محبّة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا فلا يحب استمرار الإقامة فيها؛ بل يستعد للارتحال عنها، والكراهة بضد ذلك. وقال النووي: معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تُعتَبر شرعًا هي التي تقع عند النـزع في الحالة التي لا تُقبَل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه.

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومن كرِه لقاء الله كره الله لقاءه"، قالت عائشةُ أو بعضُ أزواجه: إنا لنكرَهُ الموتَ، قال: "ليس ذاك؛ ولكنَّ المؤمنَ إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته فليس شيءٌ أحبّ إليه مما أمامه؛ فأحبّ لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه؛ فكره لقاءَ الله وكره الله لقاءه"[1].

 

قال الحافظ:

قال العلماءُ محبّة الله لعبده إرادته الخير له وهِدايته إليه وإنعامه عليه، وكراهته له على الضدِّ من ذلك[2]. قوله "من أحب لقاء اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءه" قال الكرماني: ليس الشرطُ سببًا للجزاء، بل الأمر بالعكس، ولكنَّه على تأويل الخبر؛ أي من أحب لقاء الله أخبره بأن الله أحبّ لقاءه، وكذا الكراهة. وقال غيره - فيما نقله ابن عبد البر وغيره -: "مَن" هنا خبرية وليست شرطية؛ فليس معناه أن سببَ حب الله لقاءَ العبدِ حب العبدِ لقاءَه، ولا الكراهة، ولكنه صفةُ حال الطائفتين في أنفسِهم عندَ ربهم، والتقدير من أحبَّ لقاءَ الله فهو الذي أحبَّ الله لقاءه، وكذا الكراهة. قلت -أي ابن حجر-: ولا حاجة إلى دعوى نفي الشرطية.. قال الله - عز وجل -: "إذا أحبَّ عبدي لقائي أحببت لقاءه" الحديث، فيتعيَّن أن "مَن" في حديث الباب شرطية، وتأويلُها ما سبق. وفي قوله "أحب الله لقاءه" العدول عن الضمير إلى الظاهر تفخيمًا وتعظيمًا ودفعًا لتوهُّم عود الضمير على الموصول؛ لئلا يتَّحد في الصورة المبتدأ والخبر، ففيه إصلاحُ اللفظ لتصحيح المعنى، وأيضًا فعَوْد الضمير على المضاف إليه قليل، ويحتمل أن يكون لقاء الله مضافًا للمفعول، فأقامه مقام الفاعل، ولقاءه إما مضاف للمفعول أو للفاعل الضمير أو للموصول؛ لأن الجواب إذا كان شرطًا فالأولى أن يكون فيه ضمير، نعم هو موجودٌ هنا، ولكن تقديرا.

 

قوله: "ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" قال المازري: من قضى الله بموتِه لابد أن يموت وإن كان كارهًا للقاء الله، ولو كره الله موته لما مات؛ فيحمل الحديث على كراهته - سبحانه وتعالى - الغفرانَ له، وإرادته لإبعاده من رحمته[3]. قلت: ولا اختصاص لهذا البحث بهذا الشِقّ؛ فإنَّه يأتي مثلُه في الشق الأول؛ كأن يقال مثلا: من قضى الله بامتداد حياته لا يموت، ولو كان محبًّا للموت.. إلخ.

 

قوله: "بشِّر برضوان الله وكرامته"، في رواية "برحمة الله ورضوانه وجنته"، وفي حديث "ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله وليس شيءٌ أحبّ إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه"[4]...

 

قوله: "فليس شيء أحب إليه مما أمامه" أي ما يستقبله بعد الموت. وعن شريح بن هانئ قال: سمعت أبا هريرة فذكر أصل الحديث، قال: فأتيت عائشة فقلت سمعت حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا فذكره، قال: وليس منا أحدٌ إلا وهو يكره الموت؛ فقالت: ليس بالذي تذهَب إليه؛ ولكن إذا شخَص البصر؛ أي فتح المحتضر عينيه إلى فوْقٍ فلم يطرف، وحشرج الصدر؛ أي ترددت الروح في الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت؛ أي تقبضت، وهذه الأمور هي حالَة المحتضر، وكأنّ عائشة أخذته من معنى الخبر. وفي حديث عائشة عند عبد بن حميد مرفوعًا "إذا أراد الله بعبد خيرًا قيّض له قبل موته بعامٍ ملَكًا يسدِّده ويوفِّقه حتى يقال مات بخير ما كان، فإذا حضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه، فذلك حين أحبَّ لقاء الله وأحبَّ اللهُ لقاءه، وإذا أراد الله بعبدٍ شرا قيّض له قبل موته بعام شيطانًا فأضلَّه وفتنه حتى يقال مات بشر ما كان عليه، فإذا حضر ورأى ما أعدَّ له من العذاب جزِعت نفسُه، فذلك حين كره لقاء الله وكره الله لقاءه".

 

قال الخطابي:

تضمّن حديث الباب من التفسير ما فيه غنيّة عن غيره، واللقاء يقعُ على أوجه؛ منها المعاينة ومنها البعث؛ كقوله تعالى ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الله ﴾ [الأنعام: 31]، ومنها الموت؛ كقوله ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ ﴾ [العنكبوت: 5]، وقوله ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ [الجمعة: 8]. وقال ابن الأثير - في "النهاية" -: المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عندَ الله، وليس الغرض به الموت؛ لأنَّ كلاًّ يكرهه، فمن ترك الدنيا وأبغضَها أحبّ لقاء الله، ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله؛ لأنه إنما يصِل إليه بالموت.

 

وقول عائشة: "والموت دون لقاء الله" يبيِّن أن الموت غير اللقاء؛ ولكنه معترض دون الغرض المطلوب فيجب أن يصبر عليه، ويحتمل مشاقَّه حتى يصل إلى الفوز باللقاء. قال الطيبي: يريد أن قول عائشة "إنا لنكره الموت" يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت، وليس كذلك لأن لقاء الله غير الموت، بدليل قوله - في الرواية الأخرى -: "والموت دون لقاء الله"؛ لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله، وقد سبق ابن الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام فقال: ليس وجهُه عندي كراهة الموت وشدّته؛ لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحَد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة، قال: ومما يبيِّن ذلك أن الله تعالى عاب قومًا بحب الحياة فقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾ [يونس: 7].

 

وقال الخطابي:

معنى محبّة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا فلا يحب استمرار الإقامة فيها؛ بل يستعد للارتحال عنها، والكراهة بضد ذلك. وقال النووي: معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تُعتَبر شرعًا هي التي تقع عند النـزع في الحالة التي لا تُقبَل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه.

 

قوله: "بشر بعذاب الله وعقوبته"[5]، في رواية "بشر بعذاب الله وسخطه"[6]، وفي رواية "وإن الكافر أو الفاجر إذا جاءه ما هو صائر إليه من السوء أو ما يلقى من الشر"[7] الخ.

 

قال: وفي هذا الحديث من الفوائدِ غير ما تقدّم: البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفهم وإن كان أهل الشرِّ أكثر، وفيه أن المجازاة من جنس العمل؛ فإنه قابل المحبة بالمحبة والكراهة بالكراهة، وفيه أن المؤمنين يرَوْن ربهم في الآخرة، وفيه نظر فإن اللقاء أعمّ من الرؤية، ويحتمل - على بُعْدٍ - أن يكون في قوله "لقاء الله" حذف تقديره لقاء ثوابِ الله ونحو ذلك، ووجه البُعد فيه الإتيان بمقابله؛ لأن أحدًا من العقلاء لا يكره لقاء ثواب الله بل كل من يكره الموت إنما يكرهه خشيةَ أن لا يلقى ثوابَ الله، إما لإبطائه عن دخول الجنة بالشغل بالتبِعات، وإما لعدم دخولها أصلاً كالكافر، وفيه أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلاً على أنه بشّر بالخير، وكذا بالعكس، وفيه أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمنِّي الموت؛ لأنها ممكنةٌ مع عدم تمني الموت كأن تكون المحبّة حاصلةً لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخُّرِه وأن النهي عن تمنّي الموت محمولٌ على حالة الحياة المستمرة[8].

 

خلاصة هذا السبب:

أن من حسُنت خاتمته يرى عند احتضاره ما أعدَّ الله له من النعيم، فيقبل على الله ويحب لقاءه تعالى فيحب الله لقاءه، وكأنَّ الإنسان مطالبٌ بالتعلق بربِّه في كل حالٍ حتى ساعة الاحتضار؛ لكن هذه المرة لا يكون الأمر إلا بتوفيقٍ من الله تعالى عبدَه؛ إذ ماذا يملِك المحتضر من شيءٍ يفعله وهو لا يقوى على قيامٍ ولا قعود؟! نسأل الله حسن الخاتمة.

 

وقد أشرنا قبلُ إلى أن هذا الحديث يُعْمَل به قبل الموت لا عند الاحتضار؛ لأنه كالثمرة لابدَّ لظهورها من حرثٍ وبذرٍ وسقيٍ وتعاهُد، وإلا لم تظهَر، والصحيح أن الأرضَ الخصبة إذا لم تستثمر نبت فيها ما يضرّ لا ما ينفع.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الرقاق (ح6142)، ومسلم (2683 و2684).

[2] سبق أن بيَّنا أن هذا قول الأشاعرة، ونضيف هنا أن الحافظ ابنَ حجر والنوويَّ وابن الجوزي وغيرهم ليسوا أشاعِرةً، بل هم أهل سنّة تسرّب إلى مؤلفاتهم قليلٌ من شوائب العقيدة الأشعرية في مسألة الصفات، وذلك لغلَبة الأشاعرة على العلم في زمانهم وقبلَه، خاصَّةً بعد تطهير نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي بلاد المسلمين من حكم العبيديين الملقبين زورا بالفاطميين، وكان من استعان بهم القائدان لتحقيق ذلك في الغالب أشاعرة.

[3] يقال في هذا ما قيل في الحاشية قبلها، وتعليل التأويل لصفة المحبة بأن من كره الله موتَه لا يموت لا يصحُّ؛ لأن الموت غير اللقاء، لتفريق النبي بينهما، وسينقله الحافظ عن القاسم بن سلام والطيبي وابن الأثير فيما بعد.. ألم تر أن الله تعالى لا يكلِّم الكافرين يوم القيامة ولا ينظر إليهم وهم وقوفٌ أمامَه تعالى للحساب؟ وقد أجاب الحافظ أعلاه بجوابٍ آخر.

[4] [صحيح] أخرجه أحمد في "مسنده" (3/107)، وقال ابن كثير في "التفسير" (4/101) بعد ذكره له: "هذا حديث صحيح، وقد ورد في الصحيح هذا الوجه". [قلت] : نعم، وتقدم تخريجه في الذي قبله.

[5] أخرجه البخاري في الرقاق (ح6507) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

[6] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (ح157) من حديث سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها.

[7] [صحيح] أخرجه أحمد (ح11636) من حديث حميد عن أنس رضي الله عنه.

[8] انظر: "فتح الباري" (ج11 ص358-360) باختصار شديد.