حول معنى الاعتداء:

"الاعتداء" مصدر الفعل الخماسي "اعتدى" المتعدي بعلى وعن، يقال اعتدى عليه: ظلمه. واعتدى الحق جاوزه؛ فهنا يأتي لازمًا. ويقال: اعتدى عن الحق، وفوق الحق. وأصل اعتدى "عدا" عدْوًا وعُدُوًّا وتعداءً وعُدوانًا؛ أي جرى، وهو لازم. وأما عدا عليه عدوا وعدوًّا وعداءً وعِدوانا - بكسر العين وضمها - فبمعنى: ظلمه، وبمعنى جاوز الحد. وعدا اللص على الشيء: سرقه، وعدا عليه: وثب، وعدا الأمر: صرفه وشغله وجاوزه، وكذا عدا عنه: جاوزه. وعدى بمعنى خاصم[1].

 

واعتدى أي جاوز حده، بمعنى حقه أو ملكه، إلى حق وملك غيره، سواء كان الله سبحانه.. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ (البقرة: 229)، وأعظم الحدود حدود الله تعالى؛ لأنها فضلاً عن كونها حدودَ وحقوقَ الله تعالى العلي الكبير، فإنها قد تتضمن حدود وحقوق عباده، كما قد يكون صاحب الحق مؤمنًا أو كافرًا من الناس، والكل ممنوع الاعتداء عليه في نفسه وماله وعرضه.. إلخ؛ إلا بالحق.

 

والاعتداء - بهذا المعنى - مثل الظلم؛ وبهذا يكون ضد الاعتدال والعدل والحق؛ وهذه الفضائل الثلاث هي الحد الفاصل بين الإفراط والتفريط في الدين، وقد اعتبرها الإسلام من مبادئه التي أكثر من التأكيد عليها في كل مناسبة دعت إلى ذلك في الأصلين العظيمين القرآن والسنة.

 

أولاً: الاعتداء بمعنى قتال من لم يجب قتاله:

قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ (البقرة:190-193).

 

قال السعدي:

هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة؛ لمّا قَوِي المسلمون للقتال أمرهم الله به، بعدما كانوا مأمورين بكف أيديهم. ﴿ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾؛ أي الذين هم مستعدون لقتالكم؛ وهم المكلَّفون الرجال، غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها؛ من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوِهم، والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار ونحوها لغير مصلحة تعود للمسلمين. ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها؛ فإن ذلك لا يجوز[2]. وقال: ﴿ فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾؛ أي فليس عليهم منكم اعتداء، إلا من ظلم منهم؛ فإنه يستحق المعاقبة بقدر ظلمه[3].

 

وقال الصابوني: وكان هذا - أي عدم الاعتداء - في بدء الدعوة، ثم نسخ بآية براءة ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ﴾ (التوبة: 36)، وقيل نسخ بالآية التي بعدها، وهي قوله ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾[4].

 

وقال ابن كثير:

قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقاتل من قاتله ويكفّ عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة، وكذا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: منسوخة بقوله ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ (التوبة: 5)، وفي هذا نظر؛ لأن قوله ﴿ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله؛ أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم، كما قال (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)؛ ولهذا قال في هذه الآية ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾؛ أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم كما أن همتهم منبعثة على قتالكم وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا. وقوله ﴿ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾؛ أي قاتلوا في سبيل الله لا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي، كما قال الحسن البصري: من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "اغزوا في سبيل الله.. قاتلوا من كفر بالله.. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع"[5].

 

وهكذا نلحظ التضارب الواضح بين المفسرين في حكم هذه الآية والعمل بها، وهذا التضارب يدخل في إطار القضيّة برمّتها؛ أعني فهم المسلمين لفريضة الجهاد؛ التي قلنا ونقلنا أن فهم المسلمين لها ينتابه القصور والاضطراب.

 

أما بخصوص الجزئيّة التي معنا الآن، وهي من يجب قتاله ومن لا يجب، فإننا مع الرأي المنقول عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان والحسن البصري والذي رجحه ابن كثير.

 

وقد بلور هذا الرأي الشيخ سيد سابق في كتابه "فقه السنة" فقال: وقد تضمنت هذه الآيات - يشير إلى الآيات (190-193) من سورة البقرة - ما يأتي:

1- الأمر بقتال الذين يبدؤون بالعدوان ومقاتلة المعتدين؛ بكف عدوانهم. والمقاتلة دفاعًا عن النفس أمر مشروع في كل الشرائع، وفي جميع المذاهب، وهذا واضح من قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾.

 

2- أما الذين لا يبدؤون بعدوان فإنه لا يجوز قتالهم؛ لأن الله نهى عن الاعتداء، وحرم البغي والظلم في قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.

 

3- وتعليل النهي عن العدوان بأن الله لا يحب المعتدين دليل على أن هذا النهي محكم غير قابل للنسخ؛ لأن هذا إخبار بعدم محبة الله للاعتداء، والإخبار لا يدخله النسخ لأن الاعتداء هو الظلم والله لا يحب الظلم أبدا.

 

4- أن لهذه الحرب المشروعة غايةً تنتهي إليها، وهي منع فتنة المؤمنين والمؤمنات، بترك إيذائهم، وترك حرياتهم ليمارسوا عبادة الله ويقيموا دينه، وهم آمنون على أنفسهم من كل عدوان[6].

 

كما لخص الشيخ مسوغات الحرب في الإسلام في حالين هما:

الحال الأولى: حال الدفاع عن النفس، والعرض، والمال، والوطن عند الاعتداء.

 

الحال الثانية: حال الدفاع عن الدعوة إلى الله إذا وقف أحد في سبيلها بتعذيب من آمن بها، أو بصد من أراد الدخول فيها، أو بمنع الداعي من تبليغها.

 

وقد استدل على هذا القول بآية البقرة التي معنا، وبقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ﴾ (النساء: 75)، وبآياتٍ أخر وأحاديث، وبأدلة مستنبطة من الآيات والأحاديث في عمومها[7].

 

[قلت]: إن مما يؤكد على منع الاعتداء أمرين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ﴾ معلل بقوله سبحانه: ﴿ كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾؛ فإن لم يقاتلوا ابتداءً فلا يجوز الاعتداء عليهم؛ إلا أن يصدوا عن سبيل الله بأن يعذِّبوا المؤمنين، أو يخرجوهم من ديارهم، أو يمنعوا الدعاة من الدعوة إلى دين الله، أو يمنعوا غير المسلمين من الدخول في دين الله.. إلخ، وهذا كلّه من المقاتلة. كما يجوز أن تكون ﴿ كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾ للتوبيخ لا للتعليل، كما قال تعالى: ﴿ أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ (التوبة: 13)؛ لكن الأول أظهر في الآية التي معنا، والله أعلم.

 

الثاني: أن سبب نزول آية براءة التي قيل إنها ناسخة للآية التي نتحدث عنها هو أن المشركين بالفعل كانوا قد تجمعوا ضد المسلمين، ورموهم عن قوسٍ واحدة، وتواطئوا عليهم جميعا في غزوة الأحزاب (الخندق)، كما قاله بعض المفسرين. ولا يصح هنا العمل بقاعدة "العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب"؛ لأن السبب (الخاص) مثال يقاس عليه مثله، وهذا هو التعميم المناسب، وليس قتل غير المعتدين من التعميم في شيء، والله أعلم.

 

غير أن القول يحتاج إلى أن يتناول في إطار بحث عامٍّ حول فريضة الجهاد.. يشمل جميع ما يتعلق به، وليس هذا موضعه.

 

والخلاصة:

أن الاعتداء على عموم الناس ممن لا يجوز الاعتداء عليهم وهم غير المقاتلين للمسلمين ولا منتهكي الأعراض ولا قاطعي الطريق ولا الصادّين عن الدعوة الإسلامية، يمنع من محبة الله فاعلَه، وهو ما سبق أن قررناه في آيتين سابقتين، والله أعلم.

 

ثانيًا: الاعتداء على حق الله تعالى في الدعاء:

يقول تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (الأعراف: 55). وفي حديث سعد - رضى الله عنه - لما سمع ابنه - أو لما وجد ابنه - يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، قال: يا بني إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء" فإيّاك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر[8].

 

قال شارح الطحاوية:

قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ (غافر:60)، ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ (البقرة:186)، والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضارّ، وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم إذا مسّهم الضُّرُّ في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا. وإجابة الله لدعاء العبد مسلمًا كان أو كافرًا، وإعطاؤه سؤلَه من جنس رزقه لهم، ونصره لهم، وهو ما توجبه الربوبيّة للعبد مطلقًا[9]، ثم قد يكون ذلك فتنةً في حقه ومضرة عليه؛ إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك. وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من لم يسأل الله يغضب عليه"[10].

 

وقد نظم بعضهم هذا فقال:

الرب يغضب إن تركت سؤالَه

وبُنَيُّ آدم حين يُسألُ يغضبُ

 

قال ابن عقيل:

قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ:

أحدهما: الوجود؛ فإن من ليس بموجود لا يُدعى.

الثاني: الغنى؛ فإن الفقير لا يدعى.

الثالث: السمع؛ فإن الأصم لا يدعى.

الرابع: الكرم؛ فإن البخيل لا يدعى.

الخامس: الرحمة؛ فإن القاسي لا يدعى.

السادس: القدرة؛ فإن العاجز لا يدعى.

 

ومن يقول بالطبائع[11] يعلم أن النار لا يقال لها: كُفِّي، ولا النجم يقال له: أصلح مزاجي؛ لأن هذه عندهم مؤثرة طبعًا لا اختيارًا، فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء ليُبيِّن كذب أهل الطبائع[12].

 

ثم إن الدعاء متداخل مع العبادة؛ التي هي الحكمة من خلق الجن والإنس، جدّ التداخل؛ حتى ليكونان بمعنى واحدٍ أحيانًا؛ إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة، وقد فسر قوله ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ (غافر:60) بالدعاء الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب. وقوله بعد ذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ (غافر: 60) يؤيد المعنى الأول[13].

 

وقال الإمام الطحاوي - رحمه الله تعالى - في عقيدته:

ولا غنى عن الله تعالى طرفةَ عين، ومن استغنى عن الله طرفةَ عين فقد كفر وصار من أهل الحَين.. قال الشارح: والحين -بالفتح-: الهلاك [14].

 

وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - معلِّقًا على هذا الكلام -:

من زعم أنه في غنى عن الله، وأنه مستغنٍ عن الله؛ فقد كفر وخرج من الملة، فالواجب على العبد أن يُظهر لله ضعفَه، ولا يعجبَه ما هو فيه من القوة والصحة والغنى؛ لأن الأمور بيد الله - عز وجل -؛ فلا يمكن الاستغناء عن الله - عز وجل -[15].

 

فهذا ملخّص عن الدعاء، وهو باب كبير في الدِّين وخطير.. ينبغي ألا يُغفلَه المسلم؛ بل هو عندي أيسر الطرق لجلب المنافع ودفع المضارّ، وهو أيضًا أجدى الوسائل لذلك؛ لكنه يحتاج أحيانًا إلى الأخذ بالسبب، وفي حالات كالاضطرار ووقوع الظلم لا يحتاج لشيء؛ بل الله تعالى يجيب المضطر إذا دعاه ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

 

أما عن آية الأعراف التي معنا فيمكن تقسيمها قسمين:

القسم الأول: قوله تعالى ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾، وفيه ثلاثة مندوبات قد ترقى أحيانًا إلى الفرض:

المندوب الأول: أن يكون من الإنسان دعاءٌ لربه.. دعاء عبادة ودعاء مسألة؛ فالدعاء دعاءان؛ دعاء لمجرد أن الله موجود وأن العبد لابد أن يسأله حتى ولو لم تكن ثمة أشياء يطلب جلبها أو دفعها، ودعاء إذا أراد هذا أو ذاك؛ لأن الله وحده القادر عليهما.

 

والثاني: أن يكون الدعاء تضرُّعًا؛ أي إلحاحًا في المسألة، ودأبًا في العبادة.

 

والثالث: أن يكون الدعاء خُفية؛ أي ليس جهرًا ولا علانية؛ لئلا يكون رياءً أو يخشى منه الرياء، ولكي يكون بإخلاص.

 

القسم الثاني: قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾؛ أي لا يحب المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح، أو ينقطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء؛ فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه[16].

 

فالاعتداء في الدعاء يشمل أمورًا:

1- الدعاء بما لا يجوز؛ كقطيعة الرحم، والدعاء بالإثم.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال.."[17].

 

2- أن ينقطع عن السؤال.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يسأل الله يغضب عليه"[18].

 

3- المبالغة في رفع الصوت بالدعاء.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "يأيها الناس أربِعوا على أنفسكم -أي ارفقوا عليها ولا تتشددوا- فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"[19].

 

4- الدعاء على الأنفس والأولاد والأموال.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم"[20].

 

5- تعجّل الإجابة.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل.. يقول دعوت ولم يستجب لي"[21].

 

6- عدم العزم في الدعاء.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء لا مكره له"[22].

 

7- الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا؛ فعن أنسٍ -رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد رجلاً من المسلمين قد خفَتَ فصار مثل الفرخ؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل كنت تدعو بشيءٍ أو تسأله إيّاه؟" قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجِّله لي في الدنيا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سبحان الله! لا تطيقُه (أو: لا تستطيعُه)، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"؟ قال: فدعا اللهَ له فشفاه[23].

 

8- الدعاء بالموت على نفسه.. قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتمنَّ أحدكم الموت، ولا يدعُ به من قبل أن يأتيه؛ إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا"[24].

 

9- أن يتشدق في الدعاء ويتفيهق، كما في حديث سعد -رضى الله عنه - لابنه حينما سمعه يدعو بتلك التفاصيل التي نهاه عنها.

 

10- الدعاء في الشدة وترك الدعاء في الرخاء، أو الدعاء في الرخاء وتركه في الشدة.. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (يونس: 12)، وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ (الحج: 11)، والآيات في ذلك كثيرة.

 

11- وهذا هو أخطرها وأكثرها عدوانا؛ بل هو كفر بالله العظيم؛ ألا وهو دعاء غير الله تعالى.. قال تعالى: ﴿ هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (غافر: 65-66).

 

فهذه أحد عشر أمرًا قابلة للزيادة لا تجوز في الدعاء، وكل أمر نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الدعاء به، أو طريقة نهى عن الدعاء من خلالها، أو شيء من هذا القبيل فهو عدوان في الدعاء.

 

فهذه الأمور المنهي عنها في الدعاء تتراوح بين الكفر والكراهة، وجميعها تفقد الدعاء وظيفته وهي تحقيق المطلوب منه، أو أنه إذا أجيب لم يكن ذلك خيرًا بل شرًّا على الداعي؛ فيجب تجنبها والاقتصار على المشروع خشية الخطأ، الذي - والعياذ بالله - قد يجلب الضرر.

 

شروط وموانع الإجابة:

ينقسم الدعاء - كما أسلفنا - إلى دعاء عبادة ودعاء سؤال، والإجابة تختص بدعاء السؤال، ولكي تحصل إجابة دعاء السؤال ينبغي توافر شروط وغياب موانع حددها الشرع؛ فقد جاء في شرح العقيدة الطحاوية "أن الدعاء سبب مقتضٍ لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع؛ فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب؛ بل قد يحصل غيره.. وكثيرًا ما تجد أدعيةً دعا بها قوم فاستجيب لهم، وقد يكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبِه وإقبالُه على الله، أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت إجابة، ونحو ذلك؛ فأجيبت دعوته؛ فيظن أن السر في ذلك الدعاء فيأخذه مجرّدًا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي... فالأدعية والتعوذات والرقى بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط؛ فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا، والساعد ساعدًا قويًّا، والمحلُّ قابلاً، والمانعُ مفقودا، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمَّ مانع من الإجابة لم يحصل الأثر"[25].

 

ويدخل في هذا تحري الأوقات والأمكنة والأحوال التي يُستحب فيها الدعاء وترتجى فيها الإجابة؛ كالدعاء في ساعة الجمعة ووقت السحر، وفي المساجد وعرفة، وإذا كان الإنسان مضطرًّا أو مظلومًا أو ساجدًا.. إلخ.

 

ثالثًا: الاعتداء على شرع الله بتحريم ما أحلّ أو العكس:

يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ (المائدة: 87-88).

 

قال العلامة السعدي في تفسيرها:

يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ﴾ من المطاعم والمشارب؛ فإنها نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم واشكروه، ولا تردُّوا نعمته بكفرها، أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها؛ فتجمعوا بذلك بين قول الكذب على الله وكفر النعمة واعتقاد الحلال الطيب حرامًا خبيثًا، فإن هذا من الاعتداء[26].

 

وقال ابن كثير:

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهطٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- قالوا: نقطع مذاكيرَنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- فأرسل إليهم فذكر ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني"[27]. وعن عائشة -رضي الله عنها- أن ناسًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم- عن عمله في السرِّ، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؛ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني"[28].

 

وذكر العلماء في أسباب نزول هذه الآية أسبابًا كثيرة منها:

الحديث المرسل عند ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيفٌ من أهله وهو عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفه انتظارًا له؛ فقال لامرأته: حبست ضيوفي من أجلي؟ هو (أي الطعام) حرام عليَّ، فقالت امرأته: هو عليَّ حرام، فقال الضيف: هو عليَّ حرام؛ فلما رأى (أي بن رواحة - رضى الله عنه -) ذلك وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ﴾ الآية. غير أن هذه القصة ثابتة في حق أبي بكر الصديق - رضى الله عنه - من دون ذكر نزول الآية[29].

 

وقال صاحب "صفوة التفاسير":

﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾؛ أي ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم بتجاوز الحلال إلى الحرام.. ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾؛ أي يبغض المتجاوِزين الحد، والإسلام يدعو إلى القصد بدون إفراط ولا تفريط[30].

 

مذاهب الفقهاء في تحليل وتحريم الطيبات:

قال ابن كثير: وفي صحيح البخاري في قصة الصدِّيق مع أضيافه شبيه بهذا[31] - أي بقصة عبد الله بن رواحة مع ضيفه وامرأته - قال: وفيه وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء؛ كالشافعي وغيره، إلى أن من حرَّم مأكلاً أو ملبسًا أو شيئًا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾، ولأن الذي حرم اللحم على نفسه -كما في الحديث المتقدِّم - لم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفّارة.

 

قال: وذهب آخرون؛ منهم الإمام أحمد بن حنبل، إلى أن من حرّم مأكلاً أو مشربًا أو شيئًا من الأشياء فإنه يجب بذلك عليه كفَّارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزامًا له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التحريم: 1)، ثم قال: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ (التحريم: 2) الآية، وكذلك هاهنا لما ذكر هذا الحكم عقّبه بالآية المبيِّنة لتكفير اليمين؛ فدل على أن هذا منزلٌ منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم[32].

 

وفي قوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنـزلَ التَّوْرَاةُ ﴾ (آل عمران: 93) قال ابن كثير: إن إسرائل - عز وجل -  - وهو يعقوب - حرم أحب الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شريعتهم؛ فله مناسبة بعد قوله ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ (آل عمران: 92) فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ (البقرة: 177)، وقال تعالى: ﴿ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ (الإنسان: 8) الآية[33].

 

ويستفاد من هذا الكلام أمران:

الأول: أن الشرائع قد تختلف في بعض الفروع؛ كما ساغ ليعقوب - عز وجل - ما لا يسوغ لنا من تحريم لحوم الإبل وألبانها، وكان هذا نذرًا نذره لله، ونحن لا يجوز لنا التعبّد - والنذر منه - بتحريم الحلال.

 

الأمر الثاني: أنه إن كان سمح ليعقوب - عز وجل - التعبد بتحريم الطيب على نفسه فإن البديل عندنا هو إنفاقه أو بعضه، أما أن يمنع نفسه من الحلال أبدًا فلا؛ لأن ذلك من العدوان، والله أعلم. وستأتي لهذا الحديث بقية في الإسراف والتقتير إن شاء الله.

 

وقوله تعالى: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه:

1- ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم المباحات عليها، كما قاله بعض السلف.

 

2- كما لا تحرمون الحلال فلا تسرفوا في تناوله؛ بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوِزوا الحد فيه، كما قال تعالى ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ﴾ (الأعراف: 31)، وقال ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ (الفرقان: 67)؛ فشرعُ الله عدلٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط[34].

 

وهذ الآية والتي في سورة البقرة تضعان المسلم في وسطيّة الإسلام؛ حيث تنهى آية البقرة عن الاعتداء على غير المعتدين وغير الصادّين عن سبيل الله، وتنهى هذه الآية من سورة المائدة عن التبتّل واعتزال الناس مما قد ينسحب على التفريط في الجهاد. قال الإمام القرطبي: وفي هذه الآية وما شابهها رد على المتزهدين والمتصوفة.

 

[قلت]: وكأني بهما دليل على صحة دين أهل السنة الذي هو وسط بين الخوارج والصوفيّة؛ فالخوارج يقتلون ذات اليمين وذات الشمال، والصوفية يتركون دين الله نهبًا لا يدفعون عنه.

 

أشكال الاعتداء على شرع الله - عز وجل -:

يمكن أن نستنبط من هذه الآية ألوانًا من الاعتداء تتمثل فيما يلي:

1- أن تحريم الطيبات ضد شكرها كنِعَمٍ أنعم الله بها على عباده؛ بل لحصول تمام شكر النعمة لابد من التمتُّع بها، من دون الاستغراق فيها إلى آخر مدى؛ بل بتوسط واعتدال، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ (الأعراف: 31)؛ فهنا اعتداءان على الشرع.. الأول: تحريم النعمة؛ لأنه تحريم الحلال.

والثاني: الإسراف فيها؛ لأنه اعتداء على النفس بإفسادها وإمراضها بما لا تطيق، ثم بسلب الغير حقه في إنفاق الفضل عليه أو تركه له.

 

2- أنه ليس من الأدب رد نعمة المنعم؛ ولا يزال هذا دأبَ الناس.. يقولون للصغير خذ من عمّك إذا امتنع عن قبول ما يعطيه إيّاه، وكان الخلفاء والأمراء يغتاظون أشد الغيظ إذا لم يقبل بعض الناس عطاياهم، مع أن هؤلاء منعمِون مجازِيُّون فكيف بالمنعم الحق سبحانه، وهو أكرم الأكرمين؟! فهذا اعتداء من حيث كونه لا يعمل بصفة الكرم والجود من صفات الكريم الجوَّاد سبحانه.

 

3- أن ردّ النعمة كفر بها، وهو كفر أصغر، وقد شاع في دين الإسلام ضرب المثل على الكفر الأصغر بكفر النعمة. وهذا اعتداء من حيث ظلم النفس بالكفر، واعتداء على حق الله في قبول نِعَمه وإظهارها.. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ (الضحى: 11).

 

4- أن من الاعتداء قبول النعمة والتمتع بها، ثم إنكارها وجحدها؛ كحال قارون ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ (القصص: 78).

 

5- أن تحريم الحلال هو اعتقاد لما لا يجوز في الدين ووصم له بما ليس فيه؛ لأنه اعتقاد الحلال حرامًا، وفيه مشابهة أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم، وفي تحليل الحلال وتحريم الحرام بالوحي المعصوم عصمة من ذلك.

 

6- أن تحريم الحلال وتحليل الحرام كذب على الله تعالى؛ فالله أحل ما يقولون إنه حرام وحرم ما يقولون إنه حلال، ومعلوم أن الكذب اعتداء لأنه يضيِّع الحقوق أو يروم ذلك، والكذب على الله كفر.

 

7- أن تحريم الحلال يسد باب الإنفاق منه؛ إذ كيف ينفق مما يحرمه والله لا يقبل إلا طيّبًا والحرام غير طيّب؟؟

 

فهذه سبعة اعتداءات في آية واحدة. وبعضها -والله أعلم- مما يمنع من محبته تعالى العبد.. نعيذ أنفسنا وإيّاك من ذلك. وإذًا فمما يجب على الإنسان إزاء نعم المولى - عز وجل - ما يلي: قبول النعمة، والتمتع بها، واعتقاد حلها، وعدم الإسراف فيها، وشكر الله تعالى عليها، والتحديث بها، والإنفاق منها.

 

خلاصة هذا المانع:

1- الاعتداء على المؤمَّنين، أو المعاهدين، أو غير المعتدين؛ وبخاصة إذا كانوا غافلين وغير متوقعين الاعتداء.

 

2- الاعتداء على حق الله تعالى في الدعاء؛ إما بقطع الدعاء، أو بالدعاء بما لا يجوز، أو بسوء الأدب في الدعاء، أو بالدعاء على الأنفس والأولاد والأموال، أو بتعجّل الإجابة، أو بعدم العزم، أو بتعجّل العقوبة في الدنيا، أو بالموت، أو بالتشدق والدعاء بتفصيلات لا تجوز، أو بالدعاء في الشدة دون الرخاء أو الرخاء دون الشدة، أو بدعاء غير مستحق الدعاء سبحانه.

 

3- الاعتداء على شرع الله، وذلك بتحريم ما أحل أو بتحليل ما حرم، وفيه ما هو مبيّن أعلاه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] راجع : "المعجم الوسيط" (ص588-589).

[2] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (ص81).

[3] انظر: المصدر السابق (ص82).

[4] انظر: "صفوة التفاسير" (ج1 ص126).

[5] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (ح1731) من حديث عبد الله بن بريدة - رضى الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله.. قاتلوا من كفر بالله.. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ..." والحديث مطولا "تفسير ابن كثير" (ج1 ص293).

[6] انظر: "فقه السنة" (ج3 ص17).

[7] راجع: نفس المصدر (ج3 ص15-19).

[8] [صحيح] أخرجه أبو داود في الصلاة، باب/ الدعاء (1480)، وأحمد في "مسنده" (ح1486 و1588)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (6/53 ح 29410)، والطيالسي في "مسنده" (ح200)، والطبراني في الدعاء (ح55)، وأبو يعلى في "مسنده" (ح715)، والبيهقي من طريق أبي داود في "الدعوات الكبير" (1/ 297 ح263) من حديث سعد بن أبي وقاص.

قال المناوي - في "فيض القدير" (ج4 ص130) -: "رواه أحمد وأبو داود والديلمي عن سعد بن أبي وقاص. رمز السيوطي لصحته... وقال الحافظ ابن حجر: وهو صحيح" اه‍.

[9] هناك خلاف عميق بين الفرق، خاصة المعتزلة وأهل السنة، حول ما إذا كان يجب على الله تعالى شيء، فحذارِ من الانزلاق في هذه الهوة، ولا يرى الشارح - رحمه الله تعالى - رأي المعتزلة كما نعرفه.

[10] [حسن] عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يسأل الله يغضب عليه". وفي رواية: "من لم يدعُ اللهَ غضب الله عليه". أخرجه ابن أبي شيبة (10/200 ح29160)، وأحمد (2/442 ح9699) (2/443 ح9717) (2/477 ح10181)، والبخاري في "الأدب المفرد" (ح658)، وابن ماجه (ح3827)، والترمذي (ح3373)، وأبو يعلى (ح6655). جميعًا من طريق: عن أبي المليح، عن أبي صالح الخوزي، فذكره. قال أبو عيسى الترمذي: "وروى وكيع، وغير واحد، عن أبى المليح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو المليح اسمه صبيح، سمعت محمدا يقوله، وقال: يقال له: الفارسي".

قال الحافظ - في "فتح الباري" (ج11 ص95) -: "أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجه والبزار والحاكم كلهم من رواية أبي صالح الخوزي - بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي - عنه، وهذا الخوزي مختلف فيه؛ ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعة وظن الحافظ ابن كثير أنه أبو صالح السمان فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه، وليس كما قال؛ فقد جزم شيخه المزي في الأطراف بما قلته، ووقع في رواية البزار والحاكم عن أبي صالح الخوزي سمعت أبا هريرة" اه‍.

[11] يعني الملاحدة نفاة وجوده - سبحانه وتعالى - عما يقولون.

[12] انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (ص391-392).

[13] انظر: المصدر السابق (ص394).

[14] انظر: المصدر السابق (ص395).

[15] انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة (هامش3).

[16] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (ص27).

[17] [حسن] أخرجه أحمد (3/ 18): حدثنا أبو عامر حدثنا علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث؛ إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذًا نكثر، قال: "الله أكثر".

قال الهيثمي - في "مجمع الزوائد" (10/148) -: "رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، والبزاز والطبراني في "الأوسط"، ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزاز رجاله رجال الصحيح، غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة". وصححه الألباني في "تخريج الطحاوية" (ص522).

[18] [حسن] سبق تخريجه قريبًا.

[19] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب/ ما يكره من رفع الصوت في التكبير (ح2992)، ومسلم في الذكر والدعاء (ح2704) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[20] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، (ح3014) من حديث أبي اليسر - رضى الله عنه - الطويل، وأبو داود في الصلاة، باب/ النهي عن أن يدعو الإنسان على أهله وماله (ح 1532) من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فذكره، ثم قال أبو داود: "هذا الحديث متصل.. عبادة بن الوليد بن عبادة لقي جابرا".

[21] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري الدعوات (ح 6340 )، ومسلم في الذكر والدعاء (ح2735) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[22] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الدعوات (ح6339)، ومسلم في الذكر والدعاء (ح2679) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[23] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (ح2688) من حديث أنس رضي الله عنه.

[24] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (ح2682) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[25] انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" (ص394-395) مختصرا.

[26] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (ص221).

[27] [صحيح من غير هذا الوجه]: عزاه ابن كثير لابن أبي حاتم، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه. وأخرجه البخاري في النكاح (ح5063)، ومسلم في النكاح (1401) من حديث أنس - رضى الله عنه -، بلفظ "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني".

عزاه ابن كثير لابن أبي حاتم، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه.

[28] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في النكاح (ح5063)، ومسلم في النكاح (ح1401) من حديث أنس - رضى الله عنه -. ولم أقف عليه من حديث عائشة رضي الله عنها؛ لكن ابن كثير - في "تفسيره" (ج3 ص104) - عزاه للصحيحين من حديث عائشة.

[29] من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه رضي الله عنهما، وانظر: البخاري في مواقيت الصلاة (ح602)، ومسلم في الأشربة، باب/ إكرام الضيف وفضل إيثاره (ح2057)، وانظر: "لباب النقول" للسيوطي (ص115-116).

[30] انظر: "صفوة التفاسير" (ج1 ص362).

[31] [صحيح] سبق تخريجه في الذي قبله.

[32] انظر: "تفسير ابن كثير" (ج3 ص105).

[33] انظر: المصدر السابق (ج2 ص46).

[34] انظر: المصدر السابق (ج3 ص106).