ما دمنا نتكلم بالوحي والشرع فإن علينا أن نلتزم ألفاظَهما واصطلاحاتِهما، أو على الأقل لغتهما التي نزلا بها، خاصة في تناول أمر خطير كأمر المحبة الإلهية، هو طِلبة الطالبين، وقد ضلّ فيه من ضل وزلّ فيه من زل.. نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. وقد بُني هذا البحث الذي بين يديك على هذه المصطلحات (المحبوب، المكروه، المانع، السبب، الأثر والمظهر) فما حقيقتها؟

 

1- "المحبوب":

المحبوب هو الأمر المشروع أو المقبول، وينقسم إلى قسمين: فرض (أو واجب)، ومندوب (أو مستحب).

 

أما (الفرض):

فقد يطلق في اللغة بمعنى التقدير، ومنه قولهم: فرْضَتا القوس للحزّتين اللتين في سيتيه موضع الوتر، وفرضة النهر هي موضع اجتماع السفن، ومنه قولهم: فرَض الحاكم النفقة أي قدَّرها، وقد يطلق بمعنى الإنزال، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ﴾ (القصص: 85)؛ أي أنزل، وقد يطلق بمعنى الحِلّ، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ ﴾ (الأحزاب: 38)؛ أي أحلّ له.

 

وأما في الشرع فلا فرق بين الفرض والواجب[1]؛ إذ الواجب في الشرع عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالةٍ ما، وهذا المعنى بعينه متحقق في الفرض الشرعي، وخص أصحابُ أبي حنيفة اسم الفرض بما كان من ذلك مقطوعًا به، واسم الواجب بما كان مظنونًا؛ مصيرًا منهم إلى أن الفرض هو التقدير والمظنون لم يعلم كونه مقدَّرًا علينا بخلاف المقطوع؛ فلذلك خص المقطوع باسم الفرض دون المظنون، والأشبه ما ذكره الشافعية والجمهور[2]؛ من حيث إن الاختلاف في طريق إثبات الحكم حتى يكون هذا معلومًا وهذا مظنونًا غير موجب لاختلاف ما ثبت به[3].

 

و(المندوب) أو (المستحب) هو:

ما طلب الشارع فعله من غير إلزام، بحيث يمدح فاعله ويثاب، ولا يذم تاركه ولا يعاقب، وقد يلحقه اللوم والعتاب على ترك بعض أنواع المندوب[4].

 

و"المحبوب" في النصوص الواردة في محبة الله عبادَه، يعني أحيانًا الفرض، وأحيانًا المندوب؛ أي ما دون الفرض؛ فالأول كالإحسان والتقوى والصبر، والآخر كالنوافل، وكذلك يعني بعض المباح كالعطاس وغيره.

 

ولم تقتصر النصوص الشرعية الواردة في أمر محبة الله العباد على ذكر الأمور المحبوبة لله تعالى فحسب، بل ذكرت محبوبي الله تعالى من عباده بصيغة الجمع (المحسنين، المتقين، الصابرين،... إلخ)؛ فـ"المحبوب" لله تعالى هو القائم بتلك الأعمال (الإحسان، التقوى، الصبر،... إلخ).

 

2- "المكروه":

المكروه -لغة- مأخوذ من الكريهة، وهي الشدة في الحرب، ومنه قولهم: جمل كره؛ أي شديد الرأس، وفي معنى ذلك الكراهة والكراهية.

 

وأما في الشرع فقد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته راجحة وإن لم يكن منهيًّا عنه؛ كترك المندوبات، وقد يراد به ما نهي عنه نهيَ تنـزيهٍ لا تحريم؛ كالصلاة في الأوقات والأماكن المخصوصة، وقد يراد به ما في القلب منه حزازة وإن كان غالبَ الظن حلُّه كأكل لحم الضبُع. وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حدّه بحد الحرام كما سبق، ومن نظر إلى الاعتبار الثاني حده بترك الأوْلى، ومن نظر إلى الاعتبار الثالث حده بالمنهيِّ (عنه) الذي لا ذمَّ على فعله، ومن نظر إلى الاعتبار الرابع حده بأنه الذي فيه شبهةٌ وتردد[5].

 

و "المكروه" في النصوص التي معنا في هذا الكتاب إنما هو بمعني المحرَّم، وقد يأتي أحيانًا بمعنى المكروه الاصطلاحي في الفقه والأصول؛ أي ما دون المحرّم؛ فالأول كالكفر والكبر والخيانة، والثاني كالتثاؤب وكثرة السؤال عما لا يجدي.

 

وقد جاء التعبير عن "المكروه" لله تعالى في القرآن بصيغة نفي الحب "لا يحب" مثل (لا يحب الكافرين، لا يحب الخائنين، لا يحب من كان مختالا فخورا،... إلخ)، وفي السنة بصيغ كـ"كره" و"يكره"؛ مثل ("إن الله كره لكم ثلاثا"[6]، و"إن الله يكره البؤس والتباؤس"[7]،... إلخ). وذكر القرآنُ المكروهين من الأشخاص كـ(الكافرين، الخائنين، المختال الفخور،... إلخ)، بينما ركزت السنة على الأعمال والأمور المكروهة كـ("قيل وقال"[8]، "التثاؤب"[9]، "البؤس والتباؤس"[10]، وغيرها) وإن وردت أحيانا الأشخاص كـ("الشيخ الزاني، والملك الكذاب"[11]، وغيرهما).

 

وأهم ما يلاحظ هنا أننا عبّرنا -في الغالب- عن الأعمال المكروهة إليه سبحانه بالموانع من محبته، ولم نستعمل ألفاظ "الكره" و"البغض" وما شابه إلا في النصوص الشرعية الواردة بتلك الصيغ، وغالبها أحاديث نبوية، وإنما التزمنا ذلك التزاما منا بالاصطلاحات الشرعية رجاء السلامة، ولعلمنا أنه -عقلا- ليس كل ما ليس محبوبًا مكروها؛ فقد يكون الشيء ليس محبوبًا ولا مكروها، مع إيماننا بأن كثيرا مما لا يحبه الله تعالى يكرهه لتصريح نصوصٍ أخرى بالنهي عنه أو الوعيد عليه أو ذمه.. إلخ.

 

هذا، وقد تقابلنا أمور محبوبة أو مكروهة اختلف العلماءُ في درجة حلّها أو درجة حرمتها.. هل هذا الأمر أو ذاك فرض أو مندوب أو مباح؟ وهل هذا الأمر أو ذاك حرام أو مكروه تحريمًا أو تنـزيها؟ فنرجو التزام الورع والاحتراز من الشبهات لمن أراد أن يحبه الله سبحانه.

 

3- المقصود بـ"المانع" من محبته تعالى:

المانع -في اللغة- فاعلٌ من منع يمنع؛ أي حرَّم، والممنوع المحرَّم[12]. والمانع عند علماء الأصول هو: ما يلزم من وجوده عدم الحكم أو بطلان السبب؛ فقد يتحقق السبب الشرعي وتتوافر جميع شروطه ولكن يوجد مانع يمنع ترتُّبَ الحكم عليه[13].

 

أما مانع الحكم فهو كل وصف وجوديّ ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب؛ كالأبوّة في باب القصاص مع القتل العمد العدوان، وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينًا؛ كالدَّين في باب الزكاة مع ملك النصاب[14].

 

فكأن الموانع من حب الله تعالى عباده محرَّمات؛ لكن ينبغي أن يعلم أننا ذكرنا في الباب الثاني الخاص بتلك الموانع أخلاقًا وأفعالا حملها الفقهاء على الكراهة لا على التحريم؛ وذلك مثل: "قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"، ومثل "التثاؤب" ونحو ذلك، فالتفت إليه.

 

وإذًا فيجب على من طلب محبة الكبير -سبحانه وتعالى- أن ينقِّيَ نفسه من موانع حصول تلك المحبة الإلهية؛ وذلك حتى لا تتنتفي محبة الله إيّاه جراء وجود هذه الموانع أو بعضها فيه. وكأنها التصفية التي تسبق التحلية كما يقول علماء القلوب والأخلاق، مع الاحتراز من أساليب الصوفية المبتدعة في معالجة تلك الأمور.

 

4- المقصود بـ"سبب" محبته تعالى:

السبب -في اللغة- عبارة عن ما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمِّي الحبل سببًا والطريق سببا لإمكان التوصل بهما إلى المقصود. ويطلق -في الاصطلاح -على بعض مسمياته في اللغة، وهو: "كل وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل السمعي على كونه معرِّفًا لحكم شرعي.. وينقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفه للحكم حكمةً باعثة عليه؛ كجعل زوال الشمس أمارةَ معرفة لوجوب الصلاة في قوله تعالى: ﴿ أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ (الإسراء: 78).. وكجعل طلوع هلال رمضان أمارةً على وجوب صوم رمضان بقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ (البقرة: 185).. وإلى ما يستلزم حكمةً باعثة للشرع على شرع الحكم المسبب؛ كالشدة المطربة المعرِّفة لتحريم شرب النبيذ لا لتحريم شرب الخمر في الأصل المقيس عليه؛ فإن تحريم شرب الخمر معروفٌ بالنص أو الإجماع لا بالشدة المطربة؛ ولأنها لو كانت معرِّفةً له فهي لا يُعرَف كونها علة بالاستنباط إلا بعد معرفة الحكم في الأصل وذلك دور ممتنع، وعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية بل حكم الشرع عليه بالسببية، وعلى هذا فكل واقعةٍ عُرِفَ الحكمُ فيها بالسبب لا بدليل آخر من الأدلة السمعية فللَّه تعالى فيها حكمان: أحدهما الحكم المعرّف بالسبب، والآخر السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم.. وسواء كان السبب مما يتكرر بتكرره الحكم كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات، أو غير متكرر به كالاستطاعة في الحج ونحوه، وسواء كان وصفا وجوديًّا أو عدميًّا.. شرعيًّا أو غيرَ شرعيّ. وإذا أُطلق على السبب أنه موجب للحكم فليس معناه أنه يوجبه لذاته وصفة نفسه، وإلا كان موجبًا له قبل ورود الشرع، وإنما معناه أنه معرِّف للحكم لا غير[15].

 

وباختصار: السبب هو ما جعله الله علامة على مسبَّبِه، وربط وجودَ المسبب بوجودِه وعدمَه بعدمِه، فيلزم من وجود السبب وجودُ المسبب ومن عدمِه عدمُه[16].

 

هذا هو السبب عند علماء الأصول، أما ما نقصده نحن بـ"السبب" في هذا الكتاب فمختلف عن هذا المفهوم قليلا؛ إذ الأسباب في الباب الثالث من هذا الكتاب ليست علاماتٍ على المحبة الإلهية، وإنما العلامات ذكرناها في الباب الرابع تحت مسمى "الآثار والمظاهر"، وأما الأسباب فنعني بها ما يجلبُ المحبة؛ فالإحسان -مثلا- سبب لجلب المحبة الإلهية وليس علامةً عليها، والابتلاء علامةٌ وليس سببًا، وإنما السبب الصبر على هذا الابتلاء.

 

والمعنى أنه بعد تنقية طالب محبةِ الله نفسَه من أدرانها المانعة لها من حصول محبته تعالى، يجب عليه الأخذ بأسباب تحصيل هذه المحبة، وكلٌّ من الموانع والأسباب هي ما حدده الشرع المنـزّل في القرآن الكريم والسنة المشرفة الصحيحة، وليس ما حسبه طالب المحبة مانعًا أو سببًا من دون علمٍ شرعيٍّ، كما يخبط الصوفية وسائر المبتدعة في هذه المسألة وغيرها.

 

"الشرط"، والفرق بينه وبين "المانع" و"السبب":

الشرط هو ما يتوقف وجودُ الحكم على وجوده ويلزم من عدمه عدمُ الحكم، وهو خارج عن حقيقة المشروط[17]؛ فالشرط شرطان: الأول ما كان عدمُه مخلاًّ بحكمة السبب؛ كالقدرة على التسليم في باب البيع، وما كان عدمُه مخلاًّ بالحكم؛ كعدم الطهارة في الصلاة مع الإتيان بمسمى الصلاة[18].

 

فكأن انتفاء موانع المحبة الإلهية شروطٌ لحصولها حتى وإن وجدت الأسباب؛ فلا يكفي الإحسان في الكافر حتى يحبَّه الله؛ بل يشترط أن يكون المحسنُ مؤمنًا لأن الكفر مانعٌ من تلك المحبة، فالإيمان شرط للمحبة الإلهية، وهو إن لم يَرِد صريحًا كشرط للمحبة فقد ورد ضمنًا مراتٍ كثيرة.. تارةً في مانع الكفر وتارة في سبب اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-.. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ (آل عمران: 31-32)، فاتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- إيمانٌ بالله وبه -صلى الله عليه وسلم-، وطاعة الله ورسوله إيمان، والتولِّي عن ذلك كفر، وإذا كان الله تعالى لا يحب الكافرين فهو سبحانه يحب المؤمنين لأنهم الضد والنقيض.

 

5- "آثار" و"مظاهر" محبَّتِه تعالى على العباد:

اقتصرنا -في هذا الكتاب- على بيان علامات ودلائل المحبة الإلهية على من ظهرت عليهم آياتُها، ولم نلتفت إلى علائم كرهه تعالى من كَرِهَهُم -نعوذ بالله من كرهه سبحانه- وذلك لأمور منها:

• أنه في حين استفاضت نصوص الشريعة الغرّاء في بسط علائم محبة الله البادية على من يحبهم، فإنها تكاد تُغفِل علائم كراهيته تعالى من يكرههم؛ لأنهم في نظر الوحي سقطُ متاع لا يستأهلون الحديث عنهم، وإنما تحدث عنهم الوحي عظة للمحبوبين لا انشغالاً بهم، وإن كانت الشريعة قد ذكرت الدلائل عليهم في غير مواضع المحبة الإلهية.. فجارينا النصوص الشرعية في ذلك التقليل من شأنهم.

 

• أننا نستهدف بهذا الكتاب طالبي المحبة الإلهية والساعين إليها، فهو كالرسالة إليهم، ومن محفزات السعي ذكر آيات المحبة وآثارها حتى إذا ظهرت على طالبها جدّ في السعي وزاد.

 

• أننا أردنا سَوْق البُشْرَيات، ولذا لم نركز على المُثَبِّطات.

 

وقد عبرنا عن علامات وآيات ودلائل المحبة الإلهية للعباد بـ"الآثار" و"المظاهر"، وقسَّمناها تقسيمين:

الأول: "الآثار"، وهي خمسة:

1- ما كان من قبل الله نحو عبده.

 

2- ما كان من قبل العبد نحو ربه.

 

3- ما كان من قبل العبد نحو النبي -صلى الله عليه وسلم- والوحي المنزّل.

 

4- ما كان في خاصة نفس العبد المحبوب لله تعالى.

 

5- ما كان من قبل الناس نحو هذا العبد المحبوب لربه تعالى.

 

والتقسيم الثاني: "المظاهر"، وقد وجدناها أربعة عشر مظهرا تظهر كلُّها أو بعضُها على شخص المحبوب لله تعالى، وقد ركبناها على الآثار، حيث يظهر كلُّ أثرٍ من الآثار الخمسة لمحبة الله تعالى عبده في مظهر أو أكثر.

 

هذا، و"الأثر" و"المظهر" بمعنى واحد في اصطلاح المعاصرين؛ فالأثر هو: ما يتركه الشيء في الشيء، وكذا المظهر هو ما يظهر على المتأثِّر لاحتكاكه بالمؤثِّر، والفرق بينهما وبين "الخاصية" أنها تعني الصفة الموجودة في المؤثر التي تظهر على المتأثِّر إذا احتك به المؤثِّر؛ فالإحراق -مثلا- خاصية في النار قبل احتكاكها بما يحترق، فإذا وضع الحطب فيها ظهر أثرُ الإحراق فيه. فيقال: ما خاصيّة ذلك الشيء؟ أي: ما أثره الناشئ عنه؟..[19]. فالخاصية هي الأثر قبل ظهوره، والأثر والمظهر هما الخاصية بعد الظهور.

 

و"المظهر" كذلك هو: الصورة التي يبدو عليها الشيء، وأيضًا هو: العلاقة[20]. أما الأثر فيظهر بمظاهر عدة، فقد يكون أثر محبة الله لعبده في علاقته بربه، أو علاقته بالناس، أو في خاصة نفسه؛ فيظهر الأثر الأخير في كونه رفيقًا فهذا مظهر، أو في كونه مبتلى فهذا مظهر، وهكذا سائر الآثار الخمسة تظهر بمظهر واحد أو بعدة مظاهر.

 

فلمحبة الله تعالى عبدًا من العباد آثارٌ ومظاهر تؤثر فيه، وتظهر عليه، بآثار ومظاهر عدة نفصّلها في الباب الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله. وهذا غير لوازم المحبة التي اختلطت على البعض بمعنى المحبة، وإنما الآثار والمظاهر كالعلامات والأدلة على وجود تلك المحبة.

 

هذا، وجميع ما جئنا به من آثارٍ ومظاهرَ على حصول محبة الله لعبد من عباده السعداء؛ بل ومن أسباب وموانع لهذه المحبة، إنما هو مما جاء به القرآن والسنة، ولم نلتفت إلى إجماع أو قياس أو غيرهما؛ لأسباب منها:

1- أن هذا الباب مما قل فيه القولُ بغير علم؛ فلم نجد فيه شيئًا ليس في القرآن والسنة؛ لأن هذا ليس موضع اجتهاد، وإنما هي محددات حددها الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

2- أن القرآن والسنة كافيان في هذا الباب.

 

3- أننا رأينا اختلاط العلماء في ذلك فلم نأمن أن يقول بعضهم ما ليس بصحيح فننقله فتكون جرأة غير مأمونة العاقبة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إلا عند الحنفية؛ فقد جعلوا الواجب مرتبة أقل من الفرض، وجمهور الأصوليين والفقهاء على أن مسماهما واحد.

[2] قال الآمدي في هذا الموضع: "أصحابنا" أي الشافعية، وهو قول جمهور الأصوليين.

[3] انظر: "الإحكام" لأبي الحسن علي بن محمد الآمدي (ج1 ص140-141)، تحقيق : د. سيد الجميلي الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي بيروت 1404ه‍.

[4] انظر: "الوجيز في أصول الفقه" للدكتور عبد الكريم زيدان (ص38) الطبعة الخامسة مؤسسة الرسالة بيروت 1417ه‍.

[5] انظر: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (ج1 ص166).

[6] [متفق عليه] أخرجه البخاري في الزكاة، باب/ قول الله تعالى (لا يسألون الناس إلحافًا) (ح1477)، ومسلم في الأقضية، باب/ النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (ح593). كلاهما من طريق: ابن أشوع عن الشعبي حدثني كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله كره لكم ثلاثا؛ قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".

[7] [حسن بشواهده] رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وزهير بن أبي علقمة الضبعي، ويحيى بن جعدة مرسلا.

• أما حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ فأخرجه الإسماعيلي في "معجم شيوخه" (2/594)، ومن طريقه السهمي في "تاريخ جرجان" (ص142)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (5/163 ح6202،6203): حدثنا حاتم بن يونس الجرجاني حدثنا إسماعيل بن سعيد حدثنا عيسى بن خالد البلخي حدثنا ورقاء عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف، ويحب العفيف المتعفف". قال الشيخ حمزة السهمي: يقال إن هذا الحديث تفرد إسماعيل بن سعيد ينوي بهذا الإسناد.

• وأما حديث أنس -رضي الله عنه-؛ فأخرجه الشهاب ج(2/161 ح1101) أنا أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني نا أبو بكر محمد بن أبي عبيد المؤذن نا أبو علي أحمد بن محمد بن علي النهاوندي نا أبو يعلى محمد بن زهير الأبلي ثنا أبو الربيع خالد بن يوسف السمتي نا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويكره البؤس والتباؤس".

• وحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-؛ فأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (5/163 ح6201)، والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (ص25) كلاهما من طريق: عثمان بن أبي شيبة ثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى عن أبيه عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتباؤس".

• وحديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-؛ أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (5/163 ح6200): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس بن يعقوب ثنا العباس الدوري حدثني روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خز فقلنا يا صاحب رسول الله! تلبس هذا؟ فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه".

• وحديث زهير بن أبي علقمة الضبعي -رضي الله عنه-؛ أخرجه الطبراني في "الكبير" (5/273 ح5308)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (2/606 ح570)، والرافعي في "التدوين في أخبار قزوين" (1/323): حدثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا سفيان الثوري عن أسلم المنقري عن زهير بن أبي علقمة الضبعي قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل سيء الهيئة فقال: "ألك مال"؟ قال: نعم، من كل أنواع المال، قال: "فلير عليك؛ فإن الله -عز وجل- يحب أن يرى رجاء على عبده حسنا، ولا يحب البؤس والتباؤس".

• وحديث يحيى بن جعدة المرسل؛ أخرجه هناد في "الزهد" (2/421 ح826): حدثنا أبو معاوية عن حجاج بن أرطأة عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنحوه، وفيه "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب إذا أنعم على عبد بنعمة أن يرى أثرها عليه، ويبغض البؤس والتباؤس؛ ولكن الكبر أن يسفه الحق أو يغمص الخلق".

• وقد حسنه الألباني بشواهده في السلسلة الصحيحة (3/310 ح1320).

[8] [متفق عليه] تقدم تخريجه في الحاشية قبل السابقة.

[9] [متفق عليه] أخرجه البخاري في الأدب، باب/ ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب (ح6223)، ومسلم في الزهد والرقاق، باب/ تشميت العاطس وكراهية التثاؤب (2994) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب؛ فإذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان؛ فليرده ما استطاع، فإذا قال ها ضحك منه الشيطان".

[10] [حسن بشواهده] تقدم تخريجه قريبا.

[11] أخرجه مسلم في الإيمان، باب/ بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح107) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم - قال أبو معاوية ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم - شيخ زانٍ، وملِك كذاب، وعائل مستكبر".

[12] انظر: "المصباح المنير" مادة: (م ن ع).

[13] انظر: "علم أصول الفقه" لعبد الوهاب خلاف (ص141) طبعة دار الحديث القاهرة 1423ه‍، و"الحكم الشرعي" للدكتور يوسف قاسم (ص50) طبعة دار النهضة العربية القاهرة 1413ه‍.

[14] انظر: "الإحكام" (ج1 ص175) مختصرا.

[15] انظر: المصدر السابق (ج1 ص172-173).

[16] انظر: "علم أصول الفقه" لخلاف (ص136).

[17] انظر: المصدر السابق (ص138).

[18] انظر: "الإحكام" للآمدي (ج1 ص175).

[19] انظر: "التوقيف على مهمات التعاريف" للمناوي (ص328).

[20] انظر: "المعجم الوسيط" لمجمع اللغة العربية (ج2 ص578) مادة: (ظ ه‍ ر) طبع دار المعارف بمصر 1393.