عموم الصبر[1]:

إن الله جعل الصبر جوَادًا لا يكبُو، وصارمًا لا ينبو، وجندًا غالبا لا يُهزَمُ، وحصْنًا حصينًا لا يُهدَم، فهو والنصر أخوَانِ شقيقان، وقد مدَح الله - عز وجل - في كتابِه الصابرين، وأخبر أنه يوفِّيهم أجرَهم بغير حساب، فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، وأخبَر أنَّه معهم بهدايتِه ونصرِه العزيزِ وفتحه المبين، فقال تعالى: ﴿ واصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46]، فظفر الصابِرون بهذه المعيّة بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة، وجعل سبحانه الإمامة في الدّين منُوطَةً بالصبر واليقين، فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].

 

وأخبر تعالى أن الصبْر خيرٌ لأهله، مؤكِّدا باليمين، فقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]، وعلَّق الفلاح بالصبر والتقوى فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]، وأخبَر عن محبَّته لأهلِه، وفي ذلك أعظَم ترغيبٍ للراغبين، فقال تعالى: ﴿ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]، وبشَّر الصابرين بثلاثٍ كلٍّ منها خيْرٌ مما عليه أهل الدنيا يتَحاسَدون فقال تعالى: ﴿ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155-157]، وجعَل الفوزَ بالجنّة والنجاةَ من النار لا يحظى به إلا الصابرون، فقال - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ ﴾ [المؤمنون: 111]، وخصَّ في الانتفاع بآياتِه أهلَ الصبر وأهلَ الشكر تمييزا لهم بهذا الحظِّ الموفور، فقال في أربع آياتٍ من كتابه: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [الشورى:33، سبأ: 19، إبراهيم: 5، لقمان: 31].

 

والصبر آخِيَة المؤمن التي يجُول ثم يرجِعُ إليها، وساقُ إيمانِه التي لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمانَ لمن لا صبْرَ له، وإن كان فإيمانٌ قليل في غاية الضعْف وصاحبُه ممن يعبُد الله على حرف؛ ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ﴾ [الحج: 11]، ولم يحظَ منهما إلا بالصفقة الخاسرة، فخيْر عيشٍ أدركه السعداء بصبرهم، وترَقَّوْا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جَناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.

 

أ- معنى الصبر وحقيقتُه[2]:

الصبْر - لغةً - هو: المنعُ والحبس. و - شرعًا - هو: حبس النفس عن الجزَعِ، واللسان عن التشكِّي، والجوارح عن لطْم الخدود وشقِّ الجيوب ونحو ذلك.

 

وقيل: هو خُلُق فاضلٌ من أخلاق النفس يُمتنع به من فعل ما لا يحسُن ولا يجمُل، وهو قوّةٌ من قوى النفس التي بها صلاحُ شأنها وقوام أمرِها. وقال بعضُهم: هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرُّع غصص البليِّة، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة. وقال آخر: هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقال آخر: هو الغنى في البلوى بلا ظهورِ شكوى. وقال آخر: تجرُّع المرارة من غير تعبُّس.

 

والشكوى إلى الخلْق تُنافي الصبر وتضادُّه، وقد سمِع أحدُ الصالحين رجلاً يشتكي إلى أخيه فقال له: يا هذا واللهِ ما زدت على أن شكوْتَ من يرحمُك إلى من لا يرحمك، وفي ذلك قيل:

وإذا شكوتَ إلى ابنِ آدم إنما

تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يَرحَمُ

 

أما الشكوى إلى الله - عز وجل - فلا تنافِي الصبر لقول يعقوب - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ ﴾ [يوسف: 86] مع قوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 83]، وكذلك قول أيوب - عز وجل -: ﴿ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83]، وقال اللهُ - عز وجل -: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 44].

 

وساحةُ العافية أوسع للعبد من ساحةِ الصبر، ولا ينافي هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وما أُعطي أحدٌ عطاء أوسع من الصبر"[3]؛ فإن هذا بعد نزول البلاء، أما قبل نزولِه فميدان العافية أوسع الميادين، ولا ينبغي لأحدٍ أن يتمنى البلاء ويطلبه من الله - عز وجل - بل يطلُب العفو والعافية في الدنيا والآخرة، أما بعد حلول البلاء فساحةُ الصبر أوسع الساحات.

 

والنفسُ مطيّة العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنـزلة الخطام والزِّمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطامٌ ولا زمام شرَدت في كلّ مذهب.. قال بعضهم: "اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوءٍ، فرحِم الله امرأً جعل لنفسه خطامًا وزماما، فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإنّ الصبر عن محارم الله أيسرُ من الصبر على عذابه".

 

والنفس لها قُوَّتان: قوة إقدامٍ وقوة إحجام، فحقيقةُ الصبر أن يجعل قوّة الإقدام مصروفةً إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكًا عمّا يضرُّه، ومن الناس من يصبر على قيام اللّيل ومشقة الصيام ولا يصبر على نظرةٍ محرَّمة، ومنهم من يصبر على النظر والالتفات إلى الصُّوَر ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد.

 

وقيل الصبر شجاعةُ النفس، ومن هنا أخذ القائل قوله: الشجاعة صبرُ ساعة. والصبر والجزَع ضِدَّان كما أخبر تعالى عن أهل النار: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [إبراهيم: 21].

 

ب- فضل الصبر[4]:

عن أبي سعيدٍ الخدريِّ - رضى الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يتصبَّر يصبِّرْه الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر"[5]. وعن أبي هريرةَ - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يُرِد الله به خيرًا يُصِبْ منه"[6]؛ أي يصيبه ببلاء. وعن عطاءِ بن أبي رباحٍ قال: قال لي ابنُ عباس: ألا أُرِيك امرأةً من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأةُ السوداء أتت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني أُصْرَع وإني أتَكَشَّف فادْعُ اللهَ لي قال: "إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافِيَكِ". فقالت: أصبِر. فقالت: إني أتكشَّفُ فادعُ الله لي أن لا أتكشَّف فدعا لها[7]. وعن أبي موسى - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مرِض العبد أو سافر كُتِب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا"[8]. وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: سمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من مسلمٍ تصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمره الله ﴿ إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 155] اللهم أجُرْني في مصبيتي واخلُف لي خيرًا منها إلا أخلَف اللهُ خيرًا منها"، فلما مات أبو سلمة قلتُ: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة أوّل بيتٍ هاجر إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم إنِّى قلتُها فأخلفَ اللهُ لي رسولَه - صلى الله عليه وسلم -[9]. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مصيبةٍ تصيب المؤمن إلا كفَّر اللهُ بها عنْه حتى الشَّوْكة يشاكها"[10].

 

ومن الآثار في فضله:

قال سفيان بنُ عيينة في قوله تعالى ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوسا. وقال عمرُ بنُ عبد العزيز: ما أنعم اللهُ على عبدٍ نعمةً فانتزعها منه فعاضَه مكانها الصبرَ إلا كان ما عوَّضه خيرًا مما انتزعه.

 

ج- أقسامُ الصبر[11]:

1- ينقسم الصبرُ باعتبار متعلّقِه إلى ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤدِّيَها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقعَ فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخَّطَها، وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قيل فيها: "لابدَّ للعبد من أمرٍ يفعله، ونهيٍ يجتنبه، وقدَرٍ يصبر عليه".

 

2- وينقسمُ باعتبار الأحكام الخمسة إلى واجبٍ ومندوبٍ ومحظورٍ ومكروهٍ ومباحٍ.. فالواجب: الصبرُ على المحرمات، والصبر على أداء الواجبات، والصبر على المصائب. والمندوب: الصبرُ على المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله. والمحظورُ: الصبر على الطعام والشراب حتى يموت، والصبر عن الميْتة والدم ولحم الخنـزير عند الاضطرار إذا خاف بتركه الموتَ، ومن الصبر المحظور صبرُ الإنسان على ما يقصِد هلاكه من سبعٍ أو حيَّة أو حريق أو كافرٍ يريدُ قتله، خلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين؛ فإنه مباحٌ له بل يُستحبُّ كما دلَّت عليه النصوص الكثيرة. والمكروه: صبرُه على المكروه وصبره عن فعل المستحبّ، وكذلك الصبر على الطعام والشراب واللبس وجِماع أهلِه حتى يتضرَّرَ بذلك بدنُه. والمباحُ: هو الصبر عن كل فعلٍ مستوي الطرفين خُيِّر بين فعله وتركه والصبر عليه.

 

د- هل يُستغنى عن الصبر في حالٍ من الأحوال[12]؟

العبدُ بين أمرٍ يجبُ عليه امتثالُه وتنفيذُه، ونهيٍ يجبُ عليه اجتنابُه وتركُه، وقدرٍ يجري عليه اتفاقًا، فالصبرُ لازِمٌ إلى الممات، وكلّ ما يلقى العبدُ في هذه الدار لا يخلو من نوعين: أحدهما يوافق هواه ومرادَه، والآخر يخالفُه، وهو محتاجٌ إلى الصبر في كلٍّ منهما.

 

أما النوع الموافق لغرضه فكالصحة والسلامة والجاه والمال وأنواع الملاذِّ المباحة، وهو أحوجُ شيءٍ إلى الصبر فيها من وجوهٍ:

أحدها: أن لا يركَن إليها ولا يغترّ بها، ولا تحملَه على البطر والأشر والفرح المذموم الذي لا يحبُّ اللهُ أهله.

الثاني: أن لا ينهمكَ في نَيْلِها ويبالغ في استقصائها؛ فإنها تنقلب إلى أضدادها، فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضدِّه وحُرِمَ الأكل والشرب والجماع.

الثالث: أن يصبِر على أداء حقِّ الله فيها ولا يضيِّعه فيسلبها.

الرابع: أن يصبر عن صرفها في الحرام.

 

قال بعض السلف: البلاءُ يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصدِّيقون.

 

وقال عبد الرحمن بن عوف - رضى الله عنه -: ابتُلِينا بالضرّاء فصبَرْنا وابتلينا بالسرّاء فلم نصبر؛ ولذلك حذَّر اللهُ عبادَه من فتنة المال والأزواج والأولاد فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ [التغابن: 14].

 

عن ابن عباسٍ، وسأله رجلٌ عن هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾، قال: هؤلاء رجالٌ أسلَموا من أهل مكة فأرادوا أن يأتُوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدَعُوهم يأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما أتَوْا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ورأوا الناس قد فقهوا في الدين همُّوا أن يعاقِبوهم، فأنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ [التغابن: 14][13]. وما أكثر ما فاتَ العبدَ من الكمال والفلاح بسبب زوجتِه وولده.

 

وأما النوع الثاني المخالِفُ للهوى فلا يخلُو إمّا أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي، أو لا يرتبط باختياره كالمصائب، أو يرتبط أوّلُه باختياره، ولكن لا اختيار له في إزالته بعد الدخول فيه؛ فها هنا ثلاثة أقسام:

القسم الأوَّل: ما يرتبط باختياره: وهو جميع أفعاله التي توصَف بكونها طاعةً أو معصية؛ فأما الطاعة فالعبد محتاجٌ إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها تنفِر عن كثيرٍ من العبوديّة. أما في الصلاة فلِما في طبعها من الكسل وإيثار الراحة لاسيما إذا اتفَق مع ذلك قسوةُ القلب وريْن الذنب والميْل إلى الشهوات ومخالطة أهل الغفلة، فلا يكاد العبدُ مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها، وإن فعلَها مع ذلك كان متكلِّفًا غائب القلب ذاهلاً عنها طالبًا لفراقها.

 

وأمّا الزكاة فلِما في طبع النفس من الشحِّ والبخل، وكذلك الحجّ والجهاد للأمرين جميعًا، ويحتاج العبد هاهنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال:

أحَدها: قبل الشروع فيها بتصحيح النية والإخلاص وتجنب دواعي الرياء والسمعة.

 

الحال الثانية: الصبر حالَ العمل فيلازم العبد الصبر عن دواعي التقصير فيه والتفريط، ويلازم الصبر على استِصحاب النية وعلى حضور القلب بين يدَي المعبود، وأن لا ينساه في أمرِه، فليسَ الشأنُ في فعل المأمور، بل الشأن كلُّ الشأن أن لا ينسى الآمِر حال الإتيان بأمره، بل يكون مستصحبًا لذكرِه في أمره.

 

الحال الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل وذلك من وجوه:

أحدها: أن يصبِر نفسَه عن الإتيان بما يبطل عمله.. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى ﴾ [البقرة: 264].

 

الثاني: أن يصبِر عن رؤيتها والعُجْب بها والتكبّر والتعظّم بها، فإن هذا أضرُّ عليه من كثيرٍ من المعاصي الظاهرة.

 

الثالث: أن يصبِر عن نقلها من ديوان السرِّ إلى ديوان العلانية، فإن العبدَ يعمل العمل سرًّا بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر، فإن تحدَّث به نُقِل إلى ديوان العلانية، فلا يظن أن بساط الصبر قد انطوى بالفراغ من العمل.

 

وأما الصبر عن المعاصي فأمرُه ظاهرٌ، وأعظمُ ما يعين عليه قطع المألوفات ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة، وقطع العوائد؛ فإن العادة طبيعةٌ خاصّة فإذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان، فلا يقوى باعثُ الدِّين على قهرهما في الغالب.

 

القسم الثاني: ما لا يدخُل تحت الاختيار وليس للعبد حيلةٌ في دفعِه: كالمصائب التي لا صُنع للعبد فيها كموتِ من يعزُّ عليه وسرقةِ مالِه ومرضِه ونحو ذلك، وهذا نوعان.. أحدهما: ما لا صنع للعبد الآدميِّ فيه، والثاني: ما أصابَه من جهة آدميٍّ كالسب والضرب وغيرهما.

 

فالنوع الأول للعبد فيه أربعة مقامات:

أحدها: مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط، وهذا ما يفعله إلا أقل الناس عقلاً ودِينًا.

المقام الثاني: مقام الصبر.

المقام الثالث: مقام الرضا، وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاعٌ، والصبر متَّفقٌ على وجوبه.

المقام الرابع: مقامُ الشكر، وهو أن يشهد البليّة نعمةً فيشكر المبتلي عليها.

 

الثاني: وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف إليها أربعة أخر:

مقام العفو والصفح.

والثاني: مقام سلامة القلب من إرادة التشفّي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها.

والثالث: مقام شهود القدَر، وأنه وإن كان ظالمًا بإيصال هذا الأذى إليك فالذي قدَّره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس ظالما.

والمقام الرابع: مقام الإحسان إلى المسِيء ومقابلة إساءته بإحسانك، وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمُه إلا اللهُ، فإن فات العبد هذا المقام العالي فلا يرضى لنفسه بأخسِّ المقامات وأسفلها.

 

القسم الثالث: ما يكون ورودُه باختيارِه؛ فإذا تمكّن منه لم يكن له اختيارٌ ولا حيلة في دفعه، وهذا كالعِشْق أوَّله اختيار وآخره اضطرار، وكالتعرُّض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلةَ في دفعها بعد مباشرة أسبابها، كما لا حيلة في دفع السُّكْر بعد تناول السكر.

 

وقد وردت محبة الله تعالى للصابرين في القرآن الكريم في آيةٍ واحدةٍ، ووردت في حديثين اثنين، وورود الحكم في كتاب الله أو سنة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - الصحيحةِ ولو مرّة كافٍ للإيمان به والتسليم فيه، ولا يقلِّل من شأنه ويحقِّر منه.

 

أولاً: الصبر في القتال:

1- قال الله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146].

 

وقد تحدَّثنا عن هذه الآية سابقًا، وشرحنا معاني (ربيّون، ووهنوا، واستكانوا، وضعفوا)؛ فارجع إليه في (الإحسان) عند الحديث عن الآية [148] من سورة آل عمران. وقد اعتبرنا هناك أن الصبرَ أحد علائم الإحسان، وقيل إنه شطر الإيمان، وهو أحد الخيْرين في حال المؤمن. والصبر والصوم - وهو صبر أيضًا - أجرُهما عند الله تعالى بغير حساب، وأخفاه الله تعالى وهو الكريم الذي يظنُّ به سبحانه التوسعة على عباده والإجزال لهم.

 

وقال القرطبي - في معنى (الصَّابِرِينَ) في هذه الآية -: يعني الصابرين على الجهاد[14]، وقال صاحب "صفوة التفاسير" -: أي يحبُّ الصابرين (على) مقاساةِ الشدائد والأهوال في سبيل الله[15].

 

2- وفي حديثِ مطرَّفٍ عن أبي ذرٍّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة"، وذكر من الثلاثة الذين يحبُّهم الله تعالى "رجلاً غزا في سبيل الله صابرًا محتسبًا مجاهدًا فلقِي العدوَّ فقاتل حتى قُتِل"، قال أبو ذرٍّ: وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل ثم قرأ هذه الآية ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾[16].

 

والصبر مطلوبٌ ومثابٌ عليه على كل مكروهٍ من ترك المعاصي إلى فعل الفرائض والمأمورات إلى مقاساة الابتلاءات والصبر عليها، وكلّها بإذن الله تُقرِّب من محبَّة الله وتحصِّلها، والله أعلى وأعلم.

 

ثانيًا: الصبر على إيذاء الجيران:

ففي حديث مطرّف السابق عن أبي ذرٍّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله يحبّ ثلاثةً ويبغض ثلاثة"، وذكر من الثلاثة الذين يحبُّهم اللهُ تعالى "رجلاً له جار سوء يؤذيه فيصبِر على إيذائه حتى يكفِيَه الله إيَّاه إما بحياةٍ أو موت"[17].

 

وهذا من القسم الثالث من أقسام الصبر؛ أي الصبر على الابتلاء، ولا شكّ أن خصوص الجبران في الحديث لما لهم على المسلم من حقوق الجيرة المعلومة، ولما فيه من ملازمتِهم الكثيرة للمسلم؛ إذ هم مقيمون معه، فالإسلام لم يكتَفِ بالحضِّ على الإحسان إليهم، بل ندَب إلى الصبر على أذاهم، ولا شكّ أن في هذا خيرًا للدعوة الإسلامية لعلها تنتشر، وتربيّة للمسلم لعل نفسَه تزكو، وأخذًا بيد المسيء لعلَّه يرتدِع عن الذنوب أو يُسلِم إن كان غير مسلم، وقد طبَّق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديثَ على نفسِه، فصبَر على أذى اليهوديِّ الذي كان يضع القاذورات أمام بابِه حتى إذا ما مرِض هذا عادَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأسلم فكان خيرًا للدعوة ولرسول الله وللجار.

 

خلاصة هذا السبب:

جاء الصبر الذي يحبُّ الله فاعليه في هذا السبب بمعنيين:

الأول: الصبرُ في قتال الكافرين؛ فإن هذا موطنُ فتنةٍ عظيمة من صبر فيها نال إحدى الحسنيين: النصرَ أو الشهادة.

 

والثاني: الصبرُ على الجيران فإنهم قد يؤذونك؛ ولما كان الجيران أقربَ الناس إليك وربما لحقَك منهم أذىً، وكانت حقوقُهم عليك عظيمةً، فقد جعل الله تعالى الصبرَ على أذاهم سببًا لمحبته سبحانه إيّاكَ رزقك اللهُ إيَّاها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: "البحر الرائق" [ص203-205].

[2] انظر: المصدر السابق [ص205-206].

[3] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الزكاة [ح1469]، ومسلم [1053] من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[4] انظر: "البحر الرائق" [ص206-208].

[5] [صحيح] سبق تخريجه في الحديث السابق.

[6] أخرجه البخاري في المرضى [ح5321]، ومالك في "الموطأ" [2/941] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[7] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في المرضى [ح5328]، ومسلم في البر والصلة [2576] من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري في الجهاد [ح2834]، وأبو داود في الجنائز [3075] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[9] [صحيح] أخرجه مالك في "الموطأ" [1/236]، ومسلم في الجنائز [ح918 و919]، وأبو داود في الجنائز [ح3309]، وابن ماجه في الجنائز [ح1598] من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

[10] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في المرضى [ح5317]، ومسلم في البر والصلة [ح2572] من عائشة رضي الله عنها.

[11] انظر: "البحر الرائق" [ص209].

[12] انظر: المصدر السابق [ص210-213].

[13] [حسن صحيح ] أخرجه الترمذي في التفسير [3317]، والطبري في "التفسير" [23/423] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم وعبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال الترمذي: "حسن صحيح".

• وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" [ج8 ص184] للفريابي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه.

[14] انظر: "تفسير القرطبي" [ج5 ص354].

[15] انظر: "صفوة التفاسير" [ج1 ص233].

[16] [صحيح] أخرجه أحمد [5/167]، والطيالسي [468]، والطحاوى في "المشكل" [4/24]، والبزار في "مسنده" [ج3/179]، والبهيقى [9/160]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [2/98 ح2446] وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". جميعًا من طريق: الأسود بن شيبان، قال: نا أبو العلاء، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبي ذر فذكر الحديث. قال البزار: "هذا الكلام قد روي بعضه عن أبي ذر من غير وجه، ولا نعلمه يروى عنه بهذا اللفظ، إلا من هذا الوجه، ولا يروي مطرف عن أبي ذر إلا هذا الحديث"، وانظر تخريجه في أول الكتاب.

[17] [صحيح] وهو جزء من الحديث السابق.