[اللدد في الخصام، مناقضة القولِ الفعلَ، كره لقاء الله تعالى عند الموت، التخلق والاشتغال بسفساف الأخلاق، الفحش والتفحش والبذاءة، الجهر بالسوء، الإلحاف في السؤال، قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، التثاؤب، الاضطجاع على البطن]

 

1-اللدد في الخصام:

عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصِم"[1].

 

قال الحافظ - في "الفتح" -: قوله "الألد الخصم" هو الدائم الخصومة، والاسم اللدد مأخوذ من لديدَيْ الوادي، وهما جانباه[2]. وقال النووي - في "شرح مسلم" -: "أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصِم" هو بفتح الخاء وكسر الصاد، والألدّ شديد الخصومة، مأخوذ من لديديْ الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلّما احتجّ عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما "الخصم" فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع[3] حقٍّ أو إثبات باطل[4].

 

وقال المناوي: "كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصما"؛ لأن كثرة المخاصمة تفضي غالبا فيما يذم صاحبه، وقد ورد الترغيب في ترك المخاصمة؛ ففي أبي داود عن أبي أمامة رفَعَه "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقّا"[5]، و"أبغض العباد إلى الله تعالى الألدّ الخصم" كما في الصحيحين... قال بعضهم: ما رأيت شيئًا أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة ولا أشغل للقلب من المخاصمة. فإن قيل لابد من الخصومة لاستيفاء الحقوق، فالجواب ما قال الغزالي: أن الذمّ المتأكد إنما هو خاصٌّ بباطل أو بغير علم؛ كوكلاء القاضي. وقال بعض العارفين: إذا رأيت الرجل لجوجًا مرائيًا معجبًا برأيه فقد تمت خسارته[6].

 

اللدد في الخصام من صفات المنافقين:

عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربعٌ من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصْلَةٌ منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"[7].

 

 

قال العظيم آبادي: "وإذا خاصم فجر"؛ أي مال عن الحق، وقال الباطل والكذب. قال أهل اللغة: أصل الفجور الميلُ عن القصد.. قاله النووي[8]. وقال المناوي: "وإذا خاصم فجر"؛ مال في الخصومة عن الحق، وقال الباطل[9]. وقال النووي: هذا الحديث مما عدّه جماعة من العلماء مشكلاً؛ من حيث إنَّ هذه الخصال توجد فى المسلم المصدّق الذى ليس فيه شكٌّ، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدِّقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفرٍ، ولا هو منافق يخلد في النار؛ فإن إخوة يوسف - صلى الله عليه وسلم - جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كلّه، وهذا الحديث ليس فيه - بحمد الله تعالى - إشكال؛ ولكن اختلف العلماء في معناه؛ فالذي قاله المحققون والأكثرون، وهو الصحيح المختار: أن معناه أنّ هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلّق بأخلاقهم؛ فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافَه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقُه في حقّ من حدَّثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنّه منافق في الإسلام، فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا أنّه منافق نفاق الكفار المخلَّدين في الدرك الأسفل من النار، وقوله - صلى الله عليه وسلم - "كان منافِقًا خالصًا" معناه شديد الشبه بالمنافقين؛ بسبب هذه الخصال.

 

 

وقال: قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبةً عليه، فأما من يندُر ذلك منه فليس داخلاً فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي - رضى الله عنه - معناه عن العلماء مطلقًا، فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدّثوا بإيمانهم وكذَبوا، واؤتُمِنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدين ونصرِه فأخلفوا، وفجَروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، ورجع إليه الحسن البصري - رحمه الله تعالى - بعد أن كان على خلافه، وهو مرويٌّ عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - ورويَاه أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -..

قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى -: وإليه مال كثير من أئمّتنا، وحكى الخطابى - رحمه الله تعالى - قولا آخر أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يُخاف عليه أن تُفضِي به إلى حقيقة النفاق، وحكى الخطابى - رحمه الله تعالى - أيضًا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يواجِهُهم بصريح القول فيقول فلان منافق، وإنما كان يشير إشارةً؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - "ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا"[10] والله أعلم، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الرواية الأولى: "أربع من كنّ فيه كان منافقًا" وفي الرواية الأخرى "آيةُ المنافق ثلاث" فلا منافاة بينهما؛ فإن الشيء الواحد قد تكون له علامات كل واحدة منهن تحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا، وقد تكون أشياء والله أعلم... وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن خاصمَ فجَر"؛ أي مال عن الحقّ وقال الباطل والكذب، قال أهلُ اللغة: وأصلُ الفجور الميلُ عن القصد، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "آيةُ المنافق"؛ أي علامته ودلالته، وقوله - صلى الله عليه وسلم - "خلة" و"خصلة" هو بفتح الخاء فيهما وإحداهما بمعنى الأخرى[11].

 

 

2- مناقضةُ القولِ الفعلَ:

 

يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2-3].. جاء في "تتمة أضواء البيان" ما يلي: في الآية الأولى إنكارٌ على الذين يقولون ما لا يفعلون، وفي الآية الثانية بيانٌ لشدّة غضب الله ومقته على من يكون كذلك، ولكن لم يبيّن هنا القول المغاير للفعل المنهيّ عنه، والمعاتبون عليه والمستوجب لشدّة الغضب؛ إلا أن مجيء الآية الثالثة؛ أي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4] بعدهما يشعر بموضوع القول والفعل، وهو الجهاد في سبيل الله. وقد اتفقت كلمةُ علماء التفسير على أن سبب النـزول -مع تعدُّده عندهم- أنه حول الجهاد في سبيل الله من رغبة في الإذن لهم في الجهاد ومعرفة أحبّ الأعمال إلى الله ونحو ذلك. وقد بيّن القرآن في عدة مواضع أن موضوع الآيتين الأولى والثانية فيما يتعلق بالجهاد وتمنيهم إيّاه.. من ذلك قوله تعالى عنهم: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ ﴾ [محمد: 20]، ومنها قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ [النساء: 77]، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا الله مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً ﴾ [الأحزاب: 15][12].

 

فمثل هذه الآيات جاءت في سياق الحديث عن الجهاد، وأكثر من ذلك جاء في سياق الردّ على السائلين عنه، والله أعلم.

 

 

3-كره لقاء الله عند الموت:

وفي الصحيحين أحدهما عن عبادة بن الصامت والآخر عن عائشة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحبّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كرِه لقاء الله كره الله لقاءه"، قالت عائشة -أو بعض أزواجه - صلى الله عليه وسلم -: إنا لنكره الموت، قال: "ليس ذاك؛ ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحبّ إليه مما أمامه فأحبّ لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكرِه لقاء الله وكره الله لقاءه"[13].

 

قال الحافظ - في شرح حديث البخاري -:

قال الخطابي: تضمّن حديث الباب من التفسير ما فيه غنية عن غيره، واللقاء يقع على أوجه؛ منها المعاينة، ومنها البعث؛ كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ﴾ [الأنعام: 31]، ومنها الموت؛ كقوله ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ ﴾ [العنكبوت: 5]، وقوله ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ﴾ [الجمعة: 8].

 

وقال ابن الأثير - في "النهاية":

المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلبُ ما عند الله، وليس الغرض به الموت؛ لأن كلاًّ يكرهه؛ فمن ترك الدنيا وأبغضها أحبَّ لقاء الله، ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله؛ لأنه إنما يصل إليه بالموت، وقول عائشة: والموت دون لقاء الله، يبيّن أن الموت غير اللقاء؛ ولكنّه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه ويحتمل مشاقّه حتى يصل إلى الفوز باللقاء.

 

قال الطيبي:

يريد أن قول عائشة "إنا لنكره الموت" يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت، وليس كذلك لأن لقاء الله غير الموت؛ بدليل قولِه في الرواية الأخرى "والموت دون لقاء الله"؛ لكنْ لما كان الموتُ وسيلةً إلى لقاء الله عبّر عنه بلقاء الله.

 

وقد سبق ابنَ الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الإمامُ أبو عبيد القاسم بنُ سلام فقال: ليس وجهَه عندي كراهةُ الموت وشدتُه؛ لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة، قال: ومما يبيّن ذلك أن الله تعالى عاب قومًا بحبِّ الحياة فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾ [يونس: 7].

 

وقال الخطابي: معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا؛ فلا يحب استمرار الإقامة فيها، بل يستعد للارتحال عنها، والكراهة بضد ذلك.

 

قال الحافظ:

البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفِهم، وإن كان أهل الشرّ أكثر، وفيه أن المجازاة من جنس العمل؛ فإنه قابَل المحبّة بالمحبة والكراهة بالكراهة، وفيه أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، وفيه نظر؛ فإن اللقاء أعمّ من الرؤية، ويحتمل -على بُعدٍ- أن يكون في قوله "لقاء الله" حذفٌ تقديره لقاء ثواب الله ونحو ذلك، ووجهُ البعد فيه الإتيان بمقابِله؛ لأن أحدًا من العقلاء لا يكره لقاء ثواب الله، بل كل من يكره الموت إنما يكرهه خشية أن لا يلقى ثوابَ الله؛ إما لإبطائه عن دخول الجنة بالشغل بالتبعات، وإما لعدم دخولها أصلا كالكافر، وفيه أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلاً على أنّه بُشِّر بالخير، وكذا بالعكس، وفيه أن محبّة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمنّي الموت؛ لأنها ممكنةٌ مع عدم تمنّي الموت؛ كأن تكون المحبةُ حاصلةً لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخُّره، وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة[14].

 

وقال الإمام النووي - في شرح حديث مسلم -:

هذا الحديث يفسّر آخرُه أولَّه، ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة من أحبّ لقاء الله ومن كره لقاء الله، ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النـزْع في حالة لا تقبلُ توبته ولا غيرها؛ فحينئذٍ يبشَّر كلّ إنسانٍ بما هو صائرٌ إليه وما أُعِدّ له ويكشف له عن ذلك؛ فأهل السعادة يحبّون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدّ لهم، ويحبّ الله لقاءهم؛ أي فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم؛ أي يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم[15]، وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم، وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك، ولا أن حبه لقاء الآخرين حبهم ذلك؛ بل هو صفة لهم[16].

 

وهذا الكلام الأخير، لو صحَّ، يوهم أن اعتبارَنا حبّ لقاء الله سببًا لمحبّته تعالى خطأ؛ لكن كلام النووي هذا ليس بصحيح بل هو وجهٌ رآه الإمام.. وما المانع أن يحبّ الله لقاء عبدٍ لحبّ العبد لقاءَه، بعد أن أحبّه تعالى أوّلاً لفعلِه الطاعات التي أدت لتبشيره بنجاةٍ ونعيم؟ في رأيِي أنّه لا شيء يمنع من ذلك.

 

لكن هذا الحديث يُعمل به قبلَ الموتِ لا عندَه، وكيفيّة العمل به هي تقديم العمل الصالح في الرخاء والصحة والفراغ لا حالَ الاحتضار، والأول مذهبُ الصالحين والآخر مذهب أبي لهبٍ وأتباعه من المسوِّفين الذين يظنون أن بإمكانهم نطق الشهادة عند الموتِ، وليس بمستطاعٍ إلا أن يوفِّقَ اللهُ إليه.

 

ومما يدل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسُق أوّل الحديث لحكاية الموقف حال الموت بقدْر ما ساقَه للحثّ على الاستعداد له، وكذلك ردُّه - صلى الله عليه وسلم - على عائشة - رضي الله عنها - جاء لدفع القنوط واليأس، وهما لا يندفعان عمّن رأى مقعدَه من النار وملك الموت في أبشع صورة وروحُه تُنـزع منه كغصنٍ ينـزع من صوفٍ مبلول، بل يندفعان عمّن يأخذ حذرَه ويستعدّ من الآن.

 

4- الاشتغال والتخلّق بسفساف الأمور والأخلاق:

قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى جميلٌ يحبّ الجمال، ويحبّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها"[17]، وقال: "إن الله تعالى يحب معاليَ الأمور وأشرافَها ويكره سفسافَها"[18].

 

 

"سفسافها" - بفتح أوَّله المهمل - أي رديئها. قال ابن عبد السلام: الصفاتُ الإلهية ضربان.. أحدهما يختص به كالأزلية والأبدية والغنى عن الأكوان، والثاني يمكن التخلّق به وهو ضربان.. أحدهما لا يجوز التخلّق بها كالعظمة والكبرياء، والثاني ورد الشرع بالتخلّق به كالكرم والحلم والحياء والوفاء؛ فالتخلّق به بقدر الإمكان مُرضٍ للرحمن مرغم للشيطان. قال - في "الصحاح" -: السفساف الرديء من الشيء كلّه والأمر الحقير، وقال الزمخشري: تقول العرب شِعرٌ سفساف، وكل عمل لم يُحْكِمه عامله فقد سفسفه، وكل رجل مسفسف لئيم العطية، ومن المجاز قولهم: تحفظ من العمل السفساف ولا تسف له بعض الإسفاف..

 

 

وسام جسيمات الأمور ولا تكن

مسفًّا إلى ما دق منهن دانيا[19]

 

"إن الله تعالى يحبّ معالي الأمور وأشرافها"، وهي الأخلاق الشرعية والخصال الدينية لا الأمور الدنيوية؛ فإن العلوّ فيها نزول، "ويكره" - في رواية البيهقي "ويبغض" - "سفسافها" - بفتح أوّله - أي حقيرها ورديئها، فمن اتصف من عبيده بالأخلاق الزكية أحبّه، ومن تحلّى بالأوصاف الرديئة كرهه[20].

 

ويؤخذ من هذا الحديث أن الله تعالى يحب الخُلُق الفاضل والانشغال بالأمور الكبار، كما أن من معالي الأخلاق الجود والكرم، ولِذا ذكرا في أوّل الحديث الأول في بعض رواياته، ولكن - يا للحسرة - يخالف أغلب المسلمين اليوم هذين الحديثين، فهم وضعاء الأخلاق أدنياء الطموح إلا من رحم الله من قلّة نرجو أن نكون منهم بفضله ومنّه سبحانه.

 

 

5-الفحش والتفحّش:

فعَنْ عُبَيْدِ الله قَالَ: رَأَيْتُ أُسَامَةَ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَخَرَجَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَقَالَ: تُصَلِّي عِنْدَ قَبْرِهِ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّهُ، فَقَالَ لَهُ قَوْلاً قَبِيحًا ثُمَّ أَدْبَرَ، فَانْصَرَفَ أُسَامَةُ فَقَالَ لِمَرْوَانَ: إِنَّكَ آذَيْتَنِي، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إِنَّ الله يبْغضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ"، وَإِنَّكَ فَاحِشٌ مُتَفَحِّشٌ[21]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ فَإِنَّ الله يبْغض الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ"[22]. وعن أم الدرداء عن أبي الدرداء -رضى الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما شيء أثقل من ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء"[23]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مه يا عائشة فإنّ الله لا يحبّ الفحش والتفحش"، وزاد: فأنزل الله - عز وجل- : ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ ﴾ [المجادلة: 8] إلى آخر الآية[24]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفحش والتفحش"[25].

 

 

والفحش والفحشاء والفاحشة: القبيح من القول والفعل والجمع الفواحش.. ورجل فاحش ذو فحش.. فالفاحش ذو الفحش والخنا من قول وفعل، والمتفحِّش: الذي يتكلف سب الناس ويتعمده[26]. وقِيلَ: كُلُّ ما نَهَى اللهُ - عز وجل- عَنْهُ فَاحِشَةٌ، وقيلَ: كُلُّ خَصْلَةٍ قَبيحَةٍ فهيَ فَاحِشَةٌ مِنَ الأَقْوَالِ والأَفْعَالِ، وقِيلَ: كُلُّ أَمْرٍ لا يَكُونُ مُوَافِقاً للْحَقِّ والقَدْرِ فهو فَاحِشٌ.. والمُتَفَحِّشُ: الَّذِي يَتَكَلَّفُ سَبَّ الناسِ ويَتَعَّمُده، والَّذِي يَأْتِي بالفَاحِشَةِ المَنْهِيِّ عَنْهَا[27].

 

 

وفي حديث أبي الدرداء -رضى الله عنه- "ما شيء"؛ أي ثوابه، أو صحيفته، أو عينه المجسد.. "من خلق حسن"؛ فإنه تعالى يحبه ويرضى عن صاحبه.. "فإن الله يبغض" - وفي نسخة "ليبغض" - "الفاحش" الذي يتكلم بما يُكْره سماعه، أو من يرسل لسانه بما لا ينبغي.. "البذيء".. قال المنذري في "الترغيب": البذي - بالذال المعجمة ممدودًا -: هو المتكلم بالفحش... وقال في "النهاية" البذاء - بالمد -: الفحش في القول؛ بذا يبذو وأبذي يبذي فهو بذي اللسان، وقد يقال بالهمز وليس بالكثير. انتهى[28].

 

وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - "مه" كلمة زجر عن الشيء، وأما الفحش فهو القبيح من القول والفعل، وقيل الفحش مجاوزة الحدّ، وفي هذا الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفَه المبطلين إذا لم تترتب عليه مفسدة، قال الشافعى -رحمه الله تعالى-: الكَيّس العاقل هو الفطن المتغافل[29].

 

قال - في "النهاية" -:

الفحش هو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنى، وكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال، وقال -في "القاموس"-: الفاحشة الزنى وما يشتد قبحه من الذنوب، وكل ما نهى الله - عز وجل- عنه، وقد فحُش ككرم فُحشًا، والفحش عدوان الجواب، ومنه: "لا تكوني فاحشة" لعائشة -رضي الله تعالى عنها-. قوله: "ما كان الفحش"؛ أي ما اشتد قبحه من الكلام "إلا شانه"؛ أي عيبه الفحش، وقيل: المراد بالفحش العنف لما في رواية عبد بن حميد والضياء عن أنس أيضًا "ما كان الرفقُ في شيء إلا زانه ولا نُزِع من شيء إلا شانه"[30]، "وما كان الحياء في شيء إلا زانه"[31] أي زيّنه[32].

 

وتدل هذه الأحاديث مجتمعةً على أن الله تعالى يبغض الفحش والفاحش؛ أي يبغض إتيان الفحش كان قولاً أو عملاً، وآتيه من قائل وفاعل.

 

6-الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم:

قال الله تعالى: ﴿ لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً * إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ [النساء: 148-149].

 

قال بعضهم: معنى ذلك لا يحبّ الله - تعالى ذكره - أن يجهر أحدُنا بالدعاء على أحدٍ، وذلك عندهم هو الجهر بالسوء؛ ﴿ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ ﴾، يقول: إلا من ظُلِم فيدعو على ظالمِه فإن الله - جل ثناؤه - لا يكره له ذلك؛ لأنه قد رخص له في ذلك، عن ابن عباس، وإن صبر فهو خيرٌ له، وعن قتادة والحسن قال: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدعُ عليه؛ ولكن ليقل: اللهم أعنِّي عليه.. اللهم استخرج لي حقّي.. اللهم حُلْ بينه وبين ما يريد، ونحوه من الدعاء. وقال آخرون: بل معنى ذلك لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم فيخبر بما نِيل منه، عن مجاهد قال: هو الرجل يَنـزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج من عنده فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن! وقال آخرون: عُني بذلك الرجل ينـزل بالرجل فلا يقريه فينال من الذي لم يقْرِه، عن مجاهد: إلا في ظلم فانتصر يجهر بالسوء، وعن ابن أبي نجيح مثله. وقال آخرون: معنى ذلك إلا من ظلم فانتصر من ظالمه فإن الله قد أذن له في ذلك، عن السدي. وقرأ ذلك آخرون بفتح الظاء: ﴿ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ ﴾، وتأوَّلوه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظَلم فلا بأس أن يُجهر له بالسوء من القول، قال ابن زيد كان أُبيٌّ يقرأ: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، يقول: إلا من أقام على ذلك النفاق فيُجهر له بالسوء حتى ينـزع، قال: وهذه مثل ﴿ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ ﴾ [الحجرات: 11]، أن تسميه بالفسق ﴿ بَعْدَ الإِيمَانِ ﴾ [الحجرات: 11]، بعد إذ كان مؤمنًا ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ﴾ [الحجرات: 11]، من ذلك العمل الذي قيل له ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11] قال: هو شرٌ ممن قال ذلك[33].

 

 

7- الإلحاف في السؤال:

قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله - عز وجل- إذا أنعم على عبدٍ نعمة يحب أن يرى أثرَ النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف"[34]. قال المناوي -في "فيض القدير"-: "ويبغض السائل الملحف"؛ أي الملازم الملحّ[35]. وقال: "إن الله تعالى يبغض السائل الملحف"؛ أي الملحّ الملازم، أخذًا من اللحاف؛ الذي يشتمل به الإنسان ويتغطى به؛ للزومه ما يغطيه، ومنه لاحَفَه؛ أي لازمه.. قال الحرالي: هو لزوم ومدافعة في الشيء من حروف الحلق الذي هو انتهاء الخبر إلى الغاية، كذلك اللحف هو انتهاء السؤال إلى الغاية، انتهى. وفي "الفردوس" قيل: المراد هنا بالملحف من عنده غداء وهو يسأل العشاء، وقد ذمّ الله تعالى السائل إلحافًا في ضمن ثنائه على ضده بقوله ﴿ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ [البقرة: 273][36].

 

 

8- قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال:

روى البخاري عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله كرِه لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"[37]. وروى مسلمٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يرضى لكم ويكره لكم ثلاثًا؛ فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"[38].

 

أ- "قيل وقال": قال الحافظ -في "الفتح"-: قوله "وكره لكم قيل وقال" في رواية الشعبي "وكان ينهى عن قيل وقال" كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين، ووقع في رواية الكَشْمَيْهَني هنا "قيلاً وقالاً"، والأول أشهر، وفيه تعقّب على من زعم أنه جائز، ولم تقع به الرواية.

 

قال: قال الجوهري "قيل وقال" اسمان، يقال: كثير القيل والقال، كذا جزم بأنهما اسمان، وأشار إلى الدليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما، وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين بمعنى واحد كالقول لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة؛ فأشار إلى ترجيح الأول.

 

قال: وقال المحبّ الطبري:

في قيل وقال ثلاثة أوجه.. أحدها: أنهما مصدران للقول.. تقول: قلت قولاً وقيلاً وقالاً، والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنها تَؤُول إلى الخطأ، قال: وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه. ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليخبر عنها؛ فيقول قال فلان كذا وقيل كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيء مخصوصٍ منه، وهو ما يكرهه المحكي عنه. ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين؛ كقوله قال فلان كذا وقال فلان كذا، ومحلّ كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبّت؛ ولكن يقلّد من سمعه ولا يحتاط له. قلت: ويؤيّد ذلك الحديث الصحيح "كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمع"[39].

 

قال: قوله "قيل وقال" من قولهم قيل كذا وقال كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير، والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خُلوَين من الضمير، ومنه قوله "إنما الدنيا قيل وقال"، وإدخال حرف التعريف عليهما في قوله ما يعرف القال القيل لذلك[40].

 

ب- "وكثرة السؤال": قال الحافظ: هل هو سؤال المال؟ أو السؤال عن المشكلات والمعضلات؟ أو أعمّ من ذلك؟ الأَوْلى حمله على العموم، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسانٍ بعينه عن تفاصيل حاله؛ فإن ذلك مما يكره المسئول غالبًا، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات، وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادةً أو يندُر جدًّا، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطُّع والقول بالظن؛ إذ لا يخلو صاحبُه من الخطأ؛ فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ [المائدة: 101] فذلك خاص بزمان نزول الوحي، ويشير إليه حديث "أعظم الناس جُرمًا عند الله من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته"[41]، وثبت أيضًا ذم السؤال للمال ومدح من لا يلحف فيه؛ كقوله تعالى: ﴿ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ [البقرة: 273]، وحديث "لا تزال المسألة بالعبد حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعَةُ لحم"[42]، وفي صحيح مسلم "أن المسألة لا تحل إلا لثلاثة؛ لذي فقر مدقع أو غرم مفظع أو جائحة"[43]، وفي السنن قوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله"[44]، وفي سنن أبي داود "إن كنت لابد سائلاً فاسأل الصالحين"[45]، وقد اختلف العلماء في ذلك، والمعروف عند الشافعية أنه جائزٌ؛ لأنّه طلب مباح فأشبه العاريَة، وحملوا الأحاديث الواردة على من سأل من الزكاة الواجبة ممن ليس من أهلها؛ لكن قال النووي في "شرح مسلم": اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين أصحهما التحريم؛ لظاهر الأحاديث، والثاني يجوز مع الكراهة بشروط ثلاثة: أن لا يلحّ، ولا يذل نفسه زيادة على ذل نفس السؤال، ولا يؤذي المسئول؛ فإن فُقِد شرطٌ من ذلك حرم، وقال الفاكهاني: يتعجّب ممن قال بكراهة السؤال مطلقًا مع وجود السؤال في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم السلف الصالح من غير نكير، فالشارع لا يقرّ على مكروه.

 

قال الحافظ:

قلت لعل من كره مطلقًا أراد أنه خلاف الأولى، ولا يلزم من وقوعه أن تتغير صفته، ولا من تقريره أيضًا، وينبغي حمل حال أولئك على السداد، وأن السائل منهم غالبًا ما كان يسأل إلا عند الحاجة الشديدة، وفي قوله: من غير نكير نظر؛ ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك. تنبيه: جميع ما تقدم فيما سأل لنفسه، وأما إذا سأل لغيره فالذي يظهر أيضًا أنه يختلف باختلاف الأحوال[46].

 

جـ- "وإضاعة المال": الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا؛ سواء كانت دينية أو دنيوية، فمنع منه لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، إما في حق مضيِّعها وإما في حق غيره، ويُستثنى من ذلك كثرةُ إنفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يُفوّت حقًّا أخرويّا أهم منه، والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثةُ أوجه..

الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا، فلا شك في منعه.

 

والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعًا، فلا شك في كونه مطلوبًا بالشرط المذكور.

 

والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة؛ كملاذ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين.. أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عرفًا، وهو ينقسم أيضا إلى قسمين.. أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة إما ناجزة أو متوقعة فهذا ليس بإسراف، والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعيّة إلى أنه ليس بإسراف، قال: لأنه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية فهو مباح له. قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. ا ه‍.

 

قال الحافظ:

وقد صرّح بالمنع القاضي حسين؛ فقال - في "كتاب قسم الصدقات" -: هو حرامٌ، وتبعه الغزالي، وجزم به الرافعي في الكلام على المغارم، وصحح - في "باب الحجر من الشرح"، وفي "المحرر" - أنه ليس بتبذير، وتبعه النووي، والذي يترجّح أنه ليس مذمومًا لذاته؛ لكنه يفضي غالبًا إلى ارتكاب المحذور؛ كسؤال الناس، وما أدى إلى المحذور فهو محذور[47].

 

 

9- التثاؤب:

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب... وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان؛ فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا قال ها ضحِك منه الشيطان"[48].

 

قال الخطابي:

معنى حبّ العطاس وكراهة التثاؤب أن العطاس يكون مع انفتاح المسامّ وخفة البدن وتيسير الحركات، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه وعند استرخائه للنوم وميله إلى الكسل؛ فصار العطاس محمودًا؛ لأنّه يعين على الطاعات، والتثاؤب مذمومًا لأنه يثبّطُه عن الخيرات وقضاء الواجبات[49].

 

 

10- الاضطجاع على البطن:

عن أبي هريرة قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعا على بطنه؛ فقال: "إن هذه ضجعة لا يحبها الله"[50].

 

قال في المباركفوري: "إن هذه"؛ أي هذا الاضطجاع، وتأنيثه لتأنيث خبره، وهو قوله "ضجعة"، وهي بكسر أوله للنوع "لا يحبها الله" وفي حديث أبي ذر عند ابن ماجه "إنما هي ضجعة أهل النار"[51].

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في المظالم [ح2457]، ومسلم في العلم [ح2668] من حديث عائشة رضي الله عنها.

[2] انظر: "فتح الباري" [ج1 ص183].

[3] إن لم تكن تصحيفًا عن "دفع" - بالدال المهملة - فمعناها إزاحة الحق لإثبات الباطل.

[4] انظر: "شرح النووي على مسلم" [ج16 ص219].

[5] [إسناده صحيح] أخرجه أبو داود في الأدب، باب/ في حسن الخلق [ح4800] قال: حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي، أبو الجماهر، قال: حدثنا أبو كعب، أيوب بن محمد السعدي، قال: حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبى أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه".

• قال الإمام النووى -في "رياض الصالحين" [1/222]-: "رواه أبو داود بإسناد صحيح".

• [قلت]: رجاله ثقات خلا أيوب بن محمد السعدي، وهو أيوب بن موسى، ويقال ابن محمد أو سليمان، أبو كعب السعدي. قال الحافظ: صدوق، وقال أبو داود "وكان ثقة". لكن تفرده بالحديث يوجس في النفس خيفة، ولم أجد من تابعه عليه.

[6] انظر: "فيض القدير" [ج5 ص5]، مزالا منه الحديث المنقطع [ولهذا قال داود لابنه: "يا بني إياك والمراء فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان"] فقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" [3/70]، والبيهقي في "الشعب" [6/341 ح8434] كلاهما من طريق: الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن سليمان بن داود - عز وجل - قال لابنه، فذكره.

[7] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الإيمان [ح34]، ومسلم في الإيمان [ح58] من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[8] انظر: "تحفة الأحوذي" [ج7 ص322].

[9] انظر: "فيض القدير" [ج1 ص163].

[10] أخرجه مسلم في النكاح [ح1401] من حديث أنس - رضى الله عنه -، لكن بلفظ: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا". وعند أبي داود في الأدب [ح4788] من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا".

[11] انظر: "شرح النووي على مسلم" [ج2 ص46-48].

[12] انظر: "تتمة أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" للشنقيطي، الجزء الثامن والأول من التتمة [ص171-172] بتصرف.

[13] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الرقاق [ح6507] من حديث عبادة بن الصامت - رضى الله عنه -. وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة [ح157] فلم يذكر عبادة بن الصامت وجعله من مسند عائشة رضي الله عنها.

[14] انظر: "فتح الباري" [ج11 ص359-360] مختصرا.

[15] تأويلُ صفةِ المحبّة بلوازمها وصفة البغض بلوازمها يرد كثيرًا عند الإمام النووي -رحمه الله تعالى- وهي طامّةٌ لحقت علماء أهل السنة من قبل الأشاعرة؛ لكثرة الأشعرية وانتشارهم وكثرة مؤلفاتهم وانتشارها في أزمان هؤلاء العلماء.

[16] انظر: "شرح النووي على مسلم" [ج17 ص9-11].

[17] [حسن] هذا الحديث روي من طرق منها: [سهل بن سعد الساعدي، طلحة بن عبيد الله بن كَريز، الحسين بن علي، جابر بن عبد الله، سعد بن أبي وقاص]، إلا أن الطرق التي وقفتُ عليها متكلم فيها كما سأبين ذلك إن شاء الله، والحديث له شواهد كثيرة تشهد لصحة معناه.

 

• أما حديث سهل بن سعد الساعدي - رضى الله عنه - فأخرجه الطبراني في "الكبير" [6/181 ح5928] وفي "الأوسط" [3/210 ح2940]، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" [ص19 ح6]، والحاكم [1/112 ح152]، والبيهقي في "الكبرى" [10/191]، والرافعي في "التدوين في أخبار قزوين" [3/189]، والخطيب في "التقييد" [ص111]. جميعًا من طريق: أحمد بن يونس قال حدثنا فضيل بن عياض عن محمد بن ثور عن معمر عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله - عز وجل - يحب معالي الأمور ويكره سفسافها"، وفي الطبراني الكبير والأوسط "معالي الأخلاق".

• وأخرجه الحاكم [1/111 ح151] حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا الحسن بن سفيان الشيباني ثنا محمد بن سلمة المرادي ثنا حجاج بن سليمان بن القمري، ومات قبل ابن وهب، ثنا أبو غسان المدني عن أبي حازم، عنه به. قال الهيثمي في "المجمع" [8/188]: "رواه الطبراني في "الكبير" والأوسط بنحوه إلا أنه قال يحب معالي الأخلاق، ورجال الكبير ثقات".

• [قلت]: أعله البيهقي في "الشعب" [6/241 ح 8012] بأن محمد بن ثور خالفه عبد الرزاق، وسفيان الثوري فروياه عن أبي حازم عن طلحة بن عبد الله بن كريز الخزاعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا.

• وطريق الحاكم متابع لمعمر في الرواية الموصولة، إلا أن فيه حجاج بن سليمان ابن القمري قال أبو زرعة: منكر الحديث وماشاه ابن عدي. وراجع ترجمته في "لسان الميزان". قال الحاكم بعده: "هذا حديث صحيح الإسنادين جميعا ولم يخرجاه، وحجاج بن قمري شيخ من أهل مصر ثقة مأمون، ولعلهما أعرضا عن إخراجه بأن الثوري أعضله".

• وأما حديث طلحة بن عبيد الله بن كَريز الخزاعي فمرسل: أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" [5/332 ح26617] حدثنا أبو خالد الأحمر عن سليمان بن سحيم. والشاشي في "مسنده" [ح20] حدثنا عيسى بن أحمد العسقلانى أنا يزيد بن هارون أنا الحجاج بن أرطاة عن سليمان بن سحيم. وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" [ص19 ح7] حدثنا خالد بن خداش نا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه. والحاكم في "المستدرك" [1/112 ح153] أخبرنا الحسن بن حكيم المروزي ثنا أبو الموجه ثنا عبدان ثنا عبد الله عن سفيان قال سمعت أبا حازم. والبيهقي في "الكبرى" [10/191]، و"شعب الإيمان" [6/241 ح8012] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ثنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا الرمادي يعني أحمد بن منصور ثنا عبد الرزاق أنبأ معمر عن أبي حازم. وفي "الشعب" أيضًا [7/426 ح10840] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار نا محمد بن أحمد العودي نا كثير نا عبد الواحد نا الحجاج بن أطاة عن سليمان بن سحيم. كلاهما [سليمان بن سحيم، وأبو حازم] عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بلفظ: "إن الله كريم يحب الكرم ومعالي الأمور ويبغض أو قال يكره سفسافها". وطريق سليمان بن سحيم فيه زيادة: "ومن إعظام إجلال الله - عز وجل - إكرام ثلاثة؛ الإمام المقسط، وذو الشيبة في الإسلام، وحامل الجافي عنه ولا الغالي فيه".

• [قلت]: طلحة بن عبيد الله بن كريز بن جابر بن ربيعة بن هلال، الخزاعي الكعبي أبو المطرف من ثقات التابعين، فروايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلة. وطريق سليمان بن سحيم قال البيهقي في "الشعب" [7/426]: "في هذا الإسناد انقطاع بين سليمان بن سحيم وطلحة".

• وحديث الحسين بن علي -رضي الله عنهما- أخرجه الطبراني في "الكبير" [3/131 ح2894]، وابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" ج[3/6]، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" [1/92 ح39]، والدولابي في "الذرية الطاهرة" [ص91 ح162]، والشهاب في "مسنده" [2/150 ح1076، 1077]. جميعًا من طريق: خالد بن الياس العدوي أخبرني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين عن أبيها حسين بن علي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها". قال الهيثمي -في "مجمع الزوائد" [8/188]-: "رواه الطبراني وفيه خالد بن إلياس ضعفه أحمد وابن معين والبخاري والنسائي وبقية رجاله ثقات".

• وحديث جابر بن عبد الله - رضى الله عنه - أخرجه الطبراني في "الأوسط" [7/78 ح6906] حدثنا محمد بن المعافى بن أبي حنظلة، ثنا عثمان بن سعيد الصيداوي، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، عن محمد بن صالح المدني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأمور، ويكره سفسافها". "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن صالح التمار إلا عبد الرحمن بن سليمان". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [8/188]: "رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه من لم أعرفه".

• وأخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" [1/92 ح38] أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي بالبصرة نا أحمد بن عمرو بن فهدان نا إبراهيم بن قهد نا عبد الله بن إبراهيم الغضايري نا عبد الله بن أبي بكر بن المنكدر عن عمه محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها".

• [قلت]: عبد الله بن إبراهيم متروك الحديث كما في ترجمته في التهذيب.

• وحديث سعد بن أبي وقاص - رضى الله عنه - أخرجه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" [ص19 ح8] حدثني إبراهيم بن سعيد نا أبو معاوية عن خالد بن إلياس عن مناجر بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها".

• [قلت]: إسناده ضعيف، فيه خالد بن إلياس متروك الحديث، وسبق الكلام عليه.

[18] تقدم تخريجه في الذي قبله.

[19] انظر: "فيض القدير" [ج2 ص252].

[20] انظر: "فيض القدير" [ج2 ص295].

[21] [حسن] أخرجه ابن حبان في "صحيحه" [ح 5811]، والضياء في "الأحاديث المختارة" [ح1211]، وأَبو يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ في "مسنده"، بإسناد حسن رجاله ثقات عدا ابن إسحاق القرشي وهو صدوق مدلس، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [رقم 1877].

[22] [حسن] أخرجه الحميدي في "مسنده" [ح1110] بإسناد حسن رجاله ثقات رجال البخاري عدا محمد بن عجلان القرشي روى له البخاري تعليقًا، وهو صدوق حسن الحديث، وأخرجه أيضًا ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.

[23] [صحيح] أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب/ باب ما جاء في حسن الخلق [ح2002]، وقال: "وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وأنس وأسامة بن شريك، وهذا حديث حسن صحيح"، وابن حبان في "صحيحه" [12/506 ح5693 و507 ح5695]، وعبد الرزاق في "مصنفه" [11/146 ح20157]، والبيهقي في "الشعب" [6/238 ح8002]، والنسائي في "الكبرى" [10/193 ح20587]، وقال الألباني -في "صحيح الترغيب والترهيب" رقم [2641]-: "صحيح".

[24] أخرجه مسلم في السلام [ح2165] عن عائشة قالت: "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - أناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: وعليكم، قالت عائشة: قلت بل عليكم السام والذام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة لا تكوني فاحشة، فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت وعليكم"، وفي رواية له "ففطنت بهم عائشة فسبتهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مه يا عائشة؛ فإن الله لا يحب الفحش والتفحش، وزاد فأنزل الله - عز وجل - ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله ﴾ إلى آخر الآية".

[25] [صحيح] جزء من حديث أخرجه أحمد في "المسند" [2/431]، والنسائي في "الكبرى" [10/243 و6/486] من حدبث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وابن حبان في "صحيحه" [11/579 و580، و14/141]، والحاكم في "المستدرك" [1/56]، والبخاري في "الأدب المفرد" [141] من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه -، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" [2217 و2603 و2604]، وصحح شعيب الأرنؤوط حديث أحمد، وحسن حديث ابن حبان.

[26] انظر: "لسان العرب" مادة "فحش" [ج6 ص325].

[27] انظر: "تاج العروس" مادة "فحش" [ج17 ص296].

[28] انظر: "تحفة الأحوذي" [ج6 ص118] باختصار طفيف.

[29] انظر: "شرح النووي على مسلم" [ج14 ص147].

[30] [صحيح] أخرجه أحمد [3/241] ابن حبان [ح551] والضياء في "المختارة" [5/52] من حديث أنس - رضى الله عنه -، وأصل الحديث عن مسلم في البر والصلة [ح2594]، لكن من حديث عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه".

[31] [صحيح] أخرجه الترمذي في البر والصلة [ح1974]، وابن ماجه في الزهد [ح4185] حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني وغير واحد قالوا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس مرفوعًا فذكر الحديث. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق". وصححه الضياء في "المختارة" [5/154].

[32] انظر: "تحفة الأحوذي" [ج6 ص93].

[33] انظر: "تفسير الطبري" [ج7 ص625-631] باختصار شديد.

[34] [حسن بشواهده] رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبو هريرة، أنس بن مالك، أبو سعيد الخدري، عمران بن حصين، وزهير بن أبي علقمة الضبعي، يحيى بن جعدة مرسلا.

 

• أما حديث أبي هريرة - رضى الله عنه - فأخرجه الإسماعيلي في "معجم شيوخه" [2/594]، ومن طريقه السهمي في "تاريخ جرجان" [ص142]، والبيهقي في "شعب الإيمان" [5/163 ح6202 و6203] حدثنا حاتم بن يونس الجرجاني حدثنا إسماعيل بن سعيد حدثنا عيسى بن خالد البلخي حدثنا ورقاء عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه، ويكره البؤس والتباؤس ويبغض السائل الملحف ويحب العفيف المتعفف". قال الشيخ حمزة السهمي: يقال إن هذا الحديث تفرد إسماعيل بن سعيد ينوي بهذا الإسناد.

• وأما حديث أنس - رضى الله عنه -: أخرجه الشهاب ج[2/161 ح1101] أنا أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني نا أبو بكر محمد بن أبي عبيد المؤذن نا أبو علي أحمد بن محمد بن علي النهاوندي نا أبو يعلى محمد بن زهير الأبلي ثنا أبو الربيع خالد بن يوسف السمتي نا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويكره البؤس والتباؤس".

• وحديث أبي سعيد الخدري - رضى الله عنه - أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" [5/163 ح6201]، والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" [ص25] كلاهما من طريق: عثمان بن أبي شيبة ثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى عن أبيه عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتباؤس".

• وحديث عمران بن حصين - رضى الله عنه - أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" [5/163 ح6200] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس بن يعقوب ثنا العباس الدوري حدثني روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خز فقلنا: يا صاحب رسول الله تلبس هذا؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه".

• وحديث زهير بن أبي علقمة الضبعي - رضى الله عنه - أخرجه الطبراني في "الكبير" [5/273 ح5308]، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" [2/606 ح570]، والرافعي في "التدوين في أخبار قزوين" [1/323] حدثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا سفيان الثوري عن أسلم المنقري عن زهير بن أبي علقمة الضبعي قال: "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ سيء الهيئة فقال: ألك مال؟ قال: نعم من كل أنواع المال، قال: فلير عليك؛ فإن الله - عز وجل - يحب أن يرى رجاء على عبده حسنا ولا يحب البؤس والتباؤس".

• وحديث يحيى بن جعدة المرسل أخرجه هناد في "الزهد" [2/421 ح826] حدثنا أبو معاوية عن حجاج بن أرطأة عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحوه، وفيه "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب إذا أنعم على عبد بنعمة أن يرى أثرها عليه، ويبغض البؤس والتباؤس، ولكن الكبر أن يسفه الحق أو يغمص الخلق".

• وقد حسنه الألباني بشواهده في "السلسلة الصحيحة" [3/310 ح1320].

[35] انظر: "فيض القدير" [ج2 ص202].

[36] انظر: السابق نفسه [ج2 ص203].

[37] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الزكاة [ح1477]، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة [ح593] من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

[38] أخرجه مسلم في الأقضية [ح1715] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[39] رواه مسلم [5] المقدمة، بلفظ "كذبا" بدل "إثما".

[40] انظر: "فتح الباري" [ج10 ص407].

[41] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة [ح7289]، ومسلم في الفضائل [ح2358] من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

[42] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الزكاة [ح1475]، ومسلم في الزكاة [ح1040] من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

[43] أخرجه مسلم في الزكاة [ح1044] عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: "تحملت حمالة فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله فيها، فقال أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال: ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا".

 

• وأخرجه أحمد [ح11869] حدثنا عبد الصمد حدثنا عبيد الله بن شميط قال: سمعت عبد الله الحنفي يحدث أنه سمع أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع".

[44] [صحيح] أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع [ح2516]، وأحمد [1/303] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر كلام ابن رجب الحنبلي عليه في شرح الحديث التاسع عشر من أحاديث الأربعين النووية.

[45] [إسناده ضعيف] أخرجه أبو داود في الزكاة [ح1646]، والنسائي في الزكاة [2587]، وأحمد [4/334] من حديث مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أسأل يا رسول الله؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا، وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين"، وليس لابن الفراسي إلا هذا الحديث وحديث ماء البحر.

• [قلت]: أوردته هنا لبناء الشارح الكلام الذي بعده عليه، فإن كان ما بني على باطل فهو باطل، فالحديث الضعيف ليس بالضرورة باطلا، وأما رأي الشافعية فليس بالضرورة أيضًا مبنيًّا على هذا الحديث الضعيف.

[46] انظر: "فتح الباري" [ج10 ص407-408].

[47] انظر: "فتح الباري" [ج10 ص408] مختصرا.

[48] [صحيح] أخرجه البخاري في الأدب [ح 6223] بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[49] انظر: "عون المعبود شرح سنن أبي داود" [ج2 ص725].

[50] [حسن صحيح] أخرجه الترمذي في الأدب، باب/ ما جاء في كراهية الاضطجاع على البطن [ح2768]. وأحمد في "المسند" [2/287 ح7849]، بلفظ: "ما يحبها"، وقال شعيب الأرنؤوط: "حديث قوي. وظاهر الإسناد أنه حسن... لكن أخطأ فيه محمد بن عمرو فرواه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والصواب: عن أبي سلمة عن يعيش بن طخفة عن أبيه، كما يأتي في "المسند" [3/429-430]. بين ذلك البخاري في "تاريخه" [4/366] وابن أبي حاتم في "العلل" [2/233]". وأخرجه أحمد في "المسند" أيضًا [2/304 ح8028] بإسناد حسنه الأرنؤوط. وابن حبان في "صحيحه" [12/357 ح5549] بإسناد حسنه أيضًا. والحاكم في "المستدرك" [4/302 ح7709]، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي في "التلخيص". وصححه الألباني في تخريجه "مشكاة المصابيح" [رقم 4718]، وفي "صحيح الترغيب والترهيب" [رقم 3079]، وفي "صحيح الترمذي".

[51] انظر: "تحفة الأحوذي" [ج8 ص42].