فقال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ﴾ [الجن: 14]. وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ [الجن: 15]. وهي في الآيتين بمعنى "الكافرين".

معنى القسط والإقساط:

القِسْطُ من الأضداد، بمعنى العدل والجور؛ غير أن فعلَه: قَسَط يعني جار فحسب، وأما عدل فيقال لَه: أقسط؛ لكن كلّ ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: "القسط" أو "بالقسط" فمعناه العدل، ولم يأْتِ أبدًا بمعنى الجور، وجاء اسم الفاعل منه في مرّتين كلتيهما بمعنى الجائرين. فقال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ﴾ [الجن: 14]. وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ [الجن: 15]. وهي في الآيتين بمعنى "الكافرين".

 

ثم جاء "أقسَط" أي عدل "وأقسِطوا" أي اعدلوا، وتقسطوا: تعدلوا، والمقسطين: العادلين، وإذا أخذنا في الاعتبار أن القاسطين بمعنى الكافرين حسب آيتي سورة الجن السابقتين يكون من معاني المقسطين المؤمنين، ومما يؤيِّدُ ذلك أن الله سبحانَه أخبر أنه يحبُّ المقسطين، ومعلومٌ أن العادلين لو لم يكونوا مسلمين مؤمنين لم يحبَّهم اللهُ تعالى، والله أعلى وأعلم.

 

وقال المفسِّرون - في تفسير آيتي سورة الجِنِّ السابقتين -: القاسط: الجائر، والمقسط: العادل؛ لأن الأول عادِلٌ عن الحق، والثاني عادل إلى الحق، وقَسَط يعني جار، وأقسط يعني عدَل؛ قال الشاعر:

قومٌ همُ قتلوا ابنَ هندٍ عنْوَةً

عَمْرًا وهُمْ قسَطُوا على النُّعْمَانِ

 

أي: جاروا على النعمان.

 

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة"[1].

 

أولاً: الإقساطُ بين أهل الكتاب:

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42].

 

روى النسائي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وكان النضيرُ أشرَفَ من قريظة، وكان إذا قَتل رجلٌ من قريظة رجلاً من النضير قُتِل بِه، وإذا قَتل رجلٌ من النضير رجلاً من قريظة وَدَى مائةَ وسْقٍ من تَمْر؛ فلما بُعِث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قتل رجلٌ من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا لنقتُلَه؛ فقالوا بيننا وبينكم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فنزلت ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ النفس بالنفس، ونزلت ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ [المائدة: 50][2].

 

وقال الشوكاني:

﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فيه تخيِّيرٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، وقد استُدِلَّ به على أن حكّام المسلمين مخيَّرون بين الأمرين، وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكَّام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمِّي إذا ترافعا إليهم، واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم؛ فذهب قومٌ إلى التخيير وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ ﴾ [المائدة: 49]، وبه قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزُّهْرِي وعُمر بن عبد العزيز والسدي وهو الصحيح من قول الشافعي وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء.

 

قوله: ﴿ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ [المائدة: 42] أي إن اخترت الإعراض عن الحكم بينهم فلا سبيلَ لهم عليك؛ لأنّ الله حافِظُك وناصرُك عليهم، وإن اخترت الحكم بينهم ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾؛ أي بالعدْل الذي أمرك الله به وأنزله عليك.

 

وقوله تعالى -في الآية بعدها-: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ الله ﴾ [المائدة: 43] فيه تعجيبٌ لَه - صلى الله عليه وسلم - من تحكيمهم إيَّاه مع كونهم لا يؤمنون به ولا بما جاء به؛ مع أنَّ ما يُحَكِّمونه فيه هو موجودٌ عندهم في التوراة كالرجْم ونحوه، وإنما يأتون إليه - صلى الله عليه وسلم - ويحكمونه طمَعًا منهم في أن يوافِقَ تحريفَهم وما صنعوه بالتوراة من التغيّير.

 

قوله: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ ﴾ [المائدة: 43] عطفٌ على يحكمونك ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ [المائدة: 43]؛ أي من بعد تحكيمهم لك، وجملةُ قوله: ﴿ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 43] لتقرير مضمون ما قبلها[3].

 

وفيما قبل هاتين الآيتين ذكر الله تعالى صفاتِ اليهود؛ من أنهم سمّاعون للكذب وأكالون للسحت ويحرِّفون كُتُبَ الله، وذكر أنه سبحانه بعث إليهم النبيِّين ومنهم موسى وعسى -عليهما السلام- وأنزل عليهم الكتب ومنها التوراةُ والإنجيل، فلم ينفَعْهم من ذلك شيءٌ، وهم قطعًا لن ينفعهم ما جاء به النبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم - لأنهم لن يؤمنوا به ولن يُقِرُّوا حُكْمَه؛ لكنْ كلُّ هذا في جانبٍ والعدلُ في جانب آخر؛ إذ لابد من العدل بينهم؛ لأنه سبيلٌ للدعوة من جهة، وهو من جهة أخرى قضيِّةٌ قائمةٌ بذاتها ومبدأ مستقل.

 

وهذا أمرٌ بالعدل، وندبٌ إليه، وتحفيزٌ عليه، مع أنّه عدل فيما بين العدو الكافر؛ فما بالُ العدل بين المؤمنين الأولياء! وإذا كان من التقوى التي يحبُّها الله تعالى ويحب فاعليها والمتصفين بها ألا يُغْدَرَ بالمشركين؛ فإن من العدل الذي يحبُّهُ الله ويحب فاعليه والمتصفين به أن يُقْسَطَ بين الكافرين، وكلاهما يتضمنان الوفاء للمسلمين والعدل بينهم بطبيعة الحال، وهو ما يلي في آية سورة الحجرات.

 

 

ثانيًا: الإقساط بين الطائفتين المسلمتين المقتتلتين:

قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الحجرات: 9].

 

وأصحُّ ما رُوِي في أسباب نزول هذه الآية.. عن أنس بن مالكٍ -رضى الله عنه- قال: قلتُ يا نبي الله! لو أتيْتَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ؟ فانطلق إليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فركِب حمارًا وانطلق المسلمون يمشُون، وهي أرضٌ سَبِخةٌ، فلما أتاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال: إليك عنِّي فواللهِ لقد أذاني نَتِنُ حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمارُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أطيَب ريحًا منْكَ؛ فغضِب لعبدِ الله رجُلٌ من قومه، وغضب لكل واحدٍ منهما أصحابُه، فكان بينهم حربٌ بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أُنزل فيهم هذه الآية[4].

 

قالوا: والطائفةُ من الشيء القطعةُ منه، والطائفة الواحِدُ فما فوق، والبغْيُ: التطاول والفساد، وتفيء: أي ترجع إلى أمر الله وكتابِه، وأصلِحوا بينهما: أي احملُوهما على العدْلِ والإنصاف.

 

[قلت]: يعني ذلك ألا يكونَ الحكمُ وَسَطِيًّا بحيث يقطع من حقِّ إحداهما للأخرى حتى ترضى الباغِية؛ لكنْ الحكمُ بالعدل؛ فإن لم تزعن الباغية قاتَلَها إمامُ المسلمين بعامَّتِهم أو بمن فيهم كِفاية، وقد طبقت هذه الآية بحذافيرها في خلافَةِ عليٍّ -رضى الله عنه-، وخاصَّةً في موقعتي الجمل وصفّين؛ فأهل الجمل وأهل صفّين كانوا بغاةً على الإمام وهو عليٌّ -رضى الله عنه-، وكان هو صاحبَ الحقِّ وقد قاتلهم بمن توافَرَ له من المسلمين.

 

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآيةُ أصلٌ في قتال المسلمين، والعمدَة في حرب المتأوّلين[5]، وعليها عوَّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيانُ من أهل الملَّة، وإيّاها عَنَى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "تقتُل عمارًا الفئةُ الباغية"[6]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - -في شأن الخوارج-: "يخرجون على خيرِ فِرْقةٍ من الناس -أو على حين فُرْقة-"[7].

 

والرواية الأولى أصحّ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تقتلهم أولى الطائفتين إلى الحق"[8]، وكان الذي قتَلَهم عليُّ بنُ أبي طالب ومن كان معه، فتقرر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أن عليًّا -رضى الله عنه- كان إمامًا، وأنّ كل من خرج عليه باغٍ، وأن قِتاله واجِبٌ حتى يفيء إلى الحق ويَنْقادَ إلى الصلح... إلى آخر كلام القاضي ابن العربي -رحمه الله تعالى-.

 

والفرْق بين الإقساط في هذه الآية والإقساط في آية المائدة السابقة، هو الفرق بين فقه قتال أهل الذمّة وفقه قتال المسلمين البُغاة، وذلك أنه لا يُقْتَل أسير البغاة ولا يُتبع مدبرهم ولا يذفَّف على جريحهم، ولا تُسبى ذراريهم ولا أموالُهم، وإذا قَتَل العادلُ الباغي أو الباغي العادل وهو وليُّه لم يتوارَثا، ولا يرِث قاتل عملا على حال. وقيل: إن العادل يرثُ الباغي قياسًا على القصاص، وأراه أصحُّ؛ لأنه قتل من حَكَم اللهُ بقتاله؛ فهو أقرب للقصاص منه إلى القتل العمد. وما استهلكه البغاة الخوارج من دمٍ أو مال ثم تابوا لم يُؤخَذوا به، وهو فعل الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم القدوة كما قال القرطبي؛ لكن للأئمة خلافٌ في ذلك، وما نقلناه أصحه. وهذا ليس مخالفًا للعدل كما فَهِمَ الصحابةُ.. كل هذا بخلاف المقاتلين من المشركين والكفار وأهل الكتاب فيُسبون ويُأسَرُون ويُلزَمون بما أتلفوا إن حصل صلحٌ، وتُفرض على الكتابيِّين الجزيةُ عن يدهم صاغرون...إلخ.

 

ثالثًا: الإقساط إلى غير المقاتلين من المشركين وبِرُّهم:

قال تعالى: ﴿ لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].

 

قيل: إن هذه الآية منسوخةٌ بآيةِ براءة ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5]، وقيل هي محكَمَة، ولكلٍّ حُجَّة؛ فالذين قالوا بنسخها قالوا: كان هذا في أوَّل الإسلام عند الموادَعَة وترك الأمر بالقتال، وقالوا: كان هذا الحكم لعلَّةٍ وهي الصلح، وقيل: هي مخصوصةٌ في حلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بينه وبينهم عهْدٌ، وهم خُزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف، وقيل هي مخصوصةٌ في الذين آمنوا ولم يُهاجروا، وقيل نزلت في النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل.

 

وقال أكثر أهل التأويل: هي محكَمَةٌ، واحتجُّوا بحديث أسماء بنت أبي بكر في الصحيحين لمّا قدِمَتْ عليها أمُّها قتيلةُ زوجُ أبي بكر وكان قد طلَّقها فقدِمت على أسماء في المدينة وأهدت إليها أشياء، فاستأذنت أسماءُ النبيَّ في قَبُولها؛ لأن أمَّها كانت على الشِّرْك فقالت: هل تصِلُ أمَّها وهي مشركة؟ قال: "نعم"[9]. وقد عمِل بها بعضُ أهل العلم فيما بعد.

 

والحقُّ أن هذه الآيات الثلاث [المائدة: 42، والحجرات: 9، والممتحنة: 8] تُفَصِّلُ أحكامَ القسط والعدل، وتتكامل فيما بينها، وتدُلُّ على تفصيل القرآن الكريم كلِّ شيءٍ كأحسن ما يكونُ التفصيل، وحكُمُه في كل شيءٍ بأحكم وأحسن وأصح ما يكون الحكم؛ فتُبيِّن الأولى الحكمَ على الكفار والحكم بينهم، وتبيِّن الثانيَةُ الحكم على بغاة المسلمين والحكمَ بينهم، وتبيِّن الثالثة الحكم على غير المقاتلين أيًّا كان نوعُهُم والحكمَ بينهم، شريطةَ أن يكون كلُّ ذلك الحكم بالعدل والقسط. على أن العدل والقسط في كل ذلك هو ما وَرَد في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والقياسَ عليه قياسًا صحيحًا وليس بما يحلو للحاكم، وقد شرحنا كلاًّ في موضعِه فلا حاجة لإعادته.

 

رابعًا: الاعتدالُ في الدين والدنيا جميعا:

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - عز وجل - وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا"[10].

 

قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث:

أما قوله "وَلُوا" فبفتح الواو وضم اللام المخففة؛ أي كانت لهم عليه وِلاية، والمقسطون هم العادلون، وقد فسَّره في آخر الحديث.. وأما المنابر فجمع مِنبر، سُمِّي به لارتفاعه، قال القاضي: يحتمل أن يكونوا على منابرَ حقيقةً على ظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون كنايةً عن المنازل الرفيعة، قلت: الظاهر الأوَّل، ويكون متضمنًا للمنازل الرفيعة؛ فهم على منابر حقيقة ومنازلهم رفيعة. أما قوله - صلى الله عليه وسلم - "عن يمين الرحمن" فهو من أحاديث الصفات[11].. قال القاضي عياض: المراد بكونهم عن اليمين الحالة الحسنة والمنـزلة الرفيعة، قال: قال ابن عرفة يقال أتاه عن يمينه إذا جاءه من الجهة المحمودة، والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين وضدَّه إلى اليسار، قالوا واليمين مأخوذة من اليُمْن. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - "وكلتا يديه يمين" فتنبيهٌ على أنه ليس المراد باليمين جارحة[12]، تعالى الله عن ذلك؛ فإنها مستحيلةٌ في حقِّه - عز وجل -. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - "الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" فمعناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلَّدَه من خلافةٍ أو إمارة أو قضاء أو حِسْبة، أو نظَرٍ على يتيم أو صدقة أو وقْف، وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك، والله أعلم[13].

 

وأما عن مجيئنا بهذا الحديث وليس فيه ذكر محبة الله للمقسطين صراحة؛ فلأنه ليس أدلَّ على محبَّتِه سبحانه إيَّاهم وتقريبِه تعالى لهم من كوْنِهم "عندَ الله" وكونهم "على منابرَ من نور"، وكونهم "عن يمين الرحمن"؛ فهذا كالتصريح بالمحبَّة والوَلاية.

 

خلاصة هذا السبب:

أنه يجب الإقساط والعدل في القضاء وفي الحرب وفي السلم، أي في كلِّ حال..

1- ففي القضاء يجب الإقساط بين أهل الكتاب إن تحاكموا إلينا؛ فكيف بالمسلم الذي يختصم مع أخيه المسلم إلى قاضٍ مسلم؟!

2- وفي الحرب يجبُ الإقساط بين الطائفتين المسلمتين المقتتلتين.. لا نميل مع أيِّهما بل نُحِقُّ الحق ونبطل الباطل، وننصر الطائفة المظلومة على الطائفة الظالمة.

3- وفي السلم يجب الإقساط إلى غير المقاتلين من المشركين وبرُّهم، لا يمنعنا من ذلك دينُنا بل هو نفسه الذي يحضُّ على ذلك.

 

4- والخلاصة أنه يجب الاعتدال في أمور الدين والدنيا جميعًا؛ فإن مجرّد العدل فضيلةٌ ومكرمة يحبها الله تعالى ويحب صاحبها؛ لكن بشرط أن يكون مؤمنًا مسلمًا. والله المستعان على القاسطين والظلمة.

 

 

[1] أخرجه مسلم في الإمارة [ح1827] عن عبدالله بن عمرو مرفوعًا بلفظ "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - عز وجل - وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"، وليس فيه "في الدين" ولعلها مدرجة.

[2] أخرجه النسائي في التفسير [8/18 ح4732]، وفي "الكبرى" [ح6934]، والدارقطني في "السنن" [3/198 ح344]، وصححه ابن حبان [11/442 ح5057] من طريق: عبيد الله بن موسى قال أنبأنا علي وهو بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس فذكر.

[قلت]: رواية سماك عن عكرمة مُتَكلَّم فيها، قال الحافظ ابن حجر عن سماك: "صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما تلقن". وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" [3/83] لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" عن ابن عباس.

[3] انظر: "فتح القدير" [ج2 ص62-63].

[4] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الصلح [ح2691]، ومسلم في الجهاد والسير [ح1799] من حديث أنس رضي الله عنه.

[5] يعني الخارجين على الإمام بتأوُّلٍ فاسدٍ، وهم الخوارِج.

[6] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الصلاة [ح447] ومواضع أخرى، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة [ح2915] من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[7] [صحيح] أخرجه النسائي في "الكبرى" [ح8560]، وأبو نعيم في "مستخرجه على صحيح مسلم" [ح2377]، والبيهقي في "السنن" [8/170] من طريق: ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك الهمذاني أن أبا سعيد قال بينا نحن ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قسما إذ أتاه، فذكره مطولا. وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ.

[8] [صحيح] أخرجه النسائي في "الكبرى" [ح8554-8559] من حديث أبي سعيد.

[9] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الهبة [ح2620]، ومسلم في الزكاة [ح1003] من حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما.

[10] أخرجه مسلم في الإمارة [ح1827] من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.

[11] تنبيه هام: اتفق أهل السنة والجماعة على إثبات اليد صفة لله تعالى، كما أثبتها لنفسه؛ بلا تأويل أو تشبيه أو تعطيل، واتفقوا أيضا على أن يديه اثنتان كما قال تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة: 64]، وقوله: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ [ص: 75]. وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وكلتا يديه يمين". واختلفوا في إطلاق الشمال على قولين أصحهما الجواز، وهو قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي والقاضي أبي يعلى والإمام ابن جرير فيما يظهر من تفسيره سورة الزمر، ومن المتأخرين الإمام محمد بن عبدالوهاب، وحجتهم الأحاديث التي ورد فيها ذكر الشمال. وذهب آخرون إلى عدم جواز ذلك، وهو قول إمام الأئمة ابن خزيمة والخطابي والبيهقي. واحتج هؤلاء بحديث "وكلتا يديه يمين"، وزعم بعضهم أن هذا الحديث معارض لأحاديث الشمال، وهو أقوى منها، والتحقيق أنه لا تعارض بينها.. قال العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- في تعليقه على "كتاب التوحيد": "وفي هذا إثبات الصفات، وأنه سبحانه له يمين وشمال، وأن كلتا يديه يمين، كما في الحديث الآخر، وسمى إحداهما يمينا والأخرى شمالا من حيث الاسم، ولكن من حيث المعنى والشرع كلتاهما يمين، وليس في شيء منهما نقص". نقلا من كتاب "قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر" لمحمد صديق حسن خان القنوجي [ص76].

[12] في هذا تفصيل يطول، وهي قضية خلاف بين أهل السنة ومن عداهم، فارجع إليه في كتب العقيدة، وراجع الحاشية السابقة.

[13] انظر: "شرح النووي على مسلم" [ج12 ص211-212].