فعن قتادة عن رجل من خثعم قال قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: "الإشراك بالله"، قال قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: "ثم قطيعة الرحم"، قال: قلت يا رسول الله! ثم مه؟ قال: "ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف" الحديث[1].

تعريف المنكر والمعروف:

عَرَفَهُ يعرفه بالكسر مَعْرِفةً وعِرْفاناً - بالكسر - والعَرْفُ: الريح طيبة كانت أو منتنة، والمَعْرُوفُ ضد المنكر، والعُرْفُ ضد النكر، يقال: أَوْلاه عرفا أي معروفا، والعُرْف أيضًا الاسم من الاعتراف، وقيل: أُرسلْتُ بالعُرْف أي بالمعروف[2]. والمعروف: اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حُسْنه، والمنكر: ما ينكر بهما. قال: ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ ﴾ (آل عمران: 104)، وقال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾ (لقمان: 17) ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ (الأحزاب: 32)؛ ولهذا قيل للاقتصاد في الجود: معروف لما كان ذلك مستحسنا في العقول وبالشرع. نحو ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (النساء: 6) ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ (النساء: 114) ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (البقرة: 241)؛ أي: بالاقتصاد والإحسان، وقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ (الطلاق: 2)، وقوله: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ ﴾ (البقرة: 263)؛ أي: رد بالجميل ودعاء خير من صدقة كذلك، والعرف: المعروف من الإحسان، وقال: ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ (الأعراف: 199)[3].

 

 

والنَّكِرةُ ضد المعرفة، وقد نَكِرهُ بالكسر نُكْرا ونُكُوراً - بضم النون فيهما - وأَنْكَرَهُ واسْتَنْكَرَهُ كله بمعنى، ونَكَّرهُ فَتَنَكَّرَ أي غيَّره فتغير إلى مجهول، والمُنْكَرُ واحد المَنَاكِيرِ، والنَّكِيرُ والإنكارُ تغيير المُنكر، ومُنْكَرٌ ونَكِيرٌ اسما ملكين، والنُّكْرُ المُنْكر، ومنه قوله تعالى: ﴿ لقد جِئتَ شيئا نُكرا ﴾ [الكهف: 74]، وقد يُحرك مثل عُسْر و عُسُر، والإنكارُ الجحود[4]. والإنكار ضد العرفان. يقال: أنكرت كذا ونكرت، وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره، وذلك ضرب من الجهل. والمنكر: كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول؛ فتحكم بقبحه الشريعة، وإلى ذلك قصد بقوله: ﴿الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾ (التوبة: 112) ﴿ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ (المائدة: 79) ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ ﴾ (آل عمران: 104) ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ ﴾ (العنكبوت: 29)، وتنكير الشيء من حيث المعنى جعله بحيث لا يعرف. قال تعالى: ﴿ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ﴾ (النمل: 41)، وتعريفه جعله بحيث يعرف. ونكرت على فلان وأنكرت: إذا فعلت به فعلا يردعه. قال تعالى: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ (الملك: 18)؛ أي: إنكاري. والنكر: الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف، وقد نكر نكارة[5]. وقد سبق تعريفٌ موجز للمنكر فيما مضى.

 

وأصل (المعروف) كل ما كان معروفا فعله جميلا مستحسنا غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله معروفا لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله، وأصل (المنكر) ما أنكره الله ورأوه قبيحًا فعله، ولذلك سميت معصية الله منكرا لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها ويستعظمون ركوبها[6].

 

الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف:

كيف لا، وهذا عكس الفطرة ومقررات الشرع الشريف؟! بل هو منتهى الشر وغايته أن تجد إنسان من حيث أنه خلق لعبادة الله تعالى وحده، لم يكتف بالامتناع من ذلك، بل إنه ينهى عنها ويأمر بضدها؛ فإذا كانت الخيرية إنما تكون بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الشر يكون بعكسه.

 

 

وإذا كان معلومًا أن اليهود مغضوب عليهم فهذا شرٌّ منهم؛ لأن اليهود ﴿ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ (المائدة: 79)، أما هذا فلم يقف عند هذا الحدّ بل تمادى في طريق تحصيل غضب الله تعالى ولعنته وبغضه؛ فراح يحارب الله تعالى.. يأمر بما ينهى الله سبحانه عنه، وينهى عما يأمر - عز وجل - به.

 

 

ثم إن هذه إحدى أخطر صفاتِ المنافقين.. قال تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ ﴾ (التوبة: 67)، و﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾ (النساء: 145).

 

 

وإذا علمنا أن القيامة إنما تقوم على شرار الخلق فلنعلم أن هذه أبرز صفاتهم.. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا؛ فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقُهم حَسَنٌ عيشُهم[7].

 

 

خلاصة هذا السبب:

 

أن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف شرّ الشرور، وأحد أخطر موانع حصول محبة الله عبادَه، ومرتبته في الموانع الثالث بعد الكفر وقطيعة الرحم، وهنا لفتة في كتاب ربنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يُضرب بعضُه ببعض؛ فقد قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ (محمد: 22)، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ﴾ (الحج: 41)؛ فعلّق سبحانه التمكين في الأرض على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع من ذلك من إذا تولَّى أفسد في الأرض وقطع الرحم. فإذا كانت الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوليات أسباب تحصيل محبته سبحانه، كانت قطيعة الرحم والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أوليات موانع حصول محبته لفاعلي ذلك، والله تعالى أعلم.

 

ــــــــــــــــــــــ

[1] [صحيح] سبق تخريجه.

[2] انظر: "مختار الصحاح" (ص467) مادة (ع ر ف).

[3] انظر: "مفردات القرآن" للراغب (ص969).

[4] انظر: "مختار الصحاح" (ص688) مادة (ن ك ر).

[5] انظر: المصدر السابق (ص1483) مختصرا.

[6] انظر: "تفسير الطبري" (ج3 ص389).

[7] أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب/ في خروج الدجال ومكثه في الأرض... (ح2940).