني.

 

الثاني: أن «الخوانية» و«الكفورية» في حق المؤمنين إن هم خانوا أمانتهم التي حملوها من الإيمان بالله تعالى بحقوقه وحقوق الخلق، وأن أعظمهم في المحافظة على هذه الحقوق أعظمهم في دفاع الله تعالى عنه؛ فمستقِلٌّ من هذا وذاك ومستكثِرٌ منهما، كما يقول العلامة السعدي.

 

الثالث -وهو أشهرها-: أن «الخوانية» و«الكفورية» في حق كل أحدٍ؛ أي أنّ كل خوان وكل كفور جاحد النعمة لا يحبه الله، كما يقول ابن كثير وغيره.

 

لكن ينبغي أن يعلم أن كفر النعمة إذا كان وحده فهو كفر أصغر غير مخرج من الملة ولا مخلدٍ في النار، ومن ثم لا يبغض الله صاحبه كما يبغض صاحب الكفر الأكبر، فيُشعِر هذا بأن الآية إما محمولة على الكفار الخائنين، أو تحذيرٌ للمؤمنين من أن يصبحوا مثلهم إذا تعاملوا بأخلاقهم، أو هما معا.

 

ولا تعارض بين الأقوال الثلاثة؛ لأنه إذا كان الله لا يحب المؤمنين إن غدروا وخانوا، أو كان لا يحبهم إن كفروا النعمة؛ فمن باب أولى لا يحب الكافرين إذا اتصفوا بالخيانة وكفران النعمة؛ لأنه لا يحبهم ابتداءً على كفرهم الأول.

 

وقال الطاهر بن عاشور: ﴿ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ استئناف بياني جوابًا لسؤال يخطر في نفوس المؤمنين ينشأ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (الحج: 25) الآية؛ فإنه توعد المشركين على صدهم عن سبيل الله والمسجد الحرام بالعذاب الأليم. وبشر المؤمنين المخبتين والمحسنين بما يتبادر منه ضد وعيد المشركين وذلك ثواب الآخرة. وطال الكلام في ذلك بما تبعه لا جرم تشوَّفت نفوس المؤمنين إلى معرفة عاقبة أمرهم في الدنيا، وهل ينتصر لهم من أعدائهم أو يدخر لهم الخير كله إلى الدار الآخرة، فكان المقام خليقًا بأن يُطمئِن اللهُ نفوسهم بأنه كما أعد لهم نعيم الآخرة هو أيضًا مدافع عنهم في الدنيا وناصرهم، وحذف مفعول (يدافع) لدلالة المقام؛ فالكلام موجهٌ إلى المؤمنين. ولذلك فافتتاحه بحرف التوكيد إما لمجرد تحقيق الخبر وإما لتنزيل غير المتردد لشدة انتظارهم النصر واستبطائهم إياه، والتعبير بالموصول لما فيه من الإيمان وجه بناء الخبر، وأن دفاع الله عنهم لأجل إيمانهم... وجملة ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ تعليل الدفاع بكونه عن الذين آمنوا بأن الله لا يحب الكافرين الخائنين؛ فلذلك يدفع عن المؤمنين لرد أذى الكافرين؛ ففي هذا إيذان بمفعول (يدافع) المحذوف أي يدافع الكافرين الخائنين. والخوّان: الشديد الخون، والخون كالخيانة: الغدر بالأمانة. والمراد بالخوّان الكافر؛ لأن الكفر خيانة لعهد الله الذي أخذه على المخلوقات بأن يوحدوه فجعله في الفطرة وأبلغه الناس على ألسنة الرسل فنبه بذلك ما أودعهم في فطرتهم. والكفُور: الشديد الكفر. وأفادت (كل) في سياق النفي عموم نفي محبة الله عن جميع الكافرين؛ إذ لا يحتمل المقام غير ذلك. ولا يتوهّم من قوله: ﴿ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ ﴾ أنه يحب بعض الخوّانين لأن كلمة (كل) اسم جامد لا يشعر بصفةٍ؛ فلا يتوهم توجه النفي إلى معنى الكلية المستفاد من كلمة «كل»، وليس هو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46) الموهم أن نفي قوة الظلم لا يقتضي نفي قليل الظلم[74].

 

فهذا يعني أن الخيانة لا تكون من مؤمن؛ لكن أية خيانة؟ لابد أنها خيانة الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبَين أن يحملنها وحملها الإنسان، وهي القيام بأمر الله بالعبادة والخلافة في الأرض طوعًا واختيارا، وليست خيانة الأمانات بين الناس التي هي محرَّمة شرعا لكنها ليست كفرًا، وبهذا يتساوق هذا الفهم مع فهم العلماء لحديث «آية المنافق ثلاث... إذا اؤتمن خان ...»[75] أنه ليس النفاق الأكبر المخرج من الملة، ولحادثة حاطب الذي نهى رسول الله عمر عن قتله لشهوده بدرًا، وإذًا تكون «كفور» توكيدا لـ«خوَّان» وصرفًا لها إلى معنى الكفر.

 

تحقيق حول قتل المؤمنِ الكافرَ غدرًا:

إن تحقيق ما إذا كان قتل المؤمن الكافر غدرًا مما يمنع من حب الله تعالى فاعله -على ما يقول القرطبي والعيني- مفيدٌ جدًّا؛ خصوصا في زماننا هذا الذي يشيع فيه القتل ويعمّ الهرْج.

 

وقد حفظ الإسلام حرمة النفس البشرية، واعتبر الاعتداء عليها من كبريات الجرائم؛ بل أتبعها من حيث التحريم بعد الشرك بالله مباشرة في كثير من النصوص، متحدِّثًا عنها بصيغة «النفس التي حرم الله» في ثلاث آيات من القرآن الكريم.. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: 151، والإسراء: 33)، وهذا في معرض أمر المؤمنين بما يجب عليهم من شئون الإسلام، وفي معرض الحديث عن صفات من سماهم الله «عباد الرحمن» يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (الفرقان: 68).

 

ومن خلال الوصف بـ«التي حرم الله» يتبيّن أن النفوس قسمان: قسم حرمه الله؛ أي حرم قتلهم، وقسم لم يحرمه؛ أي أحل دماءهم، ويحتاج كل قسم من هذين إلى تفصيل.

 

أ- مَنْ حرم الله دماءهم، وهم ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: كل مسلمٍ غير قاتل ولا زانٍ وهو محصن ولا مرتد، وهذا هو مفهوم المخالفة لحديث «لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»[76]؛ أي أن كل مسلم عدا هؤلاء الثلاثة يحرم قتله، فإن كان غير مسلم ففيه تفصيل.

 

الصنف الثاني: كل ذِميٍّ في حال العهد؛ لأن له حالاً أخرى يصح فيها قتله، وهي أن يكون محاربًا، وهذا هو مقتضى حديث «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا»[77]، والمعاهد هو من له عهد من المسلمين سواءً بأمان من مسلم، أو هدنة من حاكم، أو عقد جزي[78]، والكلام في هذا يطول ويتشعب.

 

الصنف الثالث: هو نفس القاتل، تحرم بقوله صلى الله عليه وسلم: «من تردى من جبلٍ فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سماًّ فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوَجّأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا»[79]، والأحاديث في هذا كثيرة، وفيها غير هذه الأنواع؛ بل الأمر عام مهما كانت الوسيلة.. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (النساء: 29).

 

فهذه ثلاثة أصناف غلّظ الإسلام في حرمة دمائهم: المسلم والذمي والنفس، ومن عداهم من مشركٍ أو محصنٍ زانٍ أو قاتل من يحرم قتله أو مرتد فحلال دماؤهم ولا حرمة لدمائهم؛ إلا أن هناك تفصيلا كثيرًا فيمن يثبت كونُه من هذه الأصناف التي تحل دماؤهم؛ فإثبات الزنا مع الإحصان والقتل والردة يحتاج إلى قضاءٍ قد يطول أمده، وإثبات الكفر يحتاج إلى إقامة الحجة من عالمٍ فقيه.

 

وما يتعلق بهذه الآية التي معنا هو قتل المعاهد؛ ولذا يكون لزامًا علينا أن نعلم ما هو العهد حتى نتقيَه، وكذا ما يلحق بالمعاهد كالرسول والمستأمَن وغيرهما.

 

فالعهد -في اللغة- بمعنى: العلم والوصية والميثاق واليمين والزمان[80]. وجميع هذه المعاني تدخل في عقد الذمة والأمان؛ فهذا العقد علمٌ بأن هذا الإنسان أو أهل هذه الجهة مأمَّنون، وهو وصية لمن وراء معطي الأمان من قومه بتأمين من أمَّنه، وهو ميثاق بذلك العهد لا يجوز أن يُنقض إلا بما تنقض به المواثيق الغليظة، وهو يمينٌ من معطيه على ذلك كلِّه.

 

أما من يُعطَى له العهد والذمة فهو: بعض أهل الكتاب أو غيرهم إن توافر فيهم شرطان:

الأول: التزامهم أحكام الإسلام في الجملة.

 

والثاني: أن يبذلوا الجزية؛ إلا إن أسقطها عنهم الحاكم الشرعي[81].

 

ورسول المحاربين إلى المسلمين له حكم ذلك العهد، وكذا المستأمن له حكمه؛ وهو الحربيُّ الذي دخل دار الإسلام بأمان دون نية الإقامة والاستيطان، وكذا الأسير له حكم العهد[82].

 

وأما من يُعطِي الأمان والذمة فهو كل مسلمٍ ومسلمة عدا الصبية والمجانين.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم»[83].

 

ويترتب على عقد الأمان حفظ نفس المؤمَّن ومن في حكمه، ورقبته؛ أي لا يُسترق، وماله؛ أي لا يُغتصب.

 

ب- من تحل دماؤهم:

إن اشتراط الله تعالى في النهي عن قتل النفس بـ«التي حرم الله» يوحي بأنه ثمة نفوس أحل الله دماءها؛ أي هي مستثناة ممن تحرُم دماؤهم، وهم خمسة أصناف:

الصنف الأول: قاتل النفس التي حرمها الله قتلا عمدًا عدوانًا.

 

الصنف الثاني: الثيب -أي المحصن، وهو المتزوج- إذا زنى.

 

الصنف الثالث: من يقاتل المسلمين.

 

الصنف الرابع: المرتد الخارج على الجماعة؛ أي الذي كان مسلمًا فكفر وقامت عليه الحجة بالكفر.

 

الصنف الخامس: المحاربون لله ورسوله المفسدون في الأرض؛ نحو قاطعي الطريق، على تفصيل فيهم.

 

فهذه أصناف خمسة أحل الله قتل أصحابها، والنصوص صريحة في القرآن والسنة الصحيحة بذلك.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى ...﴾ (البقرة: 178)؛ فهذا هو القتل العمد العدوان. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس»[84]؛ فهذا في المرتد والزاني المحصن والقاتل أيضًا. وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 190)؛ فهذا فيمن يقاتلون المسلمين. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ (المائدة: 33)؛ فهذا في المحاربين لله ورسوله المفسدين في الأرض، فيختار القطع أو الصلب أو القتل، بحسب المصلحة أو بحسب نوع الإفساد، على خلاف فيه.

 

وواضح أن هذه الحالات الخمس ليس فيها شيء من الغدر. بل وصل الأمر بالإسلام أن اعتبر القتل غدرًا موجبًا لقتل الغادر ولو كان مجاهدا في سبيل الله؛ ففي موطأ مالك «أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيشٍ بعثه: أنه بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج حتى إذا أسند في الجبل وامتنع قال مطرّس: يقول لا تجفأ؛ فإذا أدركة قتله، وإنى والذي نفسي بيده لا أعلم مكان واحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه».. قال مالك: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه، وليس عليه العمل. وسئل عن الإشارة بالأمان: أهي بمنزلة الكلام؟ فقال: نعم، وإني أرى أن يتقدم إلى الجيوش أن لا تقتلوا أحدا أشاروا إليه بالأمان لأن الإشارة عندي بمنزلة الكلام، وإنه بلغني أن عبد الله بن عباس قال: «ما ختر قومٌ بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو»[85].

 

وفي كنز العمال أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش كان بعثه أنه بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع فقال الرجل: مترّس.. يقول: لا تخف فإذا أدركه قتله؛ وإني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحدا فعل ذلك إلا ضربت عنقه. والعلج الرجل الضخم من كبار العجم، وبعض العرب يطلقه على الكافر مطلقا، والجمع علوج وأعلاج. فيه لفظ مترّس: ولكن في الموطأ: مطرّس. وهي كلمة فارسية بمعنى: لا تخف[86].

 

وقال ابن عبد البر: ذكر مالك عن رجل من أهل الكوفة أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل جيش كان بعثه: أنه بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج حتى إذا أسند في الجبل وامتنع قال رجل مطرّس (يقول: لا تخف) فإذا أدركه قتله، وإني والذي نفسي بيده لا أعلم مكان واحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه. قال مالك: وليس هذا الحديث بالمجتمع عليه وليس عليه العمل. قال أبو عمر[87]: قيل إن الرجل من أهل الكوفة سفيان الثوري، ولا يبعد أن يروي مالك عن سفيان الثوري، وقد روى مالك عن يحيى بن مضر الأندلسي عن سفيان الثوري[88].

 

فهذا يدل على أن الغدر لا يجوز في الجهاد فضلا عن غيره، ولا يمنع من العمل بهذا قول مالك «ليس بالمجمع عليه»؛ إذ الحق أحق أن يتبع، وربما أخذ المسلمون بحديث «الحرب خدعة»[89] لشهرته واستفاضته، ولا نرى تعارضًا بين العملين؛ إذ الخدعة في الحرب ليست بالمؤمَّن؛ أي أنه لا يؤمّن فيقتل، لكن قد يؤمّن فيبلغ أخبارا غير صحيحة فيبلغها قومه.

 

فالله تعالى حث نبيه صلى الله عليه وسلم على عدم الغدر في بدء المعركة لمن كان بينه وبينهم عهد.. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: 58)[90]؛ فهذا دليل على وجوب الوفاء بالعهد حتى إذا أريدت الحرب. واتفق العلماء على جواز خدع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع؛ إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل[91].

 

وحول فريضة الجهاد، أو بشكل أعم حول العلاقة بين المسلمين وغيرهم، تجادل الناسُ كثيرًا، وذهب كل فريق مذهبا مغايرا لمذهب الآخر؛ بل أحيانا مناقضًا له، مع أن الأمر محسوم في آيتين متتالين من سورة الممتحنة المدنية النازلة بين يدي فتح مكة، وقد اتفق العلماء على الخط العام لتفسير هاتين الآيتين، وهما: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 8-9).

 

قال المفسرون: إن هاتين الآيتين نزلتا في خزاعة وقريش حينما حالفت خزاعةُ المسلمين وعادتهم قريش بعد صلح الحديبية، وأَظهَرُ منه أن الآية الأولى في أم أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- التي جاءتها مشركة في المدينة فاستأذنت أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلتها فقال لها: «صِلي أمك»[92]. والآية الأخرى في عتاة المشركين.

 

وقال المفسرون: إن الآية الأولى في نساء وصبية الكفار، والثانية في عتاتهم المحاربين الكائدين للدين وللمسلمين بالقتال أو الإخراج من الديار أو المعاونة على أيٍّ منهما[93].

 

نعم، إن أول مبادئ هذا الدين الخاتم هو التوحيد، وإن علاقة المسلمين بغيرهم قائمة على هذا المبدأ؛ حيث «أوثق عرى الإيمان الحب في الله»[94]. لكن هذا ينبغي ألا يتعارض مع مبادئ الإسلام الأخرى؛ من حيث أنه «الحنيفية السمحة»[95]، وينبغي العلم بأن هذين المبدأين لن يتعارضا إلا إذا أُفرِط في أحدهما على حساب الآخر؛ فبعض المسلمين اليوم يوالون الكفار من دون وقوف على درجة الموالاة وهذا مضاد للتوحيد، كما أن البعض يعادونهم إلى درجة عدم الإقساط إليهم؛ مما ينقض سماحة الإسلام.

 

يقول العلامة المحقق ابن القيم: ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:

1- قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه؛ وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم.

 

2- وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة.

 

3- وقسم تارَكوه؛ فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه. ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارَهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون. فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى[96].

 

قال -في تفصيل هذا الكلام-: أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، ذلك أول نبوته؛ فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بالتبليغ. ثم أنزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (المدثر: 1-2). فنبأه بقوله: ﴿ اقرأ ﴾، وأرسله ب﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين؛ فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويُؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذِن له في الهجرة، وإذًا له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كلُّه لله. ثم كان الكفار معه -بعد الأمر بالجهاد- ثلاثة أقسام:

1- أهل صلح وهدنة.

2- وأهل حرب.

3- وأهل ذمة.

 

فأُمر أن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد؛ فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة «براءة» نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها؛ فأمره فيها أن يقاتل عدوَّه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم؛ فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.

 

وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:

1- قسمًا أمره بقتالهم؛ وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم.

 

2- وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه؛ فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم.

 

3- وقسم لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمره أن يؤجلهم أربعة أشهر فإن انسلخت قاتلهم. وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (التوبة: 5)؛ فالحرم هاهنا أشهر التسيير.. أولها يوم الأذان؛ وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر. وليست هي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (التوبة: 36)؛ فإن تلك واحدٌ فرد وثلاثة سرد.. رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ولم يسير المشركين في هذه الأربعة؛ فإن هذا لا يمكن لأنها غير مُتوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر. ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم؛ فقتل الناقض لعهده، وأجل من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يتم للموفي بعهده عهدَه إلى مدته؛ فأسلم هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم؛ وضرب على أهل الذمة الجزية.

 

ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه؛ فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم آمن، وخائف محارب[97].

 

وإن هذه الأصناف الثلاثة هي ما استمر إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل عليه خلفاؤه الراشدون ومن خلَفهم؛ ثم حدث ما نحن فيه من تفكُّك الدولة الإسلامية وسقوط الجزية؛ غير أن الناس لايزالون على مثل هذه الأصناف الثلاثة؛ مسلم ومسالم وخائف؛ فينبغي أن يعامل الناس بمثل ما كانوا يعامَلون به؛ فالمسلم بالموالاة والحب والتعاون. والمسالم غير المسلم بالتبري والبغض لكن بغير اعتداءٍ ولا قتال. والخائف المحارب بالتبري والبغض والقتل. ثم يجب في النهاية العمل على توحيد الدولة وتطبيق شرائع الإسلام ومنها الجزية.

 

قال ابن القيم: وكان هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا صالح قوما فنقض بعلمهم عهده وصلحه، وأقره الباقون ورضوا به، غزا الجميع، وجعلهم كلهم ناقضين، كما فعل بقريظة والنضير وبني قينقاع، وكما فعل في أهل مكة؛ فهذه سنته في العهد، وعلى هذا ينبغي أن يجري الحكم في أهل الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم. وخالفهم أصحاب الشافعي؛ فخصوا نقض العهد بمن نقض خاصة دون من رضي به وأقر عليه، وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة أقوى وآكد؛ ولهذا كان موضوعًا على التأبيد، بخلاف عقد الهدنة والصلح. والأولون يقولون لا فرق بينهما، وعقد الذمة لم يوضع للتأبيد بل بشرط استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه... والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُوَقِّت عقد الصلح والهدنة بينه وبين اليهود لما قدم المدينة، وذلك قبل نزول الجزية فلما نزلت أضيفت إلى الشروط ولم يتغير الحكم وصار مقتضاها التأبيد... فالأقوال ثلاثة في الصورتين -أي الصلح والذمة- وهو الذي دلت عليه السنة في الكُفّار، وعدم النقض في الصورتين، وهو أبعد الأقوال عن السنة، والتفريق في الصورتين. والأولى أصوبها وبالله التوفيق[98].

 

خامسًا: الحلف بغير الله تعالى:

فعَنِ ابْن عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «احْلِفُوا بِالله وَبِرُّوا وَاصْدُقُوا؛ فَإِنَّ الله يَكْرَهُ أَنْ يُحْلَفَ إِلاَّ بِهِ»[99].

 

والحلف هو القسم بيمينٍ توكيدًا من الحالفِ للمحلوف عليه باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته تعالى؛ كالرحمن والرحيم والملك، وكقدرة الله وعزته ورحمته سبحانه، ويترتب عليه أحكام شرعية كثيرة. ومنها الحلف بالمصحف؛ لأنه كلام الله، وكلامه (عليه السلام) أحد صفاته، وبالكتب السابقة من توراة وإنجيل وزبور إن قصد الكتاب الحق المنزَل قبل تحريفه، ولم يرد عن السلف الحلف بها؛ فإن قصدها بعد التحريف لا يجوز بل هو شنيع. ولا يجوز بأمانة المخلوقين؛ كما في حديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بالأمانة فليس منا»[100].

 

أما الحلف بغير ذلك كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة وحياة الأب أو الأم فلا تعد يمينًا شرعية، ولا يترتب عليه كفارة، ولا يجوز.. قال ابن عبد البر: «لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع».

 

واختلف فيما إذا كان النهي عن الحلف بغير الله تعالى للكراهة أو للحرمة؛ فذهب جمهور الشافعية وبعض المالكية إلى أنه للكراهة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الأعرابي: «أفلح وأبيه إن صدق»[101].. قالوا: وهذا الدليل قرينة تصرف النهي عن الحلف بغير الله من التحريم إلى الكراهة.. قال النووي -من الشافعية-: النهي عن الحلف بغير أسمائه (سبحانه وتعالى)وصفاته، وهو عند أصحابنا مكروه ليس بحرام[102].

 

وأجاب الحافظ -رحمه الله تعالى- بالقول: وقع عند مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة «أفلح وأبيه إن صدق»، أو «دخل الجنة وأبيه إن صدق»، ولأبي داود مثله لكن بحذف «أو»؛ فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب بأن ذلك كان قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف، كما جرى على لسانهم «عقرى».. «حلقى» وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب؛ كأنه قال: «ورب أبيه»، وقيل: هو خاص ويحتاج إلى دليل، وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف، وإنما كان والله فقصرت اللامان. واستنكر القرطبي هذا وقال: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة. وغفل القرافي فادعى أن الرواية بلفظ: وأبيه لم تصح؛ لأنها ليست في الموطأ، وكأنه لم يرتض الجواب فعدل إلى رد الخبر، وهو صحيح لا مرية فيه، وأقوى الأجوبة الأولان[103].

 

وذهب الحنابلة وجمهور المالكية والأحناف وبعض الشافعية والظاهرية إلى أن النهي للتحريم، وهو الصحيح لكثرة أدلته؛ كحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.. من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»[104]، وحديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم»[105]، وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال: لا يحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»[106]، وحديث بريدة رضي الله عنه السابق[107]، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون»[108]، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: «لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق»[109].. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكبيرة؛ لأن الحلف بالله كذبا من الكبائر وبغير الله تعالى شرك.

 

وليس الحلف بغير الله محرما فحسب؛ بل هو شرك؛ ولكن هل هو أكبر أم أصغر؟ يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه[110]، أما إن لم يكن الأمر كذلك فالحلف بغير الله من الشرك الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

 

ولا تجب الكفارة على الحالف بغير الله ولا تنعقد يمينه؛ بل عليه التوبة ونطق الشهادة «لا إله إلا الله»؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله»[111]، وحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: «‏حلفت باللات والعزى فقال لي أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجرا؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانفث عن يسارك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان، ثم لا تعد»[112].

 

والحلف بالله يجب في الدعاوى وإثبات الحقوق، ويستحب لتوكيد الأمور الهامة ودفع التهم، كما في حديث الباب.. قال المناوي -في شرحه-: «‏احلفوا»‏ ندبا إذا كان الداعي للحلف مصلحة.. ‏«‏بالله»؛ أي باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشد به المواثيق، «‏وبروا» -بفتح الموحدة- «‏واصدقوا» في حلفكم، «‏فإن الله» أكد بأن ووضع الظاهر موضع المضمر تفخيما ودفعا لتوهم المنع.. «‏يحب أن يحلف به»؛ أي يرضاه إذا كان غرض الحالف طاعة كفعل جهاد أو وعظ أو زجر عن إثم، أو حث على خير، وقد حكى الله تعالى عن يعقوب -عليه الصلاة والسلام- أنه طلب من بنيه الحلف حين التمسوا إرسال أخيهم معهم؛ فهو إذن منه في ذلك، ولا يأذن إلا فيما هو محبوب مطلوب، ولا يناقضه ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ (البقرة: 224)؛‏ فإن معناه لا تكثروا منها، أو يحمل الحديث على ما إذا كانت في طاعة أو دعت إليها حاجة والآية على خلافه، وبذلك علم أنه لا تدافع..

 

قال النووي: يستحب الحلف ولو بغير تحليف لمصلحة؛ كتوكيد مبهم وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأخبار الصحاح في حلف المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا النوع لهذا[113].

 

ويكره الحلف بالله إذا أكثر منه لغير حاجة شرعية؛ لأن كثرة الحلف تدل على التهاون باليمين.. قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ﴾ (القلم: 10)[114]، وفي البيع والشراء كما سبق وتبين. ويحرم إذا كان كذبًا؛ بل هو كبيرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن أعرابيًّا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله». قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغموس». قال: وما اليمين الغموس؟ قال: «الذي يقتطع مال امرئ مسلم»؛ يعني بيمين هو فيها كاذب[115]، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان».. قال: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله (عليه السلام) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ (آل عمران: 77) إلى آخر الآية[116]، وحديث إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة»، قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: «وإن كان قضيبًا من أراك»[117]، وحديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم». قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا. من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»[118]، وحديث عبد الله بن أنيس الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «‏إن من أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس، ‏وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعلت نكتة ‏‏في قلبه إلى يوم القيامة»[119].

 

ويجب على المسلم إبرار قسم أخيه عليه ما لم يكن ثم مانع وكان قادرا؛ لحديث: ‏أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع؛ أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام[120].. قال السندي -رحمه الله تعال-: «وإبرار القسم»؛ ‏أي جعل الحالف بارا في حلفه إذا أمكن، كما إذا حلف والله زيد يدخل الدار اليوم فإذا علم به زيد وهو قادر عليه، ولا مانع منه، ينبغي له أن يدخل لئلا يحنث القائل[121].

 

خلاصة هذا المانع:

نستخلص من هذا المانع؛ أي مانع الكفر -والعياذ بالله- من محبة الله تعالى، أن الكفر الذي يمنع من محبته تعالى عبدًا من العباد يأتي بمعانٍ هي:

1- عموم الكفر؛ أيًّا كان نوعه وشكله، وهو مقتضى آية الروم.

 

2- كفر التولي والإعراض عن طاعة الله (عليه السلام) ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ كما في آية آل عمران.

 

3- استحلال الربا، وهو مقتضى آيات سورة البقرة.

 

4- القتل غدرًا وخيانة بعد إعطاء الأمان، وهو مقتضى آية الحج. ويجب أن يحترز من: القتل غدرا وخيانة بعد إعطاء الأمان، ومن كفر النعمة، وهما مما يمكن أن تعنيه آية الحج، كما قاله بعض علماء الإسلام. والله أعلم.

 

5- الحلف بغير الله تعالى.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ج12 ص235)، نقلاً عن الشيخ صالح بن فوزان الفوزان «كتاب التوحيد» (ص15) الطبعة العشرون دار الهدي النبوي بالمنصورة.

[2] انظر: «المعجم الوسيط» لمجمع اللغة العربية (ج2 ص791) طبع دار المعارف بمصر 1393.

[3] انظر: «كتاب التوحيد» للفوزان (ص16) وما بعدها.

[4] [صحيح] لفظ الحديث: من طريق سعد بن عبيدة قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عمر فجئت سعيد بن المسيب وتركت عنده رجلا من كندة فجاء الكندى مروعا، فقلت: ما وراءك؟ قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر آنفا فقال: أحلف بالكعبة؟ فقال: احلف برب الكعبة؛ فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال له النبى (صلى الله عليه وسلم): «لا تحلف بأبيك فإنه من حلف بغير الله فقد أشرك».

· أخرجة أبو داود (ح3251)، والترمذي (ح1535)، وأحمد (2/34 ح4904) (2/58 ح5222) (2/60 ح5256) (2 /69 ح5375) (2/86 ح5593) (2/125 ح6073) (2/125 ح6072) عن سعد بن عبيدة، فذكره.

· وأخرجه أحمد (1/47 ح329) عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر عن عمر «أنه قال: لا وأبى. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): مه إنه من حلف بشيء دون الله فقد أشرك». قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (4/168 ح2042): «حديث أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: «من حلف بغير الله فقد كفر». أبو داود والحاكم واللفظ له من حديث سعيد بن عبيدة، عن ابن عمر بهذا، وفي رواية له أيضا «كل يمين يحلف بها دون الله شرك». قوله: وروي أنه قال: «فقد أشرك». هو عند أحمد من هذا الوجه، وكذا عند الحاكم، ورواه الترمذي وابن حبان من هذا الوجه أيضا بلفظ «فقد كفر وأشرك». قال البيهقي: لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر، قلت: قد رواه شعبة، عن منصور عنه، قال: كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن عمر. اه‍.

[5] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الإيمان، باب/ خوف المؤمن من أن يحبط عمله (ح48) وله أطراف أخرى، ومسلم في الإيمان، باب/ بيان قول النبي (صلى الله عليه وسلم) (ح64) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[6] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في العلم، باب/ الإنصاب للعلماء (ح121)، ومسلم في الإيمان (ح65) من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

[7] انظر: صالح الفوزان السابق (ص15- 17)، وراجع: «شرح العقيدة الطحاوية» طبعة المكتب الإسلامي (ص361) باختصار.

[8] انظر: صالح الفوزان السابق (ص17).

[9] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في التوحيد، باب/ قول الله تعالى ويحذركم الله نفسه (ح7405)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب/ الحث على ذكر الله (ح2675). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[10] انظر: «رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين» للنووي (ص154) طبعة دار الخير بدمشق 1408.

[11] انظر: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (ص618).

[12] المقت شدة البغض، ولكن الغضب صفة أخرى ثابتة لله تعالى نؤمن بها، وليست بمعنى المقت وإن كانت من لوازمه.

[13] انظر: «فتح القدير» (ج4 ص504).

[14] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج3 ص739).

[15] انظر: «الدر المنثور في التفسير بالمأثور» للسيوطي (ج7 ص277) نشر دار الفكر بيروت 1993م.

[16] [إسناده جيد] أخرجه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» (12/229 ح6839)، بدون عبارة «قال قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: «ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وقال الهيثمي في «المجمع» (8/277 ح13454): «رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير نافع بن خالد الطاحي، وهو ثقة»، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (رقم 2522): «رواه أبو يعلى بإسنادٍ جيد»، [قلت]: ولا تضر جهالة الصحابي فكلهم -رضوان الله عليهم- عدول.

[17] [متفق عليه] أخرجه البخاري في التفسير، سورة البقرة (ح4207) وأطراف في (4483 و5655 و6426 و6468 و7082 و7094)، ومسلم في الإيمان، باب/ كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده (ح86).

[18] انظر: «صفوة التفاسير» للصابوني (ج1 ص196) الطبعة التاسعة دار الصابوني بالقاهرة.

[19] انظر: المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.

[20] [متفقٌ عليه] عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري في الصلح، باب/ إذا اصطلحوا على صلح جور (ح2697)، ومسلم (ح1718) في الأقضية، باب/ نقض الأحكام الباطلة، وفي رواية لمسلم (ح1718): «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».

[21] انظر: «تفسير القرآن العظيم» (ج2 ص19) طبعة مكتبة الإيمان بالمنصورة.

[22] انظر: السابق، نفس الجزء والصفحة.

[23] هي الآية رقم (31) من سورة آل عمران.

[24] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص117).

[25] انظر: د. أحمد فريد «العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير» (ص100) وما بعدها، الطبعة الثالثة الدار السلفية للنشر والتوزيع - الإسكندرية 1426.

[26] انظر: المصدر السابق (ص140 وما بعدها).

[27] أخرجه مسلم في التوبة (2749)، والترمذي في صفة الجنة (ح2526)، وأحمد (2/309) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[28] انظر: «الجامع لأحكام القرآن» (ج5 ص275).

[29] انظر: «تفسير القرطبي» (ج6 ص473-484) الآيات من80 إلى 84 من سورة النساء.

[30] انظر: «الأخوة الإيمانية» للدكتور سعيد عبد العظيم (ص128) دار الإيمان بالإسكندرية.

[31] الآية (32) من سورة آل عمران.

[32] انظر: «كتاب التوحيد» للفوزان (ص81-82).

[33] أخرجه البخاري في التعبير، باب/ تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (ح7047) من حديث سمرة بن جندب (رضي الله عنه). وانظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص108)، و«تفسير ابن كثير» (ج1 ص408)، و«صفوة التفاسير» (ج1 ص174).

[34] هذا الجزء التالي نقلا عن «فقه السنة» للشيخ سيد سابق، طبعة دار الفتح العربي (ج3 ص123) وما بعدها، بتصرف كبير.

[35] انظر: «الكتاب المقدس» آية (25) فصل (22) من «سفر الخروج».

[36] انظر: «الكتاب المقدس» آية (34) وآية (35) من الفصل (6) من «إنجيل لوقا».

[37] أي دين النصارى، وإلا فهو خارج عن الإسلام ابتداءً بعدم إيمانه بالنبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) وغير ذلك من مسائل كفر النصارى.

[38] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الوصايا، باب/ قول الله تعالى (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا) (2767)، ومسلم في الإيمان، باب/ بيان الكبائر وأكبرها (ح89) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».

[39] أخرجه مسلم في المساقاة، باب/ لعن آكل الربا ومؤكله (ح1598) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

[40] أخرجه مسلم في المساقاة، باب/ الربا (1585) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.

[41] أخرجه مسلم في المساقاة، باب/ الربا (1584) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[42] انظر: «فقه السنة» (ج3 ص123-126) باختصار وتصرف فيه.

[43] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج1 ص408) بزيادة في آخره.

[44] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص108).

[45] [صحيح] سبق تخريجه.

[46] [صحيح] سبق تخريجه، وانظر: كتاب «الكبائر» للإمام شمس الدين الذهبي (ص49) وما بعدها، طبعة دار الإسراء بالقاهرة.

[47] انظر: «الكبائر» لابن حجر الهيثمي (ص424) ط. دار رحمة بالإسكندرية.

[48] [مختلف في تصحيحه] أخرجه الترمذي في الصلاة (3/52 ح617) من طريق: عبيد الله بن موسى حدثنا غالب أبو بشر عن أيوب بن عائذ الطائي عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفيه: «يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به».

· قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وأيوب بن عائذ الطائي يضعف ويقال كان يرى رأي الإرجاء. وسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى واستغربه جدا». اه‍.

· ومن حديث أبي بكر: قال العجلوني في «كشف الخفاء» (2/121): «رواه البيهقي وأبو نعيم عن أبي بكر، قال المناوي: وسنده ضعيف، والمشهور على الألسنة كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به».

· وقال الحافظ العراقي: هو في «شعب الإيمان» من حديث كعب بن عجرة بلفظ «سحت»، وهو عند الترمذي - وحسنه - بلفظ «لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به». انظر: «تخريج أحاديث الإحياء» (712).

· وحديث الترمذي المشار إليه هو: عن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «... يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به»، قال الألباني: صحيح. وروي بألفاظ متقاربة في «صحيح ابن حبان» (1723)، وقال شعيب الأرناؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، و«مستدرك الحاكم» (8302) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» وسكت عنه الذهبي في «التلخيص»، وبرقم (7163) وقال: وقد روي قوله (صلى الله عليه وسلم): «لحم نبت من سحت» عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال الذهبي -في «التلخيص»-: «صحيح»، وفي «المسند» (1403) وقال شعيب الأرناؤوط: «إسناده قوي على شرط مسلم رجاله ثقات غير ابن خثيم - وهو عبد الله بن عثمان - فصدوق لا بأس به». وهو في كتب أخرى عديدة.

[49] انظر صحيح ابن حبان (5/9 ح1723).

[50] [ضعيف] ذكره الألباني في «السلسلة الضعيفة» (3/447 ح1287) عن أبي هريرة (رضي الله عنه) مرفوعًا: «لا يدخل ولد الزنا الجنة، و لا شيء من نسله، إلى سبعة آباء».

[51] [صحيح] أخرجه النسائي في الزكاة، باب/ المنان بما أعطى (ح2562) عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ثلاثة لا ينظر الله U إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة؛ العاق لوالديه والمدمن على الخمر والمنان بما أعطى».

[52] [صحيح] سبق تخريجه.

[53] يتحدث عن الأدلة على بطلان الحيل.

[54] انظر: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» لابن قيم الجوزية (ج2 ص147-148) طبعة دار الحديث، نقلا عن «المعلوم من الدين بالضرورة من عقيدة الإسلام وشريعته وقيمه» لصبري الأشوح (ص79) طبعة دار الاعتصام.

[55] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج1 ص412-413) بزيادة طفيفة.

[56] انظر: «في تصريف الأسماء» للدكتور عبد الرحمن شاهين (ص111-112)، طبعة مكتبة الشباب بالمنيرة القاهرة، بزيادة ما بين الشرطتين واختصار في آخره.

[57] تختلط بعض صيغ المبالغة ببعض صيغ الصفة المشبهة؛ كأوزان (فعيل وفعول وفعِل)، وعلى الرغم من صعوبة التفريق بينهما، بل وتساهل بعض العلماء في إطلاق أحد النوعين على الآخر لاشتراكهما في الدلالة على قوة المعنى، فإن هناك معيارين يمكن من خلالهما التفريق بين النوعين:

· أحدهما: اتخاذ معنى الصيغة فيصلا حين الحكم، ورد كل ما جاء من فعيل بمعنى اسم الفاعل سواء كان بمعنى فاعل أم مُفْعِل أو مُفاعِل إلى الصفة المشبهة إذا كان المراد من الصفة الدلالة على الثبوت، وإلى صيغة المبالغة إذا كان المراد الدلالة على كثرة وقوع الفعل وتكراره.

· الثاني: اتخاذ التعدي واللزوم مقياسًا آخر؛ فما كان من اللازم كان أولى أن ينسب إلى الصفة المشبهة، وما كان من المتعدي كان أولى أن ينسب إلى صيغ المبالغة. انظر: «أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة» للدكتور محمود عبد الرازق الرضواني ص158 ط1 مكتبة سلسبيل - القاهرة 1426 بتصرف.

[58] [صحيح] تقدم تخريجه.

[59] راجع: «تفسير القرطبي» (ج4 ص402).

[60] راجع المانع الثالث من موانع محبة الله للعبد.

[61] راجع: «تفسير القرطبي» (ج4 ص403)، و«المحرر الوجيز» (ج1 ص373).

[62] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج1 ص412).

[63] راجع: «تفسير القرطبي» (ج14 ص404-405).

[64] انظر: «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (ج1 ص17) في شرح حديث «الأعمال بالنيات».

[65] راجع: «مباحث في علوم القرآن» لمناع القطان (ص39-51) الطبعة الثالثة عشرة مكتبة وهبة بالقاهرة 1425.

[66] البعض يجعلونها أربع مراحل، وسوف يأتي.

[67] انظر: «دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (مختارات)» لابن تيمية (ج2 ص15) تحقيق: د. محمد السيد الجليند الطبعة الثانية مؤسسة علوم القرآن - دمشق 1404.

[68] انظر: «شرح العمدة في الفقه» (ج2 ص102) تحقيق: د. سعود صالح العطيشان الطبعة الأولى مكتبة العبيكان - الرياض 1413.

[69] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص516).

[70] انظر: المصدر السابق (ص515).

[71] انظر: «تفسير الطبري» (ج18 ص643)، حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس فذكره. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (ج6 ج57) لعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل».

[72] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج5 ص262).

[73] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج3 ص302).

[74] انظر: «التحرير والتنوير» (ص2784-2785).

[75] [متفقٌ عليه] سبق تخريجه.

[76] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الديات، باب/ قول الله تعالى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (ح6484)، ومسلم في القسامة والمحاربين (ح1676) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[77] أخرجه البخاري في الجزية، باب/ إثم من قتل معاهدًا بغير جرم (ح3166) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[78] راجع: «فقه السنة» (ج2 ص325).

[79] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الطب، باب/ شرب السم والدواء به (ح5778)، ومسلم في الإيمان (ح109) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[80] راجع: «المعجم الوسيط» (ج2 ص634).

[81] في شرعية الحاكم كلام يطول، والذي نحن عليه أن الحاكم الذي يحكم بما أنزل الله هو الشرعي سواء جاء ببيعة أو جاء مُتَغلِّبًا، وللحاكم أن يُسقِط الجزية لاعتبار مصلحة المسلمين، أو لعجز من تجب عليهم عملا بسماحة الإسلام، ولكن ليس له إسقاطها مساواة بين أهل الذمة والمسلمين في الحكم؛ وذلك لأن الله تعالى فرض على أهل الذمة الجزية وعلى المسلمين الزكاة.

[82] راجع في ذلك: «فقه السنة» (ج3 ص48 وما بعدها).

[83] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الجزية، باب/ إثم من عاهد ثم غدر (ح3180)، ومسلم في الحج، باب/ فضل المدينة ودعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) (ح1370) من حديث علي بن أبي طالب (رضي الله عنه). وليس فيه «وهم يدٌ على من سواهم» وهو ثابت من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا به. أخرجه أبو داود (ح 2751) وأحمد (ح 6758).

[84] [صحيح] سبق تخريجه قريبا.

[85] رواه مالك في «الموطأ» برقم (2/448 ح967).

[86] انظر: «كنز العمال» (4/810 ح11448) بتصرف يسير.

[87] [قلت]: هو الفقيه المالكي الأندلسي أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري صاحب التصانيف المشهورة كـ«التمهيد» و«الاستذكار» و«الاستيعاب» وغيرها.

[88] انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر (ج5 ص34) الطبعة الأولى دار الكتب العلمية - بيروت 1421 بتحقيق: سالم محمد عطا ومحمد علي معوض.

[89] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب/ الحرب خدعة (ح3030)، ومسلم في الجهاد والسير، باب/ جواز الخداع في الحرب (ح1739) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

[90] سوف نتكلم على هذه الآية في المانع الثاني كلاما مستفيضًا إن شاء الله تعالى.

[91] من تعليق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي على «صحيح مسلم» (3/1361).

[92] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الهبة وفضلها، باب/ الهدية للمشركين (ح2620)، ومسلم في الزكاة، باب/ فضل النفقة والصدقة على الأقربين (1003) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما.

[93] راجع: «تيسير الكريم الرحمن» (ص817)، و«صفوة التفاسير» (ج3 ص363-364)، و«ابن كثير» (ج8 ص39-40)، وسوف نعود لهاتين الآيتين في الباب الثاني إن شاء الله بتفصيل.

[94] [صحيح موقوف] أخرجه الطبرانى (11/215 ح11537)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/70 ح 9513) من قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

[95] [حسن] أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان، باب/ الدين يسر. وقال الحافظ ابن حجر: «هذا الحدِيث الْمُعَلَّق لم يُسْنِده المؤلِّف فِي هَذَا الْكِتَاب; لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطه. نَعَمْ وَصَلَهُ فِي كِتَاب الأَدَب الْمُفْرَد، وَكَذَا وَصَلَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْره مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ دَاوُدَ بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَإِسْنَاده حَسَن. اسْتَعْمَلَهُ الْمُؤَلِّف فِي التَّرْجَمَة لِكَوْنِهِ مُتَقَاصِرًا عَنْ شَرْطه، وَقَوَّاهُ بِمَا دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ لِتَنَاسُب السُّهُولَة وَالْيُسْر». اه‍.

[96] انظر: «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن القيم الجوزية (ص410) الطبعة الأولى دار ابن حزم - بيروت1420.

[97] انظر: «الولاء والبراء في الإسلام» لمحمد بن سعيد بن سالم القحطاني (ص215-217) الطبعة الثانية عشرة دار الصفوة - القاهرة 1423، نقله عن «زاد المعاد» (ج3 ص158-160).

[98] انظر: «زاد المعاد» طبعة دار ابن حزم (ص414-415) باختصار وتصرف.

[99] [صحيح بمجموع طرقه] أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (7/267 ح10779)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ح459)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (رقم 211)، وفي «الصحيحة» (رقم 1119)، وقال: «ورجاله موثقون... وللحديث طريق آخر عن ابن عمر بند حسن بلفظ (لا تحلفوا بآبائكم)؛ فالحديث صحيح بمجموع الطريقين)».

[100][صحيح] أخرجه أبو داود في كِتَاب الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، باب/ كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بِالْأَمَانَةِ (ح2835)، وأحمد في «مسنده» (ح22378) بسند متصل رجاله ثقات، والألباني -في «السلسلة الصحيحة» (رقم 94) - «صحيح»، وقال الخطابي -في «معالم السنن» (4/358)، تعليقا على الحديث-: «هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه؛ فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته».

[101] أخرجه مسلم في كِتَاب الإِيمَانِ، باب بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ (ح15)، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله يَقُولُ: بلفظ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»، وعَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم): «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ».

[102] انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» (ج11 ص152).

[103] انظر: «فتح الباري» (ج1 ص132).

[104] [متفق عليه] أخرجه البخاري في كِتَاب الشَّهَادَاتِ، باب/ كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ (ح2496)، ومسلم في كِتَاب الْأَيْمَانِ، باب/ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ الله تَعَالَى (ح3114) من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.

[105] أخرجه مسلم في كِتَاب الْأَيْمَانِ، بَاب/ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى... (ح3116)، وابن ماجه في كِتَاب الْكَفَّارَاتِ، بَاب/ النَّهْيِ أَنْ يُحْلَفَ بِغَيْرِ اللهِ (ح2086) من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه.

[106] [حسن] أخرجه أبو داود (ح3251)، والترمذي في كِتَاب النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ، باب/ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ الله (ح1454) وقال: «حسن»، وأحمد (2/34 و67 و69 و86 و125)، وابن حبان (ح1177)، والحاكم في «المستدرك» (4/297) وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، والبيهقي (10/29 ح18262)، وأبو داود الطيالسي (ح18).

[107][صحيح] سبق تخريجه.

[108] [صحيح] أخرجه النسائي في كِتَاب الطَّهَارَةِ، التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُقِيمِ (ح3731)، واللفظ له، وأبو داود في كِتَاب الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، باب/ فِي كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بِالْآبَاء (ح2831)، بسند فيه عوف بن أبي جميلة الأعرابي صدوق رمي بالقدر والتشيع، وباقي رجاله ثقات، من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه)، وقال الألباني -في «صحيح سنن النسائي» (2/799)-: «حديث صحيح».

[109] [صحيح] أخرجه الطبراني في «الكبير» (ح8768)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (ح15402)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (ح13841)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (ح1940)، وقال: «رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ النَّاسُ مَوْقُوفًا»، وقال الهيثمي -في «مجمع الزوائد» (ح6899)-: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح»، وقال المنذري -في «الترغيب والترهيب»-: «رواه الطبراني موقوفا، ورواته رواة الصحيح»، وقال الألباني -في «إرواء الغليل» (8/191)-: «ورواته رواة الصحيح»، وفي «صحيح الترغيب والترهيب» (رقم 2953): «صحيح موقوف»، وروي مثله عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم.

[110] انظر: «فتح الباري» (ج11 ص531).

[111] [متفق عليه] أخرجه البخاري في كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ، باب/ كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ... (ح5855)، ومسلم في كِتَاب الْأَيْمَانِ، باب/ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى... (ح3115) واللفظ له، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[112] [صحيح] أخرجه النسائي في كِتَاب الطَّهَارَةِ، التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُقِيمِ (ح3739)، وابن ماجه في كِتَاب الْكَفَّارَاتِ، باب/ النَّهْيِ أَنْ يُحْلَفَ بِغَيْرِ اللهِ (ح2088)، وأحمد في «مسنده» (ح1558) من حديث سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه)، بسند متصل رجاله ثقات على شرط الشيخين.

[113] انظر: «فيض القدير» (ج1 ص259).

[114] انظر: «فتاوى علماء البلد الحرام» (ص465-466) ط. دار ابن الهيثم.

[115] أخرجه البخاري في كِتَاب اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُعَانِدِينَ، باب إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ وَعُقُوبَتِهِ (ح6439).

[116] [متفق عليه] أخرجه البخاري في كِتَاب الْمُسَاقَاة، باب/ الْخُصُومَةِ فِي الْبِئْرِ وَالْقَضَاءِ فِيهَا (ح2197)، ومسلم في كِتَاب الإِيمَانِ، باب/ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ (ح202) واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[117] أخرجه مسلم في كِتَاب الإِيمَانِ، باب/ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ (ح200)، والنسائي في كِتَاب الطَّهَارَةِ، التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُقِيمِ (ح5353)، وابن ماجه في كِتَاب الْأَحْكَامِ، باب/ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ (ح2317).

[118] [صحيح] تقدم تخريجه.

[119] [حسن] أخرجه الترمذي في كِتَاب تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، باب/ وَمِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ (ح2966)، وأحمد في «مسنده» (ح15713)، وقال الألباني - في «صحيح الجامع» (رقم 2213) -: «حسن».

[120] [متفق عليه] أخرجه البخاري في كِتَاب الْجَنَائِزِ، باب/ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ (ح1170)، ومسلم في كِتَاب اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ، باب/ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (ح3855) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

[121] انظر: «شرح سنن النسائي» للسندي (ج7 ص8) تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة ط2 مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب 1406.