قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 54].

 

وفي هذا السبب مناسبةٌ للذي قبلَه أي التوكل، وللذي بعدي أي الجهاد؛ إذ ينبغي على المؤمنين بذلُ النُّصرة للخائف، والدواء للمريض، والعلم للجاهل، والمال للفقير.. خاصةً إذا كان هذا الفقير أو الجاهل أو المريض أو الخائف أخًا لهم مؤمنًا. وكما أن على المؤمن أن يفعل ذلك بالمؤمن فإنَّه محظورٌ على هذا المؤمن الخائف أو الجاهل أو المريض أو الفقير أن يطلبَ شيئًا يحتاجه من كافر؛ إلا إذا كان بأجْر أو علم أن هذا الكافر لا يُذِلُّه ولا يتعزّز عليه وفي ظروف الاستضعاف؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة بعد عودته من الطائف في جوار المطعم بن عدِيّ وهو كافر.. هذا مقتضى الآية ومقتضى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فارجع فلن أستعين بمشرك"[1]. وقبل أن نسرد تفسير الآية في هذا السبب لتحصيل محبَّة الله تعالى عبدَه يجدُر بنا أن نفهم معنى الذلة والعزة..

 

أ- معنى الذلّة:

قال الإمام القرطبي - في تفسيره ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ [البقرة: 61] -: الذلة الذل والصغار، وقيل: الذلة فرضُ الجزية عن الحسن وقتادة، وقال أبو عبيدة: الذلة الصّغار[2]. وقال -في تفسيره ﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 26] -: ذَلّ يذِلّ ذُلا إذا غَلب وعلا وقَهر، قال طرفة:

بطيءٍ عن الجُلَّى سريعٍ إلى الخنا

ذليلٍ بإجماع الرجال ملهدِ[3]

 

وقال في تفسيره ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ [آل عمران: 123]: معناها - أي معنى أذلة - قليلون؛ وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ أو أربعةَ عشر رجلاً، وكان عدوُّهم ما بين التسعمائة إلى الألف. وأذلة جمع ذليل واسم الذل هنا مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزّة[4]. وقال -في تفسير الذلة في قوله تعالى ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ [يونس: 27] -: أي يغشاهم هوانٌ وخزي[5]. وقال -في قوله تعالى ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24] -: هذا استعارةٌ في الشفقة والرحمة بهما، والتذلل لهما تذلُّلَ الرعيةِ للأمير والعبيد للسادة؛ كما أشار إليه سعيدُ بن المسيّب، فينبغي، بحكم هذه الآية، أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله وسكناته ونظَرِه، ولا يحدّ إليهما بصرَه؛ فإن تلك هي نظرة الغاضب[6]. وقال -في تفسيره ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ ﴾ [الإسراء: 111] -: قال مجاهِد المعنى لم يحالف أحدًا ولا ابتغى نصرَ أحد؛ أيْ لم يكن له ناصرٌ يجيره من الذل فيكون مدافعًا، وقال الكلبي: لم يكن له وليٌّ من اليهود والنصارى؛ لأنهم أذلة الناس لقولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ، وقال الحسن بن الفضل: يعني لم يذل فيحتاج إلى وليٍّ ولا ناصر لعزته وكبريائه[7].

 

وإذًا، بجَمْع ما ورد في تفسيرات الذُّلِّ والذِّلَّة ومشتقاتهما، فمعانيها هي: الصغار، وفرض الجزية، والغلب، والقهر، والقلة، والهوان، والخزي، والشفقة، والرحمة، واللين، والانقياد، والسهولة، والاستكانة، والاحتياج. وإذًا فالذلة جاءت في القرآن الكريم بمعنيين:

الأول: طيب؛ وهو ذلة المؤمن لأبويه وللمؤمنين، وقبل ذلك للهِ - عز وجل -، وتعني هذه الذلةُ المعانِيَ الطيِّبة للكلمة مثل: الشفقة والرحمة واللين والانقياد والسهولة والاستكانة والاحتياج؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: "لينوا في أيدي إخوانكم"[8]، وقال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]؛ فذلك فيه معنى الحاجة، ويستلزم الطاعة للأمراء، وكلُّ إنسانٍ لابد مأمورٌ فعليه الطاعة والتزام الجماعة.

 

النوع الثاني للذلّة: خُلُقٌ رَذْل قبيح لا يسوغ من المؤمن، وإنما هو صِفة في الكافرين، وخاصةً اليهود والمنافقين منهم، الذين نحن مأمورون بمخالفتهم؛ فلو لم يكن في الذلة شيءٌ من الشر إلا أنها خلق اليهود والمنافقين وصفتُهم وحالهم لكانت جريرةً يجب الإقلاعُ عنها؛ فكيف وهي تعني الصَّغَار والخزيَ والهوان والغلب مما لا يرضاه أحد لنفسه، خاصة ذو المروءة والنخوة؟

 

ب- معنى العِزّة في الآية:

قال القرطبي رحمه الله -في تفسيره ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ﴾ [البقرة: 206]:... والعزة القوة والغلبة، من عزَّه يعِزِّه إذا غلبه، ومنه ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾ [ص: 23]، وقيل: العزة هنا الحميّة، ومنه قول الشاعر:

أخذتْه عزَّةٌ من جهلِه

فتولَّى مُغضَبًا فِعْل الضَّجِر

 

وقيل: العزةُ هنا المنَعة وشدة النفس؛ أي اعتزّ في نفسه وانتحى فأوقعته العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إيَّاه، وقال قتادة: المعنى إذا قيل له مهلاً ازداد إقدامًا على المعصية، والمعنى حملته العزة على الإثم، وقيل: أخذَتْه العزَّة بما يؤثمه؛ أي ارتكب الكفر للعزة وحميّة الجاهلية، ونظيره ﴿ بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ [ص: 2][9].. قال القرطبي -في تفسيرها-: فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ عن قبول الحق وعداوَة لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، بل هم في تكبُّر عن قبول الحق[10]. وقال -في تفسير قوله تعالى ﴿ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ [آل عمران: 4] -: عَزِيزٌ؛ أي منيعٌ في مُلْكِه ولا يمتنع عليه ما يريده.

 

وإذًا فالعزة هي: الغلبة والقوة والمنعة والقدرة.. إلى آخر هذه المعاني، وكما أن الذِّلة منها ما هو محمودٌ ومنها ما هو مذموم؛ فكذلك العزَّةُ منها ما هو محمودٌ ومنها ما هو مذموم...

 

فالعزَّة المحمودة هي: العزة بالحق وفي الحقّ، والعزة بالله وبالإيمان والإسلام، والعزَّة بالنفس التي بمعنى الاعتزاز والاعتداد في مواجهة الكفار في الحرب والقتال، وإذا كانا في مقارنةٍ بين الإيمان والكفر، وغير هذا من أشكال ومظاهر العزة المحمودة.

 

أما العزة المذمومة فهي: العزة على المؤمنين؛ أي الاستعلاء والتمنُّع عليهم والاحتجاب عنهم والشموخ في وجوههم.. إلى غير ذلك من ألوان العزَّة الكريهة التي يُنظر لصاحبها بامتعاض، ويتساءل الناس فيما بينهم عن صاحبِها متعجبين: ما باله ولم يفعلُ ذلك؟!

 

الذلة على المؤمنين والعزَّة على الكافرين:

يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 54].

 

قال القرطبي -في تفسيرها-: ﴿ أَذِلَّةٍ ﴾ نعتٌ لقوم، وكذلك ﴿ أَعِزَّةٍ ﴾؛ أي يرأُفًون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلِينون لهم؛ من قولهم: دابّة ذَلُول أي تنقاد سهلة وليس من الذل في شيء، ويغلظون على الكافرين ويعادونهم، قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيّد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسَّبُع على فريسته؛ قال تعالى: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29]، ويجوزُ "أذلةً" بالنصب على الحال؛ أي يحبُّهم ويحبونه في هذا الحال[11].

 

وقال السعدي - في تفسيرها -: ومن صفاتهم أنهم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ فهم للمؤمنين أذلَّة من محبَّتِهم لهم ونصحهم لهم، ولِينهم ورفقهم، ورأفتهم ورحمتهم بهم، وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يُطلَب منهم. وعلى الكافرين بالله المعاندين لآياتِه المكذِّبين لرسله - أعزَّة، قد اجتمعت هِمَمُهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سببٍ يحصل به الانتصار عليهم.. قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال: 60]، وقال تعالى: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29]. فالغلظة الشديدة على أعداء الله مما يقرِّب العبدَ إلى الله، ويوافق العبدُ ربَّه في سخطِه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتَهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن واللِّين في دعوتهم، وكِلا الأمرين من مصلحتهم ونفعُه عائدٌ إليهم[12].

 

وإذًا فالرفق في معاملة المؤمنين والشدة في معاملة الكفار من أسباب محبة الله تعالى عبدَه، وهو من الإيمان؛ لأنَّ هذه الشدة في معاملة الكفار من باب البغض لهم في الله تعالى الذي هو أوثق عرى الإيمان، والرفق في معاملة المؤمنين هو لله أيضًا منبثق عن الحب فيه تعالى، وفي الحديث "أوثقُ عرى الإيمان الحبُّ في الله والبغضُ في الله"[13].

 

خلاصة هذا السبب:

أن الدين الإسلامي قد فصَل بين الناس فقسمهم قسمين؛ مؤمنًا على المحجّة وكافرا أقيمت عليه الحُجَّة، وأن على المسلم الحقِّ أن يفرَّق بينهما كما فرَّق اللهُ بينهما، فيذِلَّ للمؤمن، بمعنى يلين ويخفض جناحَه لا أن يعطي الدنيّة في نفسه، ويعزّ على الكافر ليعرِّفه حقيقة نفسه من دون أن يظلمَه أو يأخذ حقَّه.

 

كما أن هذه الآية تضمَّنت السبب التالي لتحصيل محبَّة الله تعالى عبدَه؛ ألا وهو الجهاد في سبيله سبحانه لا يخشى المجاهدُ لوْمةَ لائم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب/ كراهة الاستعانة في الغزو بكافر (ح1817) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[2] انظر: "تفسير القرطبي" (ج2 ص154).

[3] انظر: المصدر السابق (ج5 ص85).

[4] انظر: المصدر السابق (ج5 ص293).

[5] انظر: السابق (ج10 ص486).

[6] انظر: السابق (ج13 ص59-60).

[7] انظر: نفس المصدر (ج13 ص194).

[8] [رجاله موثقون] أخرجه أبو داود (ح666)، والنسائي (ح819)، وأحمد في "المسند" (2/97) من طريق أبي شجرة كثير بن مرة عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله".

- وذكر أبو داود الخلاف في وصله وإرساله، ثم قال: "ومعنى ولينوا بأيدي إخوانكم إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف".

- وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ورجال أحمد موثقون.

[9] انظر: "تفسير القرطبي" (ج3 ص387 وما بعدها) باختصار.

[10] انظر: السابق (ج18 ص125) بتصرف.

[11] انظر: نفس المصدر (ج8 ص53).

[12] راجع: "تيسير الكريم الرحمن" (ص214-215).

[13] أخرجه أبو داود (ح4599) حدثنا مسدد حدثنا خالد بن عبد الله حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن رجل عن أبي ذر مرفوعا. وفيه راو مجهول، وقال الحافظ في "الفتح" (1/47): "أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة ومن حديث أبي ذرّ ولفظه "أَفْضَل الأَعْمَال الحُبّ في الله والبغض في الله". ولفظ أبي أمامة "من أحبّ للهِ وأبغض للهِ وأعطى للهِ ومنع للهِ فقد استَكمل الإيمان". وللتِّرْمذيّ من حديث معاذ بن أنس نحو حديث أبي أمامة، وزاد أحمد فيه "وَنَصَحَ للهِ"، وزاد في أخرى "ويُعْمِل لسانه في ذكر الله"، وله عن عمرو بن الجموح بلفظ "لا يجِد العبد صريح الإيمان حتى يحبَّ لله ويبغض للهِ"، ولفظ البزَّار رفعه "أوْثق عُرَى الإيمان الحب في الله والبغض في الله". ا ه‍. فمعناه صحيح، وقد استدل بمعناه ولم يسنده الإمام البخاري في كتاب الإيمان، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "بني الإسلام على خمس".