في حين يحاول أولياءُ الله وأحباؤه تحصيل المحبة الإلهية؛ فيجاهدون أنفسهم كل مجاهدة.. يُنقُّونها مما ران عليها من موانع تحول بينهم وبين محبة ربهم، ويزكونها بالأعمال والأقوال التي حددها الشرع الحنيف أسبابًا لمحبة المولى -عز وجل- العبادَ، ثم هم -بعد ذلك كلِّه لا قبله- يتنسمون كرامةً أو علامة توحي ولو بالظن أن العظيم أحبّهم، وهم مع كل ذلك يَفْرَقون غاية الفرَق ويخافون جميع الخوف من أن لا ينالهم قسطٌ من محبة الجليل، فيعودون ثانية وثالثة وعاشرة يتخلون عما بقي من موانع ويتحلون بما فاتهم من الأسباب، ويعودون ينقِّبون في خبايا أحوالهم، عسى أن يجدوا كرامة أو علامة تقَرُّ بها الأعين القرحى وتطمئن بها النفوس المضطربة، فإذا وجدوها باديةً للعيان خافوا أكثر وتوجَّسوا أن يكون ذلك مكرَ خيرِ الماكرين يستدرجهم من حيث لا يعلمون - في حين أن هذه حال الأولياء المحبوبين، تجد الأعداء والأدعياء يصرخون في كل واد بملء الأفواه وسعة الوجوه زاعمين أن الله يحبهم.

 

بل الأدهى من ذلك أن طائفةً من الذين كفروا هي أحط الطوائف أخلاقا وأوطؤها أعمالا وأدنؤها أحلاما وطموحا، يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وهم على زعمهم هذا الكبير -تعالى الله عما يقولون- يتحلَّون بكل مانع من موانع تلك المحبة السامقة، ويتخلَّون عن كل سبب من أسبابها، ولا تبدو عليهم إلا علائم الصغار والذل والمسكنة والمهانة، التي يربأ الله بأوليائه الأعزة الأشداء على الكافرين عنها.

 

فيُلْزِمنا هؤلاء المبتدعةُ، من اليهود والنصارى والصوفية والباطنية، بأن نُعمل المعاول في أعناق أصنامهم التي ظلوا عليها عاكفين، أُسوة بالخليل إبراهيم -عز وجل- ومن على ملته من النبيين والمرسلين، عسى أن نفتح مجالا يدخل منه بصيصٌ لقلوب المساكين المتطلعين إلى محبة رب العالمين.

 

أولاً: الضوابط الشرعية لفهم المحبة الإلهية:

إن الناس في شأن المحبة الإلهية -كما في كل شأنٍ- مختلفون؛ فمنهم من نال منها ومنهم من لم ينَل، وهذا من أخطر الأمور، والذين نالوا إنما نالوا بمؤهلات كابدوها وحازوها، والذين عدموها إنما عدموها لإغراضهم أو تكاسلهم أو جهلهم الطريق الموصِّلة إلى محبة الله. ومن ثم يجب علينا أن نعرف أساليب المغرضين من الأحبار والرهبان وأئمة وشيوخ التصوف وعموم أئمة الضلال، وفي المقابل سرد المحفِّزات وتبيين الطريق الواصلة إلى الكبير ومحبته -عز وجل- العبادَ.. فمن هذه المحفزات ومن مراحل تلك الطريق...

 

1- الإيمان بالوحي المنَزَّل والاعتصام به: إذ يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾ (النساء: 174-175)، فالناس في مجموعهم منـزَّل إليهم هذا البرهان وذانك النور المبين، فآمن واعتصم به البعض وكفر به أو ببعضه آخرون، فاختر لنفسك مع أيّ الفريقين تكون.. هل تأخذ عن الله عبر رسل كرام صادقين، أم عن أشتات من الناس منهم آكل السحت، ودنيء النفس، وشاذّ الخلق.. إلى آخر الخطايا والأخطاء؟. ثم اعلم أن لكلٍّ عاقبةً مختلفةً كما اختلف الناس في بادئ الأمر؛ ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾، وهل هؤلاء إلا أحباء ربهم؟! وهل هذه الرحمة وذلك الفضل وتلك الهداية إلا لوازم محبة الله إياهم، أو نتائجها؟!

 

إن البرهان هو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة، والنور المبين هو الضياء الواضح، والمقصود به هنا القرآن العظيم[1]، فهل من يريد أن يحبه الله على يقين تامٍّ من أن ما أنزل الله من الوحي أول معالم ومراحل الطريق المؤدية إلى المحبة الإلهية؟ إنه إن لم يكن كذلك فلن يصل أبدًا إلى هذا الكنـز الغالي، ولن يترع من هذا المعين.

 

2- اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به: فقد قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ ﴾ (آل عمران: 31)، وقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ﴾ (الأحزاب: 21). فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو صاحب الوحي الذي هو المرحلة الأولى والطبيعية من مراحل الطريق إلى الله وإلى محبته عبدَه، ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- أول العاملين بما أُنزِل إليه؛ فلقد أمره ربه أن يقول لنا: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الزمر: 12)، كما أنه -صلى الله عليه وسلم- أكثر من تمثَّل الوحي كما ينبغي حتى قالت زوجه الصديقة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن»[2]، وقال فيه ربه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ (القلم: 4)، كذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أول المحبوبين لربه، ومُتَمثِّلَ حياته وسيرته وصفاته -صلى الله عليه وسلم- يقطع الأشواط سريعة وسهلة؛ إذ لابد لمن سلك طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يحبه الله.. تظاهر على ذلك النقلُ والعقل جميعا، ولم يعد هناك مجال للشك والرِّيَب.

 

3- الالتزام بالضوابط العلمية الثابتة في فهم الوحي والأخذِ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وذلك لأن من تنكبوا طريق المحبة الربانية ليسوا فقط من أنكروا الشرع وأعرضوا عن رسل الله، وإنما أكثرهم هم الذين لم يلتزموا الطريق الصائبة في فهم الشرع والأخذ عن الرسل الكرام؛ فبعضهم حرّف الكتب كاليهود والنصارى، وبعضهم أنكر السنة الشارحة لكتاب الله والمبيِّنة له؛ كالشيعة والمعتزلة والقرآنيين؛ ليشرحوا ويستبينوا هم كما يحلو لهم، وآخرون لم يعقلوا عن الله بالوسائل التي حددها للفهم عنه سبحانه فأبعدوا وأغربوا في التأويل كالصوفية والباطنية.

 

ومن ثم تصبح الأدوات العلمية التي وضعها العلماء الربانيون من قواعد اللغة والأصول وعلوم الحديث والرجال والتفسير وغيرها مقيداتٍ لنا، لا يجوز تجاوزها إلى غيرها كيلا نضل ولا نصل.

 

فحتمًا على من أراد محبةَ الله أن يعلم محدداتها من الشرع الحنيف لا من غيره؛ كالمعاني والموانع والأسباب والعلائم، ثم أن يتأسى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في كل ما أخذ وما ترك، ثم أن يفهم بالأساليب المجدية الموثوقة لا بالأساليب الملتوية المجادلة في الله وفي كتابه بغير علم.. نسألُ اللهَ الهدايةَ لنا ولجميع المسلمين.

 

ثانيًا: دعوى اليهود والنصارى محبة الله إياهم:

تعتبر اليهودية والنصرانية المحرفتان بدعتين في الدين الحق (الإسلام) الذي جاء به المرسلون جميعا ومنهم موسى وعيسى -عليهما السلام- وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾ (آل عمران: 85) عامٌّ في الأولين والآخرين بأن دين الإسلام هو دين الله الذي جاء به أنبياؤه وعليه عباده المؤمنون، كما ذكر الله ذلك في كتابه، من أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، وهو نوح -عز وجل- وكذلك إبراهيم وإسرائيل ويوسف والأسباط وموسى وسليمان وعيسى وسائر الأنبياء والرسل -عليهم السلام- وكذلك المؤمنون كآل لوطٍ والسحرة وبلقيس وأمة عيسى -عز وجل-[3].

 

لقد قال الله تعالى في نوحٍ -عز وجل-: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (يونس: 71-72).

 

وقال في إبراهيم -عز وجل-: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (آل عمران: 67). وقال في إبراهيم ويعقوب -عليهما السلام-: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (البقرة: 132).

 

وقال يوسف -عز وجل-: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (يوسف: 101).

 

وقال -عز وجل- في الأسباط[4]: ﴿ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ (البقرة: 133).

 

وقال في آل لوط -عز وجل-: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الذاريات: 35-36).

 

وقال سبحانه عن موسى -عز وجل- وقومه: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ (يونس: 84).

وقال سليمان -عز وجل- لأهل اليمن: ﴿ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ (النمل: 31)، وقالت بلقيس -رضي الله عنها-: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (النمل: 44).

 

وقال تعالى لخاتم النبيين محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمته: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأنعام: 162-163).

 

وقال سبحانه عن السحرة لما آمنوا: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ (الأعراف: 126).

 

وقال تعالى في الحواريين: ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 52)، وقال فيهم أيضًا: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ (المائدة: 111).

 

وقال مؤمنو الجن: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ﴾ (الجن: 14).

 

وقال تعالى لنا -معشر أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ (العنكبوت: 46).

 

بل إن فرعون -لعنه الله- كان يعرف أن الله لا يقبل إلا الإسلام دينًا.. قال الله فيه: ﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (يونس: 90)[5].

 

ولما كانت المحبة الإلهية أمرًا إسلاميًّا كبيرًا، فقد نصَّ عليها كل دين أُنزِل من عند الله، وحرص عليها كلُّ عابد صادق؛ لكنه مع انحراف الدين تخرُج الأمور عن أطرها ومقاصدها، واليهودية والنصرانية انحرف بهما أهلوهما حتى خرجتا من الإيمان والإسلام إلى الكفر والإلحاد، فلم يعودوا يعبدون الله تعالى.. عرفوه أم لم يعرفوه، فمن اليهود من عبد العجل ومنهم من قال في العزير مقالة النصارى في المسيح -عز وجل- من أنه ابن الله، تعالى الله عما يصفون، والنصارى عبدوا ثلاثة أقانيم.

 

فأين تكمن المحبة الإلهية في هذا الإله، أو هذه الآلهة، التي يعبدونها من دون الله؟! وكيف لمن لا يعرف الله أن يعرف محبته العبادَ بتفصيلاتها الكثيرة؟!!

 

من أجل ذلك لم تتحقق في اليهود والنصارى موجباتُ المحبة الإلهية لهم، ووجدت فيهم موانعُها من الكفر، واستحلال الربا، والظلم، والخيانة، وغيرها. وانتفت عنهم أسبابها من اتباع الأنبياء، بل كذبوهم وقتلوهم، كما انتفى عنهم فقه آيات الله، بل كفروا بالله وبآياته. ومن ثم لم تظهر عليهم آيات تلك المحبة وكراماتها؛ فهم أهل الصغار والذلة والتيه والضياع، في حين أن الله يعز أحباءه وينصرهم ويدافع عنهم.

 

مع ذلك كله يتبجح اليهود والنصارى بأنهم أبناء الله وأحباؤه.. ويحكي عنهم القرآن ذلك ويرد عليهم بالدليل القاطع الدامغ.. يقول الله -عز وجل- عنهم: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ (المائدة: 18). دعوى مجرَّدة كذَّبها الله وكذَّبهم.

 

قال المفسرون: إن «الابن» في لغة بني إسرائيل هو الحبيب، فلم يريدوا البنوة الحقيقية؛ لأن مذهبهم معروف وليس فيه هذا، إلا مذهب النصارى في المسيح وبعض اليهود في العزير.. قال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ (التوبة: 30). ومعنى قولهم ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾؛ أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبُّنا. ونقلوا عن كتابهم أن الله قال لعبده إسرائيل: «أنت ابني بِكري» فحملوا هذا على غير تأويله وحرَّفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: «إني ذاهب إلى أبي وأبيكم»، يعني ربي وربَّكم. ومعلوم أنهم لم يدَّعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى -عز وجل- وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه وحُظوتهم عنده، ولهذا قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾[6].

 

بل إن قدماء بني إسرائيل عبدوا الكواكب والزهرة وقرّبوا لها القرابين، وقد أخبر الله بذلك نبيه أرميا في نبوته، فقام فيهم ووعظهم وخوفهم بأس الله وسرعة بطشه، وذكرهم بأيام الله؛ فتواثب عليه الشعب وقالوا: إنا لا ندع السجود للزهرة والكواكب، وهموا بقتله. وقد عبدوا العجل أيام موسى. ومنهم طائفة مشبهة مجسمة يعتقدون أن خالقهم في صورة شيخ أبيض الرأس واللحية، ويزعمون أن له في السماء الثالثة خليفةً يسمونه «الله الأصغر» -تعالى الله عن وصفهم وإفكهم- ويزعمون أنه مدبر العالم. ومنهم من اعتقد أن لله تعالى مضادِدًا من خلقه يضاددُه، وهو فاعل الشر، غير أنه مخلوق من خلقه. ومنهم من اعتقد أن الله لم يخلق العالم بل خلقه ملَك أقدره الله على ذلك، وهذا هو الذي كلم موسى وفلق البحر. ومنهم الذين عبدوا بَعْلاً، وقربوا القرابين لنجوم السماء. ومنهم من اعتقد أن الله جل وعلا نزل إلى صرح النمرود ليهدمه ويحول بينه وبين إتمامه، وإلى الجَنة ليكلم آدم، وإلى الأرض ليكلم موسى -عليهما السلام-[7].. إلى غير ذلك من الترّهات التي أقل ما فيها أنهم لم يعرفوا الله -سبحانه وتعالى-، ولم يقدروه حق قدره؛ فكيف يعرفون محبته عباده بموانعها وأسبابها وآثارها؟!

 

وهكذا يخرج أهل الملل والنحل الباطلة بالتحريف، كاليهود والنصارى، ومن باب أولى أهل الملل الباطلة بالوضع من غير تنزيل؛ كالمشركين عباد الأوثان.. يخرجون من محبة رب العالمين كما خرجوا من دينه ودين رسله -عليهم السلام- فيمنعهم المانع الأول من محبة الله العباد، ألا وهو الكفر نعوذ بالله منه.

 

ويرد الله عليهم دعواهم محبته إياهم بقوله تعالى -في نفس الآية-: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَللهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ (المائدة: 18)، وفيها هذه الردود:

1- قوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾؛ أي: لو كنتم أبناءه وأحباءه، كما تدَّعون، فلم أعدّ لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟! وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجدُ في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يردَّ عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾[8]. وهذا الذي قاله حسن، وله شاهد في المسند... عن أنس قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفر من أصحابه، وصبيٌ في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يُوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسولَ الله! ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فخفَّضهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «لا، والله ما يلقي حبيبه في النار»[9]. فلو كنتم أحبابه ما عذبكم؛ لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضِيه[10].

 

2- قوله تعالى: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ تجري عليكم أحكام الفضل والعدل[11]؛ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو تعالى الحاكم في جميع عباده ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾[12]. أي: أنتم بشر كسائر الناس، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده[13]. بل إنهم بعدما كفروا أصبحوا من أبعد الناس بعدما كانوا فُضِّلوا على العالمين.

 

3- قوله تعالى: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب[14]؛ أي: هو فعّال لما يريد، لا معقِّبَ لحكمه وهو سريع الحساب[15].

 

4- قوله تعالى: ﴿ وَللهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾؛ أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه[16].

 

5- قوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾؛ أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور[17].

 

أي: فأي شيء خصّكم بهذه الفضيلة، وأنتم من جملة المماليك، ومن جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة؛ فيجازيكم بأعمالكم؟![18].

 

فهؤلاء جملة من أعداء الله تعالى ادعوا محبتَه إياهم، مع ردهم حكمَه، والإلحادِ في أسمائه؛ فلا يدري المرءُ أسفاهةٌ تلك أم صفاقة، أم كلتاهما جُمِعتا ورُكِّبَتا فيهم فلا يستطيعون عنها انفكاكا، ولا منها خلاصا!!.

 

ثالثًا: تنكب المبتدعة طريقَ محبة الله:

ومثلما انحرف الأوّلون عن هُدَى الله وهَدْيِ رسله، وحرّفوا الكتب والكلم، انحرف من الآخرين من أمة النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم- فئام من الناس على مشارب متعددة، وإن لم يستطيعوا تحريف الكتاب والكلم -وقد حاول بعضهم- لتَكَفُّل الله بحفظه.

 

ومثلما افترقت الأمة المسلمة في جل القضايا التي كان ينبغي أن تجمَعَها لا أن تُفرِّقها، افترقت بشأن المحبة الإلهية.

 

وإن تعجب فعجبٌ أن أعلى الناس صوتًا وأضخمهم دعوى بالمحبة الإلهية هم أقل الناس احترازا من موانعها وابتعادا عن أسبابها.. الآخِرون في ذلك كالأوِّلين سواءً بسواء. فإذا كان الجهاد في سبيل الله -مثلا- من أفضل ما يحصِّل به المرء محبة الله، فإن غير المجاهدين بالذات هم الأكثر تشدُّقًا بمحبة الله إياهم؛ الذين قالوا لموسى أيام دعاهم -عز وجل- لخيري الدنيا والآخرة: ﴿ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ (المائدة: 24)، والذين لم يتطلعوا يومًا إلى ذروة السنام، فأخلدوا إلى الأرض، يقللون من شأن الجهاد ويقعدون ويثبطون الناس عنه، بحجة أن أذكارهم المبتدعة وأورادهم المضيِّعة وسماعهم ورقصهم وتخنُّثَهم خيرٌ منه وأبقى، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها»[19]؛ فيكتب أحد المجاهدين لصوفيٍّ يدعوه إلى الجهاد، فيرد الصوفيّ: كل الثغور مجتمعةٌ لي في بيت واحد والباب عليَّ مردود، فكتب المجاهد إليه: لو لزِم الناس كلُّهم ما لزِمتَه اختلت أمور المسلمين وغلب الكفار فلابد من الغزو والجهاد، فرد الصوفي بأن الناس لو لزموا ما هو عليه وقالوا في زواياهم وعلى سجاداتهم (الله أكبر) لانهدم سور القسطنطينية[20].

 

إن هذا مثال واحد على الانحراف في الأخذ وفي الفهم وفي التطبيق؛ فمثل هذا الصوفي لم يأخذ الكتاب بقوة، ولا فهمه بثاقب نظر، ولا طبَّقه بأمانة، بل ضعُف وكذب وخان. حتى ليستطيع الحالف أن يحلف أن هذا الصوفي لم يكن موقنًا بأن ما فعله هو الصواب والمفترض، تمامًا مثلما كان فرعون غير واثق من أنه إله المصريين، وكأن الصوفيّ كان يقول في نفسه: ما لهذا المجاهد ولي! فليدعني للحياة!!

 

أليست الصوفية منغصةً على أهل الحق؟ وشوكة -شأن كل بدعة- في حلوق المتطلعين إلى نشر دين الله وسيادته وتعبيد الناس لربهم سبحانه؟!

 

إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ (الأنفال: 9)؛ فانظر إلى تأييد الله ونصره أولياءَه الذين يحبهم.. ذلك التأييد والنصر والحب الذي خسره الرعاديد من أمثال هذا الصوفيّ الذي يحتج على دين الله الخاتم ببدعٍ ما أنزل الله بها من سلطان!!

 

ثم انظر إلى كم يحب الله التائبين المستغفرين، وكم يربَحون؟! وكم يخسر الغافلون المعاندون الذين لا يدعون الله ولا يستغفرون؟؟!

 

نعم إن محبة الله تعالى العباد سبقت محبتَهم إيّاه تعالى؛ بل إن محبته تعالى عباده سبقت أعمالهم؛ فسبقت اجتناب النواهي من موانع محبته، وسبقت طاعة الأوامر من الأخذ بأسبابها.. أليس سبحانه من خلق أباهم بيديه، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له الملائكة، وتاب عليه لما عصى، ثم إنه سبحانه من يغذُوهم بنعمته، ويمهلهم ما عصوه، ويغفر لهم ما استغفروه؛ فأين يجدُون إلهًا مثله؟! سبحانه ﴿ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ (الشورى: 11-13).

 

إن الله تعالى أخرجنا من العدم إلى الوجود لا لشر أراده بنا، بل أراد بنا الإكرام والإنعام والتوبة.. ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ (الإسراء: 70)، ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ (التوبة: 118). وما في حياة الناس من أمور لا ترضيهم فإنهم أسبابها.. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ (الروم: 41)، ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ (النساء: 79).

 

أليس هو سبحانه من جعل لنا السمع والأبصار والعقول.. ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾ (السجدة: 7-9). وهل يفعل هذا إلا إلهٌ يريد الخير بمألوهيه، وربٌّ برٌّ بمربوبيه؟!

 

فقارن حال هؤلاء الجهال المبتدعة بحال السلف الصالحين؛ حيث أسند البيهقي في «الشعب»، عن أبي سيف الزاهد أنه قال: «ما نحب أن يلي حسابنا غير الله؛ لأن الكريم يجاوز»، ومن طريق الثوري قال: «ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي، ربي خير لي من والدي».

 

ألم يُنزل الله إلينا الدين والهدى؟ ولم ذلك لو لم يكن يحبنا؟! نعم إنه لإقامة الحجة الرسالية علينا كما قال تعالى: ﴿ لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ (النساء: 165)؛ لكن الله جل شأنه أراد للناس الهدى لا الضلال، بدليل أنه دعا إلى الأول وحذر من الثاني؛ فقد قال الله قبل ذلك إنه أرسل رسلا للناس عبر التاريخ كله وفي الأمم جميعها؛ ليبشروا المهتدين وينذروا الضالين.. ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ (النساء: 163-165).

 

فكيف يفهم هؤلاء المتنكِّبون الطريق الواصلة إلى العلي العظيم؟ وبأي طريقة من طرق التفكير العوجاء يفكرون؟ بل ماذا يريدون أصلا إن لم يريدوا محبة الكبير سبحانه؟

 

فإن كانوا يريدون مالاً فإن لله خزائنَ السموات والأرض وهو الكريم ذو الفضل العظيم، وإن كانوا يريدون جاهًا فإنه هو المعز المذل، وإن كانوا يريدون ملكا فإنه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينـزع الملك ممن يشاء.. ﴿ فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ (النساء: 78).

 

إن أقوامًا خسروا أنفسهم يضلون الناس بعد ضلالهم.. نعرف الأسباب التي تحملهم على ذلك، تلك التي منها: ضعف عقولهم وغلبة البلادة والجهل عليهم، وحقدهم على الإسلام الذي أدال دُوَلَ أسلافِهم، والتطلع إلى التسلط والاستعلاء وحب الرياسة، وحب التميز عن العوام والسواد الأعظم (أهل السنة والجماعة)، والتفلسف والانقياد للعقل في طريق الإلحاد[21].

 

هؤلاء الذين تلتقي أصولهم، برغم تفرقهم وانقسامهم على أنفسهم، فيثبت لذي عينين أنهم ما فارقوا قول اللطيف الخبير ﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾ (الإسراء: 50-51) قيد أنملة.. يقولون: إن للشريعة ظاهرا وباطنا، وإن للعلم مدينةً وبابًا، وإن العقل يسبق الوحي ويحكم عليه. ثم يقولون: إنهم -أو ضُلاّلهم- غواصون في باطن الشريعة، وحجاب على باب العلم، وعقلاء أذكياء.. فإن لفظة الباب متداولة كثيرا عند الصوفية وعند بعض فرق الباطنية، يطلقونها على بعض أركان دعوتهم بمعنى أنهم هم واسطة الدخول وسبب الوصول[22].

 

فهل ترى فيما نحن بصدده من أمر المحبة الإلهية للعباد، وهي من أكبر الأمور بل أكبرها بإطلاق، شيئا مما أرجف به أصحاب المصالح الخاصة هؤلاء؟ أفتحتاج هذه المحبة إلى وسائط من خارج نفسك؟ أم أنه لا مخلص لك من موانعها إلا أنت بعد معونة الله ولطفه؟ ولا جامع لأسبابها فيك إلا ربك بعد الاستعانة به وحده لا شريك له؟

 

ولِمَ لَمْ يُخَلِّص هذا الدعيّ نفسه من أوشابها وأوزارها التي منعته من محبة ربه؟ ولِم لَم يجمع أسباب المحبة الإلهية في نفسه الفارغة من كل قيمة؟؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه..

 

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

 

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج2 ص300) طبعة مكتبة الإيمان بالمنصورة.

[2] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب/ جامع صلاة الليل (ح746) مطولا، من طريق سعد بن هشام بن عامر عن عائشة رضي الله عنها، وفيه «قال سعد بن هشام: ... يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان القرآن». وزاد السيوطي في «الدر المنثور» (ج8 ص243) عزوه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه.

[3] انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص358) بتصرف فيه.

[4] هم بنو إسرائيل (وهو نبي الله يعقوب -عليه السلام-) الذين ألقوا يوسف -عليه السلام- في الجب، وقيل إنهم صاروا أنبياء بعد أن تابوا وتاب الله تعالى عليهم.

[5] انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص359) وما بعدها، بتصرف وزيادة كبيرة.

[6] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص206)، و«تفسير ابن كثير» (ج3 ص42).

[7] انظر: «المنتخب الجليل من تخجيل من حرف الإنجيل» للشيخ أبي الفضل السعودي المالكي (ص245) وما بعدها، تقديم وتحقيق: رمضان الصفناوي البدري الطبعة الأولى دار الحديث - القاهرة 1418ه‍.

[8] ليس هذا إعلاء من شأن الصوفية وخفضًا من شأن الفقهاء؛ بل العكس هو الواجب، ولعل الإمام ابن كثير - والكلام له - يقصد علماء الأخلاق والقلوب في مقابل علماء العمل المجرد.

[9] [صحيح] أخرجه أحمد في «مسنده» (3/104 ح 11607) حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم-. فذكر الحديث. وانظر: «تفسير ابن كثير» (ج3 ص42).

[10] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص206).

[11] انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.

[12] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج3 ص42).

[13] انظر: «صفوة التفاسير» (ج1 ص335).

[14] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص206).

[15] انظر: «تفسير ابن كثير» (ج3 ص42).

[16] انظر: السابق، نفس الجزء والصفحة.

[17] انظر: السابق، نفس الجزء والصفحة.

[18] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص206).

[19] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب/ الغدوة والروحة في سبيل الله (ح2792)، ومسلم في الإمارة، باب/ فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (ح1880) من حديث أنس رضي الله عنه.

[20] انظر: «عوارف المعارف» لشهاب الدين السهروردي بهامش إحياء علوم الدين (ج2 ص56) طبعة القاهرة 1216ه‍، ود. عبد الفتاح أحمد الفاوي «التصوف عرض ونقد» (ص67) طبعة دار الهاني - القاهرة 1992م.

[21] انظر: رسالة «القرامطة» لابن الجوزي (ص66-68) تحقيق الدكتور الصباغ طبعة المكتب الإسلامي، وانظر أيضًا : «السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية» للدكتور مصطفى محمد حلمي  (ص200/ هامش1) الطبعة الأولى دار ابن الجوزي - القاهرة 2005م.

[22] انظر: «حاضر العالم الإسلامي» للأمير شكيب أرسلان (ج4 ص351)، دار الفكر 1391ه‍، نقلا عن: «السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية» السابق (ص203/ هامش1).