أنه يجبُ التوكل في كل أمرٍ يعتزمه الإنسان؛ فالله تعالى أمر بالتوكل عليه وحدَه، وذلك مع الأخذ بالأسباب؛ لأنه سبحانه بيّن أن التوكل يكون بحسب إيمان العبد، فأمر اللهُ تعالى بالأخذ بالسبب؛ لأن الكون بُني على السنن والنواميس، ولما كان الغالبُ على الناس الأخذُ بالسبب طلبًا للدنيا، فقد جعل التوكل ليميِّز من يعلم أن الله تعالى هو المسبب أم ما أخذ به من السبب، والله أعلم.

معنى التوكل[1]:

التوكل هو: صدقُ اعتمادِ القلب على الله - عز وجل - في استِجلاب المصالح ودفع المضارِّ في أمور الدنيا والآخرة، وقد جعل اللهُ - عز وجل - لكل عملٍ من أعمال البر ومقام من مقاماته جزاءً معلوما، وجعل نفسَه جزاء المتوكل عليه وكفايَتَه، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [الطلاق: 2]، وقال: ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ ﴾ [النساء: 69] الآية، ثم قال في التوكل: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 2]؛ فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعلْه لغيره، وهذا يدلُّ على أن التوكُّل من أقوى السُبُل عنده وأحبِّها إليه، وقال الله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر: 36]؛ فطالِبُ الكفاية من غيره هو التاركُ للتوكل.

 

وقال - عز وجل -: ﴿ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً ﴾ [الأحزاب: 3]، وإذا كان كفَى به وكيلاً فهذا مختصٌّ به سبحانَه ليس غيره من الموجودات كفى به وكيلاً، فإنَّه من يتخِذ من المخلوقين وكيلاً غايته أن يفعلَ بعض الأمور، وهو لا يفعلها إلا بإعانةِ اللهِ له وهو عاجِزٌ عن أكثر المطالب، فإذا كان سبحانَه وصف نفسَه بأنه كفى به وكيلا عُلِمَ أنه يفعل بالمتوكل عليه ما لا يحتاجُ معه إلى غيره في جلْب المنافع ودفع المضارِّ؛ إذ لو تبقَّى شرٌّ لم يكن كفَى به وكيلا، وهذا يقتضي بطلانَ ظنِّ أن المتوكل لا يحصُل له بتوكله عليه جلبُ منفعةٍ ولا دفعُ مضرةٍ، بل يجري كما لو لم يتوكلْ عليه.

 

وينبغي أن يُعلم أن التوكل من أعمال القلوب وليس من أعمال الجوارح، فليس هناك منافاةٌ بين التوكل والأخذِ بالأسباب، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أعظمُ المتوكِّلين على الله - عز وجل - فهذَا حالُه، والكسبُ سنتُه، فمن عمِل على حاله فلا يتركَنَّ سنتَه، وقيل: عدمُ الأخذ بالأسباب طعنٌ في التشريع، والاعتقادُ في الأسباب طعنٌ في التوحيد.

 

والذين يقولون بترك الأسباب جُمْلةً ادعوا لأنفسهم حالاً أكملَ من حالِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - إذ لم يكن فيهِم أحدٌ قطُّ يفعل ذلك، ولا أخلَّ بشيءٍ من الأسباب، وقد ظاهرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين يوم أُحُد، ولم يحضر الصفَّ قطُّ عريانًا كما يفعله من لا عِلم عنده ولا معرفة، واستأجر دليلاً مُشرِكا على دين قومِه يدلُّه على طريق الهجرة، وقد هدى الله به العالمين وعصمه من الناس أجمعين، وكان يدَّخِر لأهله قوتَ سنة وهو سيِّد المتوكلين، وكان إذا سافر في جهادٍ أو حجٍّ أو عُمرة حمل الزاد والمزاد، وجميعُ أصحابه وهم أهل التوكل حقًّا، وأكملُ المتوكلين بعدهم هو من اشتمّ رائحة توكلهم أو لحِق أثرًا من غُبارهم، فحالُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وحال أصحابه محكُّ الأحوال وميزانها، بها يُعلَم صحيحُها من سقيمها، فإن هِمَمَهم في التوكل أعلى من همم من بَعدَهم، فإنَّ توكلَهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يُعبد اللهُ في جميع البلاد، وأن يوحِّدَه كلُّ العباد، وأن تُشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فملئوا بذلك التوكل القلوبَ هدىً وإيمانا، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دارَ إيمان، وهبّت رياحُ روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينًا وإيمانا، فكانت همم الصحابة - رضي الله عنهم - أعلى وأجلَّ من أن يصرِف أحدُهم قوّة توكله واعتماده على الله في شيءٍ يحصل بأدنى حيلةٍ وسعي فيجعله نصبَ عينيه ويحمل عليه قوى توكله، فحقيقة التوكل اعتمادُ القلب على الله وحدَه، والثقة به وحده، والسكون إليه وحده، والطمأنينةُ به وحده؛ لعلمه أن حاجاته وفاقاتِه وضروراتِه وجميع مصالحه كلها بيده وحده لا بيد غيره، فأين يجد قلبُه مناصًا من التوكل بعد هذا؟!!

 

أقسام أعمال العباد بخصوص التوكل[2]:

القسم الأول: الطاعات التي أمر اللهُ بها عبادَه وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله - عز وجل - فيه والاستعانة به عليه، فإنَّه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن، فمن قصّر في شيء مما وجب عليه من ذلك استَحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعًا وقدَرًا. قال يوسف بن أسباط: يقال اعمَل عمَل رجلٍ لا ينجيه إلا عملُه، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كُتِب له.

 

القسم الثاني: ما أجرى الله به العادة في الدنيا وأمر عبادَه بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحرّ، والتدفُّؤ من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجبٌ على المرء تعاطي أسبابِه، ومن قصّر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرِّط يستحقُّ العقوبة.

 

القسم الثالث: ما أجرى الله العادةَ به في الدنيا في الأعمّ الأغلب، وقد يخرِق العادةَ في ذلك لمن شاء من عبادِه، وهي أنواعٌ كالأدوية مثلاً، وقد اختلف العلماء؛ هل الأفضلُ لمن أصابه المرض التداوي أم تركُه لمن حقَّق التوكلَ على الله؟ فيه قولان مشهوران، وظاهر كلام الإمام أحمد أن التوكُّل لمن قوِيَ عليه أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يدخل من أمتي الجنَّةَ سبعون ألفًا بغير حساب" ثم قال: "همُ الذين لا يتطيَّرون ولا يسترقُون ولا يكتوُون وعلى ربهم يتوكلون"[3]، ومن رجح التداوي قال: إنه حالُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يداوِم عليه وهو لا يفعل إلا الأفضل، وحمَل الحديث على الرُّقى المكروهة التي يخشى منها الشرك بدليل أنه قرنها بالكَيّ والطيرة وكلاهما مكروه.

 

قال مجاهد وعكرمة والنخْعيّ وغير واحدٍ من السلف: لا يرخص في ترك السبب بالكليّة إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكلية. وسئِل إسحق بن راهويه: هل للرجل أن يَدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: إن كان الرجل مثل عبد الله بن جبير فله أن يدخُل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن له أن يدخل[4].

 

وقد وردت محبَّة الله للمتوكلين في آيةٍ واحدة في كتاب الله...

• قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]:

وقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن غزوة أحد، وقبلها أخبر المولى - عز وجل - عمن تولَّوا وهم: من تولى عن المشركين يوم أحد في قول عمر وغيره، أو من هرَب إلى المدينة في وقت الهزيمة من دون من صعَد الجبل، قاله السدّي، أو قومٌ بأعيانهم تخلّفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت الهزيمة ثلاثة أيام ثم انصرفوا، قاله البعض.

 

وقد أخبر تعالى بأنهم استزلهم الشيطان، وأنه سبحانه غفر لهم إنه هو الغفور الرحيم. ثم نهى الله تعالى المسلمين عن أن يقولوا كما قال المشركون والمنافقون في الشهداء [لو كانوا عندنا - أي لم يخرجوا للغزو - ما ماتوا وما قتلوا]، وأنبأ تعالى بأن المسلمين لو قُتلوا أو ماتوا لمغفرته ورحمته خير مما يجمع هؤلاء المنافقون، وأنهم إن قتلوا أو ماتوا لإلى الله يحشرون. وبعد الآية التي عليها الحديث أخبر تعالى بأن المؤمنين هم المتوكِّلون على الله، وأمر المؤمنين بالتوكل عليه سبحانه فقال: ﴿ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]..

 

وقال السعدِي: وفي هذه الآية الأمرُ بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون التوكل[5].

 

وقال القرطبي:

التوكل الاعتماد على الله مع إظهار العجز، والاسم التُّكلان، يقال منه: اتكلت عليه في أمري، وأصله: "اوتكلت" قلتُ: قُلِبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، ثم أُبدِلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال، ويقال: وَكَّلْته بأمري توكيلا والاسم الوكالة -بكسر الواو وفتحها- واختلف العلماء في التوكل؛ فقالت طائفة من المتصوِّفة: لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبَه خوفُ غير الله من سَبُعٍ أو غيره، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى، وقال عامَّة الفقهاء: ما تقدم ذكره وهو الصحيح كما بيّناه، وقد خاف موسى وهارونُ بإخبار الله تعالى عنهما في قوله ﴿ لاَ تَخَافَا ﴾ [طه: 46]، وقال: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ ﴾ [طه: 67-68]، وأخبر عن إبراهيم بقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ [هود: 70]، فإذا كان الخليلُ والكليمُ قد خافا -وحسبُك بهما- فغيرُهما أولى. اه‍.

 

والخوف لا يُعارض التوكل، بل هو مقدمةٌ له وباعثٌ عليه أحيانًا، إذ كلُّ إنسانٍ يخاف؛ مما يجعله يلتجئ إلى من عنده الأمان من خوفِه؛ فإن كان مؤمنًا التجأ إلى الله وحدَه، وإن كان غير ذلك -نعوذُ بالله- التجأ إلى ما التجأ إليه. والخوفُ في ذلك كالفقر والمرض والجهل كلها أسبابٌ لذلك، فالعزيز من ذلّ نفسه لله وطلب منه؛ لأنه بذلك يكون عزيزًا على أمثاله من العباد، والذليل من لم يذكر الله ولم يلجأ إليه حينما يفتقر أو يمرض أو يخاف أو بجهل؛ فتراه يتذلل لهذا ولذاك.. يقول: لهذا أعطني ولهذا طببني ولهذا علمني ولهذا آوِني؛ فمنهم من يدفعه ويحتقره ومنهم من يفعل به الخير ويمنُّ عليه، وكلُّهم يعامله بترفُّعٍ وتعالٍ، إلا ما رحم ربي.

 

خلاصة هذا السبب:

أنه يجبُ التوكل في كل أمرٍ يعتزمه الإنسان؛ فالله تعالى أمر بالتوكل عليه وحدَه، وذلك مع الأخذ بالأسباب؛ لأنه سبحانه بيّن أن التوكل يكون بحسب إيمان العبد، فأمر اللهُ تعالى بالأخذ بالسبب؛ لأن الكون بُني على السنن والنواميس، ولما كان الغالبُ على الناس الأخذُ بالسبب طلبًا للدنيا، فقد جعل التوكل ليميِّز من يعلم أن الله تعالى هو المسبب أم ما أخذ به من السبب، والله أعلم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: "البحر الرائق" ص236 وما بعدها، وانظر كلاًّ من: "إحياء علوم الدين" للغزالي، و"جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي، و"رسالة التوكل" لابن تيمية.

[2] انظر: "البحر الرائق" ص238-239.

[3] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الطب ح5420، ومسلم في الإيمان ح218. [قلت]: ومعنى لا يتطيرون: لا يتشاءمون من الطِيَرة بمعنى التشاؤم، ولا يسترْقُون من الرُّقية، ولا يكتوون؛ أي لا يعالجون عللهم بالكيِّ.

[4] انظر: "البحر الرائق" ص236-239.

[5] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" ص135.