والتَّوبة من الذنوب بالرجوع إلى علاَّم الغُيُوب وغفّار الذُّنوب مبدأُ طريق السالكين، ورأسُ مال الفائزين، وأوّلَ إقدامِ المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقرَّبين.

معنى التوبة وفضلها:

تعرِض للإنسان الذنوب والمعاصي ويقترف منها كثيرًا على مدار حياته.. وفي الحديث: "كلّ ابنِ آدم خطَّاء"[1]، وهذه مثل الأوساخ والأقذار التي تعترضه أيضًا كثيرًا، ومثلما أُمِرَ أن يتطهر ويواظب على الطهارة والتطهّر، أمر أن يتوب ويواظب على التوبة لمشابهة الحالين. بل إن التوبة مقصدٌ من مقاصد خلق الإنسان؛ كما في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أنكم لا تخطِئون لأتَى الله بقوم يخطئون يغفر لهم"[2]؛ ذلك أن من أسماء الله "التوَّاب"، وهو اسمٌ للهِ تعالى قبل أن يخْلُقَ من يتوب عليهم؛ فخلق عبادَه ليتوب عليهم.. قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118].

 

وقد قلْنا "التوَّابِيَّة"، مع التوبة؛ لأن اللفظ الوارد في الآية التي سنتحدث عنها في هذا السبب لتحصيل محبَّة الله تعالى جاءت بلفظ "التوَّابين" ونرى - والله أعلم - أن معناه المتابعين للتوبة والموالين بين التوبَات الفاعلين لها مرَّةً بعد مرة كلما وقعت منهم معصية، بل سواءً وقعت أو لم تقع.

 

قال فضيلة الشيخ أحمد فريد:

والتَّوبة من الذنوب بالرجوع إلى علاَّم الغُيُوب وغفّار الذُّنوب مبدأُ طريق السالكين، ورأسُ مال الفائزين، وأوّلَ إقدامِ المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقرَّبين.

 

ومنـزلُ التوبة أوَّل المنازل وأوسطُها وآخرها، فلا يُفارقه العبد السالك ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منـزلٍ آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية الطريق ونهايته، وقد قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31].

 

وهذه الآية في سورة مدنيّة خاطب اللهُ بها أهلَ الإيمان وخيارَ خلقِه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادِهم، ثم علَّق الفلاحَ بالتوبة وأتى بكلمة "لعلَّ" إيذانًا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون -جعلنا الله منهم- وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11]؛ فقسم العبادَ إلى تائبٍ وظالم وليس ثم قِسمٌ ثالث، وأوقع اسم الظلم على من لم يتُب، ولا أظلمَ منه لجهلِه بربِّه وبحقِّه وبعيبِ نفسه وآفات عمله، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثرَ من مائة مرة"[3]، وهو أعلم الخلق بالله - عز وجل -.

 

والتوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقتُه لصراط المغضوب عليهم والضالِّين[4].

 

أ- شروط التوبة:

إذا كان الذنبُ في حقِّ الله - عز وجل - فشرائط التوبة ثلاثة هي: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة.

 

فأمَّا الندم فإنَّه لا تتحقق التوبة إلا به، إذ من لم يَندمْ على القبيح فذلك دليلٌ على رضاه به وإصرارِه عليه، وأما الإقلاعُ عن الذنب فتستحيل التوبةُ مع مباشرة الذنب. والشرط الثالث هو: العزمُ على عدم العودة، ويعتمد على إخلاص هذا العزم والصدق فيه، وشرَطَ بعضُ العلماء عدمَ الذنب، وقال متى عاد إليه تبيّنَّا أن توبته كانت باطلةً غير صحيحة، والأكثرون على أن ذلك ليس بشرطٍ، فكم من محبٍّ للصحة ويأكل ما يضرُّه.

 

أما إذا كان الذنبُ متضمِّنًا لحقِّ آدميٍّ فعلى التائب أن يُصلِح ما أفسَد، أو يسترضي من أخطأ في حقِّه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان لأخيه عنده مظلمةٌ من مال أو عرض فليتحلله اليوم من قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم إلا الحسناتُ والسيئات"[5]، فهذا الذنب يتضمن حقين: حقَّ الله، وحق الآدمي، فالتوبة منه بتحلُّل الآدمي لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقِّه[6].

 

ب- التوبات الخاصة:

إذا كانت المظلمة بقدح في الآدمي بغيبةٍ أو بقذفٍ فهل يُشترط إعلامُه؟

اشترط أبو حنيفةَ ومالكٌ وغيرُهما إعلامَه، واحتجُّوا بالحديث السابق، والقولُ الآخر أنه لا يُشترط الإعلام بل يكفي توبتُه بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب أو المقذوفَ في مواضع غيبته أو قذفِه بضدِّ ما ذكرَه به، ويستغفرَ له، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واحتجَّ لذلك بأن إعلامَه مفسدةٌ محضة لا تتضمن مصلحةً، وما كان هكذا فإن الشارِعَ لا يُبِيحه فضلاً عن أن يوجبَه أو يأمَر به.

 

أما توبةُ من اغتصَب مالاً فعليه ردُّ هذا المال لأصحابه، فإن تعذَّر عليه ردّه لجهله بأصحابه أو لانقراضهم أو لغير ذلك فعليه أن يتصدَّق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يومُ استيفاء الحقوق كان لهم الخيارُ بين أن يجِيزوا وتكون أجورُها لهم، وبين أن لا يجيزوا ما فعل ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم، ويكون ثوابُ تلك الصدقةِ له؛ إذ لا يُبْطِل الله ثوابها؛ فقد رُوي أنّ ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - اشترى من رجلٍ جاريةً ودخل يزِن له الثمَن، فذهب ربُّ الجارية، فانتظره حتى يئِس من عودتِه، فتصدَّق بالثمن وقال: اللهم عن رب هذه الجارية فإن رضي فالأجر له، وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدْرِه[7].

 

وأما توبةُ من عاوَض غيرَه معاوضةً محرَّمةً وقبَض العوض؛ كبائع الخمر والمغنِّي وشاهدِ الزور، ثم تاب والعوض بيدِه، فقالت طائفة: يردُّه إلى مالكِه إن هو عيَّن مالَه ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لربِّه في مقابلته نفعٌ مباح، وقالت طائفة -وهو الأصوَبُ-: بل توبتُه بالتصدُّقِ به وكيف يرد إلى دافعه مالاً استعان به على معاصِي الله؟ وهكذا توبَة من اختلط مالُه الحلال بمال حرام، وتعذر عليه تمييزه، فعليه أن يُقدِّر الحرَام ويتصدَّق به، ويطهِّر بقية ماله، والله أعلم[8].

 

ج- إذا تاب العبد من الذنب هل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التي حطَّه عنها الذنب أو لا يرجِع إليها؟

قالت طائفةٌ: يرجِعُ إلى درجتِه؛ لأنّ التوبة تجبُّ الذنب بالكليّة وتصيِّره كأنْ لم يكن.

 

وقالتْ أخرى: لا يعود إلى درجتِه وحاله؛ لأنَّه لم يكن في وقوفٍ وإنما كان في صعود؛ فبالذنب صار في هبوطٍ، فإذا تاب نقَص منه ذلك القدْرُ الذي كان مستعِدًّا به للترقِّي.

 

قال شيخُ الإسلام:

والصحيحُ أن من التائبين من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرًا مما كان قبل الذنب، وكان داودُ بعد التوبةِ خيرًا منه قبل الخطيئة[9].

 

د- التوبة النصوح:

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار ﴾ [التحريم: 8] الآية، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله تعالى يبْسُط يدَه بالليل ليتوبَ مسيءُ النهار، ويبسط يده بالنَّهار ليتوب مُسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها"[10]، وعن أبي هريْرةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من تابَ قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه"[11]، وعن أبي عبدِ الرحمن عبدِ الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله - عز وجل - يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ"[12] والغرغرة هي بلوغ الروح الحُلْقوم.

 

والنُّصْحُ في التوبَة هو تخليصها من كل غشٍّ ونقصٍ وفساد، قال الحسنُ البصري: هي أن يكون العبد نادمًا على ما مضى مجمِعًا على ألا يعود فيه، وقال الكلْبي: أن يستغفرَ باللسان ويندم بالقلب ويمسِك بالبدن، وقال سعيد بن المسيّب: ﴿ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾ تنصحون بها أنفسَكم.

 

وقال ابنُ القيِّم:

النصح للتوبة يتضمَّن ثلاثةَ أشياء.. الأوّل: تعميم جميعِ الذنوب واستغراقُها؛ بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناوَلته، الثاني: إجماعُ العزْم والصدق بكليَّته عليها؛ بحيث لا يبقى عنده تردُّدٌ ولا تلوُّمٌ ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرًا بها، الثالث: تخليصُها من الشوائب والعلل القادِحة في إخلاصِها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كَمَن يتوب لحفظِ حاجته وحُرمته ومنصبِه ورياسته ولحفظ قوَّتِه وماله، أو استدعاء حمْد الناس أو الهروب من ذمِّهم، أو لئلاَّ يتسلَّط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسه وعجزِه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله - عز وجل -. فالأوّل يتعلق بما يتوب منه، والثاني يتعلق بذات التائب، والثالث يتعلق بمن يتوب إليه، فنُصْح التوبة الصدق فيها والإخلاص وتعميم الذنوب، ولا ريْبَ أن هذه التوبة تستلزم الاستغفارَ وتتضمَّنُه وتمحو جميعَ الذنوب، وهي أكملُ ما يكونُ من التوبة.

 

وتوبة العبدِ إلى الله محفوفةٌ بتوبةٍ من الله عليه قبلها وتوبةٍ منه بعدَها، فتوبتُه بين توبتين من ربِّه سابقةٍ ولاحقة؛ فإنه تاب عليه أوَّلاً إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا فتاب العبد، فتاب الله عليه ثانيًا قبولاً وإثابةً، وذلك لقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118] فأخبر سبحانَه أن توبتَه عليهم سبقت توبتَهم وأنها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببًا مقتضِيًا لتوبتهم، وهذا القدْرُ من سرِّ اسميه "الأوَّل" و"الآخِر" فهو المعدُّ والممدُّ، ومنه السببُ والمسبَّب، والعبد توَّابٌ والربُّ توّاب؛ فتوبة العبد رجوعُه إلى سيِّده بعد الإباق، وتوبةُ الرب نوعان: إذْنٌ وتوفِيقٌ، وقبولٌ وإثابَةٌ، والتوبة لها مبدأٌ ومنتهىً؛ فمبدؤها الرجوعُ إلى الله بسلوك الصراط المستقيم الذي أمَر بسلوكه بقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153]، ونهايتها الرجوعُ إليه في المعاد وسلوك صراطِه الذي نصبَه موصِّلاً إلى جنَّته؛ فمن رجَع إلى الله في هذه الدار بالتوبَة رجع إليه في المعاد بالثوابِ، قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَاباً ﴾ [الفرقان: 71][13].

 

ه‍- اتِّهامُ التوبة:

من اتهام التوبة ضعفُ العزيمة، والتفاتُ القلب إلى الذنب الفيْنة بعد الفيْنةِ، وتذكُّر حلاوة مواقعته. ومنها طمأنينَتُه ووثوقُه من نفسه بأنه قد تابَ حتى كأنَّه قد أعطي منشورًا بالأمان، فهذا من علامات التُّهمة. ومنها جمودُ العين واستمرارُ الغفلة، وألاَّ يستحدثَ أعمالا صالحةً لم تكن له قبل الخطيئة[14].

 

و- علامات صحَّة التوبة:

منها أن يكونَ العبدُ بعد التوبة خيْرًا مما كان قبلها. ومِنها ألا يزالَ الخوفُ مصاحبًا له لا يأمَن مكرَ الله طرفْةَ عيْن، فخوفُه مستمِرٌّ إلى أن يسمع قولَ الرسل لقبْض رُوحِه: ﴿ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30] فهناك يزول خوفُه. ومنها انخلاعُ قلبه وتقطُّعُه ندَمًا وخوْفا، وهذا على قدر عِظَم الجناية وصغرها، وهذا تأويلُ ابنِ عُيَيْنَةَ لقوله تعالى: ﴿ لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ [التوبة: 110]، قال: تقطُّعُها بالتوبة. ومنها كسرَةٌ خاصَّة تحصل للقلب لا يشابهُها شيءٌ ولا تكون لغير المذنب، لا تحصل بجوعٍ ولا رياضةٍ ولا حبٍّ مجرد، وإنما هي أمْرٌ وراءَ هذا كلِّه، تكسِر القلبَ بين يدَيْ الربِّ كسرة عامَّة قد أحاطت به من جميع جِِهاته، فألقتْه بين يدَيْ ربِّه طريحًا ذليلاً خاشعًا[15].

 

أولاً: التوبةُ من النكاح المحرم:

قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222].

 

وقد استفضْنَا بعضَ الشيءِ في الحديث عن هذه الآية في [التَّطَهُّر] وبقي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾.. قال السعْدي: أي مِن ذنوبهم على الدوَام[16]. وقال القرطبي: قيل التوَّابُون من الذنوب والشِّرْك، قاله عطاءٌ وغيره.. فإن قيل: كيف قدَّم بالذكر الذي أذنب على من لم يُذنِب ﴿ التَّوَّابِينَ ﴾ على ﴿ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾، قيل: قدّم لئلا يقنط التائبُ من الرحمة ولا يعجَب المتطهر بنفسِه، كما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ﴾ [فاطر: 32][17].

 

والتائبُ ليس بالضرورةِ مذنبًا، وإنما على كل إنسانٍ أن يتوبَ سواءً أذنب أو لم يُذنب؛ لأنَّ هذا غايةٌ من خلقِه، وقد قال الله سبحانه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد: 55]، وهو معصومٌ ومغفورٌ له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر. ورُوِي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتوب في اليوم مائة مرة[18].

 

وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى-: فقوله ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ ﴾.. قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وغير واحد: يعني الفرج. وفيه دلالة حينئذٍ على تحريم الوطء في الدُّبر... وقال أبو رَزين وعِكْرمة والضَّحَّاك وغير واحد: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللهُ ﴾ يعني: طاهراتٍ غيرَ حُيَّض؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾ [البقرة: 222]؛ أي: من الذنب وإن تكرَّر غشْيانه، ﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾؛ أي: المتنزِّهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نُهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى[19].

 

 

ثانيًا: البُكاءُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تعالى:

فعن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين؛ قطرة من دموع في خشية الله"[20].

 

قال المناوي: "ليس شيء أحب إلى الله تعالى من قطرتين وأثرين: قطرة دموع"؛ أي قطراتها، فلما أضيفت إلى الجمع أفردت ثقة بذهن السامع نحو كلوا في بطنكم، "من خشية الله"؛ أي من شدة خوف عقابه أو عتابه[21].

 

خلاصة هذا السبب:

على الرغم من أن التوبة من جميع الذنوب واجبةٌ، وأنّ الذنوب التي يقع فيها العباد جدّ كثيرة؛ إلا أنَّ محبة الله للتائبين جاءت في القرآن حول التوبة من النكاح المحرَّم مصاحبةً للتطهر منه، وكما قُلنا في التطهر أنه واجبٌ من كل حدَثٍ وخبث ظاهرٍ وباطن، فكذلك التوبة يجب أن تكون من كل ذنبٍ قلبيِّ أو من فعل الجوارح، وأما الأنكحةُ المحرَّمة فكثيرةٌ؛ منها: الزنا واللواط والوطء في الحيض والنفاس والوطء في الدبر ووطء الدابّة... وغير ذلك.

 

وأن البكاء من خشية الله تعالى حتى تذرف الدموع من خشيته والخوف منه سبحانه وعدم أمن مكر خير الماكرين هي أحب شيءٍ إلى الله تعالى، وذلك لأن هذا بابٌ عظيم إلى فعل المأمورات واجتناب المناهي، وهو ما يحبه الله تعالى ويرضاه، والله تعالى أعلم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] [إسناده ليِّن لكن معناه صحيح] أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع [ح2499]، وابن ماجه في الزهد [ح4251]، والدارمي [5/301]، وأحمد [3/198]، والحاكم [4/272] من حديث علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". قال المناوي -في "فيض القدير" [5/17]-: "قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة. اه‍. قال الحاكم: صحيح، وقال الذهبي: بل فيه لِين، وقال في موضع آخر: فيه ضعف، وقال الزين العراقي: فيه علي بن مسعدة ضعفه البخاري. اه‍. وقال جدي في "أماليه": حديث فيه ضعف. اه‍. لكن انتصر ابن القطان لتصحيح الحاكم، وقال: ابن مسعدة صالح الحديث، وغرابته إنما هي فيما انفرد به عن قتادة".

[قلت]: الحديث معناه صحيح لموافقته للقرآن والسنة الصحيحة.

[2] [صحيح] أخرجه الحاكم في "المستدرك" [4/274 ح7622] عن عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجًا حدثه عن ابن حجير عن أبي هريرة، مرفوعًا به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وشاهده حديث عبد الله بن عمرو".

[قلت]: والحديث بنحوه أخرجه مسلم في التوبة [ح2749] من طريق آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم".

[3] [صحيح] أخرجه أحمد [ح17830] عن أبي بردة عن رجل من المهاجرين بهذا اللفظ، ومسلم في الذكر والدعاء [ح2702] عن الأغر - رضى الله عنه - مرفوعًا بلفظ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة".

[4] انظر: "البحر الرائق" [ص155].

[5] أخرجه البخاري في الرقاق [ح6534]، وأحمد [2/506] عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه".

[6] انظر: "البحر الرائق" [ص156].

[7] [جيد] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه [10/139]، والطبراني في "الكبير" [9/346 ح9721] من طريق عبد الرزاق عن الثوري وإسرائيل عن عامر بن شقيق عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: فذكره.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [4/168]: "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه عامر بن شقيق وثقه ابن حبان وغيره وضعفه النسائي وغيره". قال الحافظ في "فتح الباري" [ج9 ص430]: "وأخرجه أيضا سعيد بن منصور عنه بسند له جيد؛ أن ابن مسعود اشترى جارية بسبعمائة درهم فإما غاب صاحبها وإما تركها فناشده حولا فلم يجده، فخرج بها إلى مساكين عند سدة بابه، فجعل يقبض ويعطي ويقول: اللهم عن صاحبها فإن أتى فمني وعليّ الغرم".

[8] انظر: "البحر الرائق" [ص156-157].

[9] انظر: المصدر نفسه [ص157-158].

[10] أخرجه مسلم في التوبة [ح2759].

[11] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء [ح2703].

[12] [صحيح] أخرجه الترمذي في فضل التوبة والاستغفار [ح3537]، وابن ماجه [ح4253]، وأحمد [2/132 و153]، وابن حبان في صحيحه [2/394] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال الترمذي: "حديث حسن غريب".

[13] انظر: "البحر الرائق" [ص159-161].

[14] انظر: المصدر السابق [ص161].

[15] انظر: المصدر السابق [ص161-162] مختصرا.

[16] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" [ص92].

[17] انظر: "تفسير القرطبي" [ج3 ص491].

[18] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء [ح2702] من حديث الأغر - رضى الله عنه - بلفظ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة".

[19] انظر: "عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير" [ج1 ص268].

[20] [حسن] سبق تخريجه.

[21] انظر: "فيض القدير" [ج5 ص365].