تدور التقوى في الآيات الثلاث في محبّة الله للمتقين حول الوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وكأنها تأكيد لما سبَق في المانعَيْن الأول والثاني، فخُلاصة هذا السبب كما تبيَّن من دراسته:1- التقوى بمعنى أداء الأمانة والوفاء بالعهد. 2- التقوى بمعنى الوفاء بعهد المعاهدين من المشركين.

معنى التقوى:

التَّقْوى مصدرٌ على وزن فَعلى، وأصلُه وَقْوَى فقلبت الواوُ تاءً، من وَقَيْته أقِيه أي مَنَعْته، ورجلٌ تَقِيٌّ أي خائف، أصلُه وَقِيٌّ، وكذلك تُقَاة كانت في الأصل وُقَاةً، كما قالوا: تجاه وتُراث، والأصل وجاه ووراث.

 

وعن فهم الصحابة - رضوان الله عليهم - للتقوى جاء أن عُمَرَ سأل أُبَيًّا - رضي الله عنهما - عن التقوى؛ فقال أُبَيٌّ: هل أخذتَ طريقًا ذاتَ شوْكٍ؟ قال: نعم؛ قال: فما عمِلتَ فيه؟ قال: تشمَّرْتُ وحذرت؛ قال: فذاك التقوى. وأخذ ابن المعتز هذا المعنى فنظمه في قوله:

خَلِّ الذنوبَ صغيرها  

وكبيرها، ذاك التُّقى  

واصنعْ كماشٍ فوق أرضِ   

الشوْكِ يحذَرُ ما يَرى  

لا تحقرنَّ صغيرةً  

إن الجِبَال من الحَصى  

 

 

ورُوِي عن عليٍّ - رضى الله عنه - أنه قال: التقوى هي: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنـزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل"، وهذا من جماع القول، وفقه الصحابة.

 

وقيل لأبي الدرداء - رضى الله عنه -: إن أصحابَك يقولون الشِّعْرَ وأنت ما حُفِظ عنك شيء؛ فقال:

يريد المرءُ أن يُؤْتَى مُناه   

ويأبى اللهُ إلا ما أرادا  

يقول المرءُ فائِدَتي ومالي   

وتَقْوَى اللهِ أفضل ما استفادا   

 

 

وروي عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أنه قال يومًا لابن أخيه: يا ابنَ أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قال: نعم. قال: لا خَير فيهم إلا تائب أو تقيّ. ثم قال: يا ابنَ أخي ترى الناس ما أكثرهم؟ قلت: بلى؛ قال: لا خير إلا عالمٌ أو متعلم.

 

وأما عن فهم العلماء للتقوى؛ فقد قال أبو يزيد البسطامي: المتَّقِي من إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله. وقال أبو سليمان الداراني: المتَّقُون الذين نزَع اللهُ عن قلوبهم حبَّ الشهوات[1].

 

وقال القُرْطبي - في تفسيره -: التقوى فيها جماع الخير كلِّه، وهي وصيَّة الله في الأوَّلين والآخرين، وهي خيرُ ما يستفيده الإنسان[2].

 

وقال الإمام الراغب: الوِقايةُ حفظُ الشيء مما يُؤذيه ويَضُرُّه. يقال: وقيت الشيء أقيه وقايةً ووقاءً. قال تعالى: ﴿ فَوَقَاهُمْ اللهُ ﴾ [الإنسان: 11]، ﴿ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [الدخان: 56]، ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ اللهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [الرعد: 34]، ﴿ مَا لَكَ مِنْ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ ﴾ [الرعد: 37]، ﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ [التحريم: 6]، والتَّقوى جعْلُ النفس في وقايةٍ مما يُخاف، هذا تحقيقه، ثم يُسمَّى الخوفُ تارةً تقوى والتقوى خوفًا حسب تسمية مقتضَى الشيء بمقتضِيه والمقتضِي بمقتضاه، وصار التقوى في تعارُف الشرع حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور؛ ويتم ذلك بترك بعض المباحات لِما رُوِي: "الحلال بيِّنٌ والحرام بين، ومن رتع حول الحمى فحقيقٌ أن يقع فيه"[3]. قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: 35]، ﴿ إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ [النحل: 128]، ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً ﴾ [الزمر: 73]، ولجعْل التقوى منازِلَ قال: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ﴾ [البقرة: 281]، و﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ [النساء: 1]، ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقِهِ ﴾ [النور: 52]، ﴿ وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ﴾ [النساء: 1]، ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ [آل عمران: 102]... ويقال: اتَّقى فلانٌ بكذا: إذا جعله وقاية لنفسه، وقوله: ﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [الزمر: 244] تنبيهٌ على شدَّةِ ما ينالهم، وأن أجدَر شيء يتقون به من العذاب يوم القيامة هو وجوهُهُم فصار ذلك كقوله: ﴿ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ ﴾ [إبراهيم: 50]، ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ [القمر: 48][4].

 

وقال الله سبحانه في مطلع سورة البقرة: ﴿ آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 1-5]. وقال تعالى - في نفس السورة -: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197].

 

وإذًا فالتقوى هي: الإيمان، ويدخُل فيه الإسلام؛ لأنه يشتُرَط أن يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن الكريم والسنّة، وأن يؤمِن بجميع الأنبياءِ والكتب، وأن يؤمن بالملائكة واليوم الآخر والقدر خيرِه وشرِّه، وكل ذلك يستفادُ من الإيمان بالغيْب، وخصّ الآخرة بالذكر لأهميَّتِها.

 

ومن التقوى أيضًا إقامةُ الصلاة، ومادام يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإقامتُها على ما بيَّن - صلى الله عليه وسلم -، والإنفاق، وفُصِّل بعد ذلك بالزكاة بشروطها ومقاديرها وأوقاتها. فإن قال قائلٌ لم يذكر الصومَ والحجَّ وهما ركنانِ من أركان الإسلام جاحِدُهما كافر، وهو غير متَّقٍ بالضرورة، قلنا: لقد ألمح إليهما بما يوحي بالإحالة إلى موضعِهما بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ ﴾؛ فإنه أنزَل إليه في نفس السورة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]؛ فبيّن سبحانه أن الصوم داخل في التقوى. وفي الحج قال سبحانه: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]؛ فأدخل الحج أيضًا في باب التقوى.

 

فإن قيل: لِم أُخِّرا عن مطلع السورة؟ قلنا - والله أعلم بمرادِه - لتفصيلاتٍ تخصُّهُما كثيرةٍ جاءت في موضعيهما، حيث ذكر في الصيام خمس آياتٍ، وفي الحج خمس آياتٍ، وهذه الآيات العشر لو جاءت في الحديث عن التقوى كانت ستُبِعد عن المقصود الظاهر لنا في مطلع السورة؛ وهو تبيِّين فئاتِ الناس وانقسامهم إلى متقين وكفار ومنافقين؛ فالمتقون واضحون في أخذِهم ما آتاهم الله، والكفار واضحون في  تركهم ذلك، والمنافقون حقيقةً مع الكفار وظاهرًا مع المؤمنين، ولِذا تحدّث القرآن الكريم عن المتقين في أربع آياتٍ، وعن الكفار في آيتين، وعن المنافقين في ثلاث عشرة آية. والله أعلى وأعلم.

 

أولاً: التقوى بمعنى أداء الأمانة والوفاء بالعهد:

قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 75-76].

 

قال الإمام الطبري:

فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إخبار الله - عز وجل - بذلك نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقد علِمتَ أن الناس لم يزالوا كذلك منهم المؤدي أمانتَه والخائنُها؟ قيل: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرهم -على ما بيّنه في كتابِه بهذه الآيات- تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفَهم الاغترار بهم لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين؛ فتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إن تأمَنْه يا محمد على عظيم من المال كثير يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنك فيه فلا يؤدِّه إليك إلا أن تُلِح عليه بالتقاضي والمطالبة.

 

قال: يعني بذلك - جلَّ ثناؤه - أنّ من استحلّ الخيانة من اليهود وجحود حقوق العربيّ التي هي له عليه فلم يؤدِّ ما ائتمنه العربي عليه إلا مادام له متقاضِيًا مطالبًا من أجل أنه يقول: لا حرج علينا فيما أصَبْنا من أموال العرب، ولا إثم لأنهم على غير الحق وأنهم مشركون.. يعنون مَن ليس مِن أهل الكتاب... وقال صعصعة: قلت لابن عباس: إنّا نغزو أهل الكتاب فنصيب من ثمارهم؟ قال: وتقولون كما قال أهل الكتاب ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾!![5].

 

وقال الشوكاني: عن عكرمة في قوله [وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ] قال: هذا من النصارى، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ ﴾ [آل عمران: 75] قال: هذا من اليهود. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى ﴾ [آل عمران: 76] يقول: اتقى الشرك؛ ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 76] يقول: الذين يتقون الشرك، وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود  قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حلَفَ على يمينٍ هو فيها فاجِرٌ ليقتَطِع بها مالَ امرئٍ مسلِم لقِيَ اللهَ وهو عليه غضبان" فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدَني فقدَّمتُه إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألك بينة"؟ قلت: لا، قال لليهودي: "احلِف" فقلت: يا رسول الله إذن يحلِفُ فيذهب مالي؛ فأنزل الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ [آل عمران: 77] إلى آخر الآية[6]، وقد رُوِيَ أن سبب نزول الآية أن رجلاً كان يحلِفُ بالسُّوق: لقد أعطى بسلعته ما لم يُعْطِ بها[7].

 

وكنا قد تحدَّثنا - في الباب السابق - عن أن الغدرَ والخيانة مانعان من محبَّة الله تعالى عبادَه المتصفين بهما، وهذه الآية تأكيدٌ على هذا المعنى بمفهوم المخالفة؛ حيثُ جعلت من أسباب محبة الله تعالى الوفاءَ بالعهد، وفي ﴿ أَوْفَى بِعَهْدِهِ ﴾ [آل عمران: 76] في هذه الآية قولان:

الأول: أنَّ الضمير عائدٌ على الله سبحانه، ويعني أن هذه المحبَّة راجعة إلى التقوى بمفهومها العامِّ الذي أوضحناه في البداية.

 

الثاني: أن الهاء عائدةٌ على الموفِي؛ فيكون معنى قوله "واتقى" راجعًا إلى الوفاء خاصَّة؛ أي أن الوفاء بالعهد من التقوى هو سبب محبة الله تعالى عبدَه.

 

كذلك يصح أن يكون "واتقى" منفصلاً عما قبله؛ أي حكمًا وحدَه، ويصحُّ أن يكون بنفس المعنى، فيقال المتقي غير الموفي أو هو نفسُه. ولا أرى ثمّة خلافًا؛ فالذي يوفي مرةً بعهده يوفي كل مرَّة وهو نفسه المتقي؛ فإن كان هناك موفٍ غيرَ متق كالكافر مثلاً؛ فلا يدخل في هذه الآية، وليس من أحباء الله؛ بل إنّه لا كافر موفٍ أبدًا؛ لأنّه لو كان مُوفِيًا لأوفى لله بدَينِه عليه من الإيمان به والإسلام لَه، وقد رأَينا زعماء الكفر: أبا جهلٍ والعاص بن وائل وغيرَهما يعْتدُون ويخونون الأمانات ويخلُفون الوعود ويسرقون التُّجَّارَ بمكة.



وإذًا فهذه آيةٌ جامعة في التقوى التي هي سبب محبَّةٍ من الله تعالى لعباده الأفياء لله وللناس.



ثم إن هاتين الآيتين وما بعدهما تبيِّن أن المتقين قسمان:

القسم الأول: غير مدانين؛ فلا يمنعون أموالهم لا في سرَّاء ولا في ضراء، ولا يغلبُهم غضبُهم وغيظهم فيعتدون على خلق الله، ويعفون عن المسيئين إليهم، وهؤلاء هم القسم الأول من المتقين، وهم المحسنون.

 

والقسم الثاني: هم الذاكرون لله إثر كل جريرةٍ يقترفونها؛ فيستغفرونه سبحانه لذنوبهم، ولا يصرِّون على ما فعلوا ولا يكابِرون ولا يدعون أنه الحقُّ، وأنهم لا يقبضون أيديهم بحجة أن المال مالهم، ولا يبطشون بالناس لأنهم يستأهِلون ذلك، والله أعلم.

 

ثانيًا: التقوى بمعنى الوفاء بعهد المعاهدين من المشركين:

قال تعالى: ﴿ بَرَاءَةٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 1-44].

 

بيّنت هذه الآيات مكانةَ العهد في التقوى وفي محبة الله تعالى، وقطعت الطريق على من تسوِّل له نفسُه الغدر بالمشركين لكونهم مشركين، فربى الله المتقين على أتم الأخلاق مهما كان من يتعاملون معهم.. كانوا مؤمنين أو ذميِّين أو مشركين، فالأخلاق لا تتجزَّأ.

 

وقد أوردنا في الباب الأول في أن الخيانة مانع من محبة الله تعالى آيةً توضِّح أن خيانة المشركين أنفسهم والغدر بهم خيانةٌ لا يحب الله سبحانه فاعلَها، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج: 38]؛ فانظر - هداني الله وإيّاك - إلى انسجام آياتِ القرآن الكريم، ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ﴾ [النساء: 82].

 

وجملة ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 4] تذييلٌ في معنى التعليل للأمر بإتمام العهد إلى الأجل بأن ذلك من التقوى؛ أي من امتثال الشرع الذي أمر الله به؛ لأن الإخبار بمحبّة الله المتقين عقِب الأمر كنايةٌ عن كون المأمور به من التقوى[8].

 

وقد نقلنا - في الباب السابق - قوله تعالى في سورة الحج [الآية 38]، وفي سورة الأنفال [الآية 58]، وأن الأُولَى نزلت في إرادة المؤمنين بمكة قتل المشركين -بحسب ما قال القرطبي والعيْني- وأن الثانية نزلت في حال المسلمين وبني قريظة والمسلمين بعد الأحزاب، فراجعه إن شئت.

 

ثالثًا: الوفاء للأوفياء من دون الغادرين:

قال تعالى: ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 5-7].

 

فقد كانت قبائل العرب كلُّها رغِبت في الإسلام فأسلموا في تلك المدة[9] فانتهت حُرْمة الأشهر الحرم في حكم الإسلام.

 

وانسلاخ الأشهر انقضاؤها وتمامها وهو مطاوِع سلَخ. والحُرُم جمع حرامٍ وحرامٌ صِفة؛ وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرَّمٌ ورجَب، وانسلاخُها انقضاءُ المدَّة المتتابعة منها، وقد بقيت حرمتها ما بقِي من المشركين قبيلةٌ لمصلحة الفريقين، فلما آمن جميع العرب بطل حكم حرمة الأشهر الحرم؛ لأن حُرمة المحارم الإسلامية أغنت عنها.. والأمرُ في ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 5] للإذن والإباحة باعتبار كل واحدٍ من المأمورات على حدَة؛ أيْ فَقَد أذِن لكم في قتلهم وفي أخذهم وفي حصارهم وفي منعهم من المرور بالأرض التي تحت حكم الإسلام، وقد يعرَض الوجوبُ إذا ظهرت مصلحةٌ عظيمة، ومن صُور الوجوب ما يأتي في قوله ﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴾ [التوبة: 122] والمقصودُ هنا: أن حُرمة العهد قد زالت.

 

وفي هذه الآية شُرِع الجهادُ والإذن فيه والإشارة إلى أنهم لا يقبل منهم غير الإسلام. وهذه الآية نسخت آياتِ الموادعة والمعاهدة[10]. وقد عمّت الآية جميع المشركين وعمّت البقاع إلا ما خصصته الأدِلَّة من الكتاب والسنة.

 

والأخذ: الأسر. والحصْر: المنع من دخول أرض الإسلام إلا بإذنٍ من المسلمين. والقعود مجاز في الثبات في المكان والملازَمة له؛ لأن القعود ثبوتٌ شديد وطويل، فمعنى القعود في الآية المرابَطة في مظانِّ تطرُّق العدو المشركين إلى بلاد الإسلام وفي مظانِّ وجود جيش العدُوِّ وعدته. والمرصد: مكان الرصد، والرصد: المراقبة وتتبُّع النظر. و[كُلّ] مستعملة في تعميم المراصد المظنون مرورهم بها تحذيرًا للمسلمين من إضاعتهم الحراسةَ في المراصد فيأتيهم العدُوّ منها أو من التفريط في بعض ممارِّ العدُوِّ فينطلق الأعداء آمنين فيستخفوا بالمسلمين ويتسامَع جماعاتُ المشركين أن المسلمين ليسوا بذوي بأس ولا يقظة فيؤول معنى [كُلّ] هنا إلى معنى الكثرة للتنبيه على الاجتهاد في استقصاء المراصد كقول النابغة:

بها كل ذيَّال وخنساء ترعوي  

إلى كل رجّافٍ من الرمل فارتد وانتصب   

 

 

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 5] تفريعٌ على الأفعال المتقدِّمة في قوله ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ ﴾ [التوبة: 5]، والتوبَة عن الشرك هي الإيمان؛ أي فإن آمنوا إيمانًا صادقًا بأنْ أقاموا الصلاة الدالَّة إقامتها على أن صاحبها لم يكن كاذبًا في إيمانِه، وبأن آتوا الزكاة الدالّ إيتاؤها على أنهم مؤمنون حقًّا؛ لأن بذل المال للمسلمين أمارةُ صدق النيّة فيما بُذِل فيه، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرطٌ في كفِّ القتال عنهم إذا آمنوا، وليس في هذا دلالةٌ على أن الصلاة والزكاة جزءٌ من الإيمان[11].

 

وحقيقة ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ [التوبة: 5]اتركوا طريقَهم الذي يمرُّون به؛ أي اتركوا لهم كل طريق أمِرْتُم برصدهم فيه؛ أي اتركوهم يسيرون مجتازين أو قادمين عليكم إِذ لا بأس عليكم منهم في الحالتين، فإنهم صاروا إخوانكم كما قال في الآية الآتية ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11]، وهذا المركَّب مستعمل هنا تمثيلاً في عدم الإضرار بهم ومُتَاركتهم.. يقال: خلِّ سبيلي أي دعني وشأني، كما قال جرير:

خَلِّ السبيل لمن يبني المنارَ بِه  

وابرُز ببرزة حيث اضطرك القدَر   

 

 

وهو مقابل للتمثيل الذي في قوله ﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ [التوبة: 5].

 

وجملة ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 173] تذييلٌ أريدَ به حثُّ المسلمين على عدم التعرُّض بالسوء للذين يُسلِمون من المشركين وعدم مؤاخذتهم لما فرط منهم، فالمعنى اغفِرُوا لهم لأنّ الله غفر لهم وهو غفور رحيم، أو اقتدُوا بفعل الله إذْ غفَر لهم ما فرَط منهم، كما تعملون فكونوا أنتم بتلك المثابة في الإغضاء عما مضى.

 

﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6] عطف على جملة ﴿ فَإِنْ تَابُوا ﴾ [التوبة: 5]؛ لتفصيل مفهوم الشرط، أو عطف على جملة ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 5]؛ لتخصيص عمومِه؛ أي إلا مشركًا استجارَك لمصلحةٍ للسفارة عن قومِه أو لمعرفة شرائع الإسلام. وصِيغَ الكلامُ بطريقة الشرط لتأكيد حكم الجواب وللإشارة إلى أن تقع الرغبة  في الجوار من جانب المشركين، وجيء بحرف [إن] التي شأنها أن يكون شرطُها نادرَ الوقوع للتنبيه على أن هذا شرطٌ فرْضي لكيلا يزعمَ المشركون أنهم لم يتمكنوا من لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فيتخذوه عذرًا للاستمرار على الشرك إذا غزاهم المسلمون.

 

وجيء بلفظ ﴿ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 6] دون لفظ مشرِك للتنصيص على عموم الجنس؛ لأن النكرة في سياق الشرط مثلها في سياق النفي إذا لم تُبْنَ على الفتح احتملت إرادةَ عموم الجنس واحتملت بعضَ الأفراد، فكان ذكر ﴿أَحَدٌ﴾ في سياق الشرط تنصيصًا على العموم بمنـزلة البناء على الفتح في سياق النفي بلا. ولعل المقصود من التنصيص على إفادة العموم ومن تقديم ﴿ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ على الفعل تأكيد بذل الأمان لمن يسأله من المشركين إذا كان للقائه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ودخولِه بلادَ الإسلام مصلحةٌ ولو كان أحدٌ من القبائل التي خانت العهد، لئلا تحمِل خيانتُهم المسلمين على أن يخونوهم أو يغدروا بهم، فذلك كقوله تعالى ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ [المائدة: 2] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تخُن من خانك"[12].

 

والاستِجَارة: طلبُ الجُوار وهو الكون بالقرْب، وقد استعمل مجازًا شائعًا في الأمن لأنَّ المرءَ لا يستقرُّ بمكانٍ إلا إذا كان آمنًا، فمن ثَمَّ سَمُّوا المؤمَّن جارًا والحليفَ جارًا وصار فعل أجار بمعنى أمَّن، ولا يُطلَق بمعنى جعل شخصًا جارًا له. والمعنى: إنْ أحدٌ من المشركين استأمنك فأمِّنه، ولم يبيِّن سببَ الاستجارة لأنَّ ذلك مختلِفُ الغرَض وهو موكول إلى مقاصد العقلاء؛ فإنه لا يستجير أحدٌ إلا لغرَض صحيح، ولما كانت  إقامة المشرك المستجير عند النبي -عليه الصلاة والسلام- لا تخلو من عرْض الإسلامِ عليه وإسماعِه القرآن سواءً كانت استجارتُه لذلك أم لغرَضٍ آخر لما هو معروفٌ من شأنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من الحرص على هُدى الناس، جعل سماع هذا المستجير القرآن غايةً لإقامته الوقتيّة عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - فدلت هذه الغاية على كلامٍ محذوفٍ إيجازًا، وهو ما تشتمل عليه إقامةُ المستجير من تفاوض في مهمٍّ أو طلب الدخول في الإسلام أو عرض الإسلام عليه، فإذا سمِع كلامَ الله فقد تمت أغراض إقامته؛ لأن بعضَها من مقصد المستجير وهو حريص على أن يبدأ بها، وبعضها من مقصد النبيّ -عليه الصلاة والسلام- وهو لا يتركه يعود حتى يعيد إرشادَه ويكون آخرَ ما يدور معه في آخر أزمان إقامته إسماعُه كلام الله تعالى.

 

وكلامُ الله: القرآنُ أضيفَ إلى اسم الجلالة لأنه كلامٌ أوجده الله ليدلَّ على مرادِه من الناس، وأبلغَه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - بواسطةِ الملَك فلم يكن من تأليف مخلوقٍ، ولكن الله أوجدَه بقدرتِه بدون صُنْع أحدٍ بخلاف الحديثِ القدسي؛ ولذلك أعقَبَه بحرف المهلة ﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ للدلالة على وُجوب استمرار إجازته في أرض الإسلام إلى أن يبلغ المكان الذي يأمن فيه ولو بلغه بعد مدَّةٍ طويلة، فحرف ﴿ثم﴾ هنا للتراخي الرُّتْبي اهتمامًا بإبلاغه مأمنَه، ومعنى ﴿ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ أمهِلْه ولا تُهِجْه حتى يبلغ مأمنه، فلما كان تأمينُ النبي -عليه الصلاة والسلام- إيَّاه سببًا في بلوغه مأمنَه جعل التأمين إبلاغًا فأمَرَ به النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - وهذا يتضمن أمر المسلمين بأن لا يتعرَّضوا له بسوء حتى يبلغ بلادَه التي يأمَن فيها. وليس المرادَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكلف ترحيلَه ويبعثُ من يبلغه، فالمعنى:  اتركه يبلغ مأمنَه كما يقول العرب لمن يبادرُ أحدًا بالكلام قبل إنهاء كلامه: "أبلعني ريقي"؛ أي أمهلني لحظة مقدار ما أبلع ريقي ثم أكلِّمُك، قال الزمخشري: "قلت لبعض أشياخي أبلعني ريقي فقال قد أبلعتك الرافدَين" يعني دجلة والفرات.

 

[والمَأْمَن] مكان الأمن، وهو المكان الذي يجد فيه المستجيرُ أمنَه السابق، وذلك هو دارُ قومِه حيثُ لا يستطيع أحدٌ أن ينالَه بسوء. وقد أضيف المأمن إلى ضمير المشرك للإشارة إلى أنه مكانُ الأمْنِ الخاصّ به، فيعلم أنه مقرَّه الأصلي بخلاف دار الجوار فإنها مأمنٌ عارض لا يُضافُ إلى المُجار.

 

وجملة ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6] في موضع التعليل لتأكيد الأمر بالوفاء لهم بالإجارة إلى أن يصلوا ديارهم، فلذلك فُصِلت عن الجملة التي قبلها؛ أي أُمِرنا بذلك بسبب أنهم قوم لا يعلمون، فالإشارة إلى مضمون جملة ﴿ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾ [التوبة: 6] أي لا تؤاخِذْهم في مدة استجارتهم بما سبق من أذاهم، لأنهم قوم لا يعلمون، وهذه مذَمَّة لهم بأنَّ مثلَهم لا يُقام له وزْنٌ،  وأوْفِ لهم به إلى أن يصلوا ديارَهم لأنهم قومٌ لا يعلمون ما يحتوي عليه القرآن من الإرشاد والهُدى، فكان اسمُ الإشارة أصلحَ طُرُقِ التعريف في هذا المقام جمعًا للمعاني المقصودة وأوْجَزَه.

 

وفي الكلام تنويهٌ بمعالي أخلاق المسلمين وغضٌّ من أخلاق أهل الشرك، وأن سبب ذلك الغضّ الإشراكُ الذي يُفسِد الأخلاق؛ ولذلك جُعِلوا قومًا لا يعلمون دون أن يقال بأنهم لا يعلمون، للإشارة إلى أن نفي العلم مطَّرِد فيهم، فيشير إلى أن سبب اطراده فيهم هو نشأتُه عن الفكرة الجامعة لأشتاتهم وهي عقيدة الإشراك. والعلم في كلام العرب بمعنى العقل وأصالةِ الرأي، وأن عقيدةَ الشرك مضادةٌ لذلك؛ أي كيف يَعبُد ذو الرأي حجَرًا صنعَه وهو يعلمُ أنه لا يُغني عنه.

 

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ الله وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 7] استئنافٌ بيانيٌّ نشأَ عن قولِه ﴿ بَرَاءَةٌ مِنْ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 1]، ثم عن قوله ﴿ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 3]، وعن قولِه ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 5]التي كانت تدرُّجًا في إبطال ما بينهم وبين المسلمين من عهودٍ سابقَةٍ؛ لأنّ ذلك يثير سؤالاً في نفوس السامعين من المسلمين الذين لم يطَّلِعوا على دخيلةِ الأمْرِ، فلعلّ بعضَ قبائل العرب من المشركين يتعجَّبُ من هذه البراءة ويسأل عن سببها وكيف أنهيتَ العهود وأعلنتَ الحرب؟! فكان المقام مقامَ بيانِ سبب ذلك، وأنه أمران: بُعْدُ ما بين العقائد وسبْقُ الغدر[13].

 

فتؤكد هذه الآية مرةً أخرى على الوفاء بالعهد حتى للمشركين الأوفياء، مع أنها تستنكر أن يكون لهم عهدٌ وهم غُدُر؛ لكنها تحذِّر من الغدر بهم قبل أن يغدُرُوا، وقطعًا فإن الوفاءَ للمؤمنين أولى من الوفاء للكافرين، والوفاءَ لله تعالى أولى من كل وفاءٍ؛ فهذه الآية والتي قبلها لا تستثني إحداها شيئًا من الإيمان والإسلام أو التقوى الذي أوضحناه في مطلع هذا السبب الذي هو في تحصيل محبَّةِ الله تعالى عبادَه لطيفةٌ لا تُتَجاهَل.

 

خلاصة هذا السبب:

تدور التقوى في الآيات الثلاث في محبّة الله للمتقين حول الوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وكأنها تأكيد لما سبَق في المانعَيْن الأول والثاني، فخُلاصة هذا السبب كما تبيَّن من دراسته:

1- التقوى بمعنى أداء الأمانة والوفاء بالعهد.

2- التقوى بمعنى الوفاء بعهد المعاهدين من المشركين.

3- الوفاء للأوفياء من دون الغادرين؛ لأن الله تعالى لا يمنع أخذَ الحق وإنما يمنع العدوان.

 

وإنه لعجيبٌ هذا الأمر؛ لكنه ما أرادَه الله تعالى منّا، وكأنه سبحانَه علِم أن من يحافِظُ على عهودِ الناس - بمن فيهم المشركون المعاهِدون - سيكون أكثرَ حفاظًا على عهودِ المؤمنين وأكثرَ من ذلك حفاظًا على عهْدِ الله وأمانتِه يوم أخَذَ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهَدَهم على أنفسهم، ويوم قَبِل الإنسان هذه الأمانةَ إنه كان ظلومًا جهولا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــ


[1] انظر: "تفسير القرطبي" [ج1 ص250-251] بتصرف كبير وزيادة.

[2] انظر: نفس المصدر [ج1 ص250].

[3] [متفَقٌ عليه بغير هذا اللفظ] أخرجه البخاري في الإيمان [ح52] وفي البيوع [ح1946]، ومسلم في المساقاة [ح1599] من حديث النعمان بن بشير - رضى الله عنه -، ولفظه: "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

[4] انظر: "مفردات القرآن" [ص1610] مختصرا.

[5] انظر: "تفسير الطبري" [ج5 ص512-513] مختصرا. والحديث أخرجه أبو عبيد في "الأموال" [ص197] رقم [415]، وابن أبي حاتم في "تفسيره" [ج2 ص684] من طريق سفيان الثوري به، كما في [هامش1 ص513] المشار إليها هنا.

[6] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الخصومات [ح 2417] واللفظ له، ومسلم في الإيمان [ح138] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[7] أخرجه البخاري في البيوع [ح 2088] عن عبد الله بن أبي أوفى - رضى الله عنه - "أن رجلا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنـزلت ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [آل عمران: 77]".

[8] انظر: "التحرير والتنوير" [ج1 ص1812].

[9] هي المذكورة في سورة براءة في الآية [4].

[10] في هذا نظر، وقد نقلنا مفادَه في غير مناسبةٍ مضت، فراجعه.

[11] هما جزءٌ من الإيمان؛ لأنهما جزءٌ من العمل، والعمل عندنا -أهل السنة- من الإيمان؛ فإن الإيمان عندنا اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ.

[12] [حسن] أخرجه أبو داود في الإجارة [ح3534 و3535]، والترمذي في البيوع [ح1264] من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه -. وقال الترمذي: "حديث حسن غريب".

[13] انظر: "التحرير والتنوير" [ج1 ص1812-1815] مختصرا.