من أسباب محبة الله تعالى عبدًا اتباع النبي ومحبته وآل بيته (1) خاصة: علي وفاطمة والحسن والحسين - رضي الله عنهم - جميعًا

 

أولاً: اتّباع النبي - صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]، قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادعى محبّة الله وليس هو على الطريقة المحمديّة؛ فإنه كاذبٌ في دعواه تلك حتى يتبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأفعاله"[1].

 

والإنسان لا يفرغ طول حياته من العمل، ولو كان مجرّد فكرة تخطر على قلبه وتشغله وتستغرقه، لكنّ عملَه هذا إما مقبولٌ وإما مردود، وللعمل المقبول اشترط العلماء شرطين؛ هما الإخلاص والاتباع، وإلا رُد على صاحبه.

 

فـ "الإخلاص ومتابعة السنة شرطان لقبول العمل؛ قال الله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [الملك: 2]، قال الفضيل بن عياض: هو أخلصُه وأصوبُه. قالوا: يا أبا عليٍّ! ما أخلصُه وأصوبُه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ [الكهف: 110]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [النساء: 125]؛ فإسلام الوجه: إسلام القصد والعمل لله، والإحسان فيه متابعةُ رسولِه - صلى الله عليه وسلم- وسنتِه، وقال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾ [الفرقان: 23]، وهي الأعمال التي كانت على غير السنة أو أُرِيد بها غير وجه الله[2].

 

وقد سبق أن تحدَّثنا عن قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32] في الباب السابق، وقلنا: إن عدم طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم- مانعٌ من محبته تعالى المعرضَ عن طاعته، كما أنه - والعياذ بالله - كفر.

 

أ- اتباع السنة، والفرق بينها وبين البدعة[3]: فالشرط الثاني لقبول العمل أن يكون هذا العمل مطابقًا لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ"[4]، وفي رواية لمسلم: "من عمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ"[5]، وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، فكما أن حديث "الأعمال بالنيات"[6] ميزانٌ للأعمال في باطنها فهذا الحديث ميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن كلّ عمل لا يراد به وجهُ الله تعالى فليس لعامله فيه ثوابٌ فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسولِه فهو مردودٌ على عامله، فقوله "ليس عليه أمرُنا" إشارةٌ إلى أن أعمال العاملين كلَّها ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها؛ فمن كان عمله جاريًا تحت أحكام الشريعة موافقًا لها فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود.

 

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- عن السبيل التي ينبغي للعباد أن يسلكوها حتى لا يكونوا يوم القيامة من المغبونين؛ ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ [الكهف: 104]؛ فقال - صلى الله عليه وسلم- في حديث العرباض بن سارية: "فإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كلَّ بدعةٍ ضلالة"[7].

 

فهذا إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - بما وقع في أمَّته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافقٌ لما رُوِيَ عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار إلا واحدة، وهي ما كان عليه وأصحابه[8]، ففي هذا الحديث أمرٌ عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوكة، فيَشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة؛ ولهذا كان السلف لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كلَّه، وقوله: "عَضُّوا عليها بالنواجذِ"، كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: الأضراس.

 

وقوله: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة"، تحذير للأمَّة من اتباع الأمور المحدَثة والمبتَدَعة، وأكَّد ذلك بقوله: "كل بدعة ضلالة"، فقوله: "كل بدعة ضلالة" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ، وهو أصلٌ عظيم من أصول الدين شبيهٌ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ"[9].

 

فكل من أحدَث شيئًا ونسبه إلى دينٍ، ولم يكن له أصل في الدين يرجع إليه، فهو ضلالة والدين بريءٌ منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر - رضي الله عنه - لَما جمَع الناسَ في قيام رمضان على إمامٍ واحد في مسجدٍ، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: "نعمتِ البدعةُ هذه"[10]، فهذا الفعل وإن لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكنْ له أصلٌ في الشرع يُرجع إليه[11]، فمِنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحثُّ على قيام رمضان ويرغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقة ووُحدانًا، وهو - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بأصحابه غيرَ ليلةٍ ثم امتنع من ذلك، معلِّلاً بأنه خَشِي أن يُكتب عليهم، فيَعجِزوا عن القيام به، ومنها أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر باتباع سُنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين.

 

وقد روى الحافظ أبو نُعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد، قال: سمعت الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة، فهو محمود، وما خالف السنة، فهو مذموم[12]، واحتجَّ بقول عمر - رضي الله عنه -: نعمت البدعة هذه.

 

وقال ابن رجبٍ - رحمه الله تعالى -: ومراد الشافعي - رضي الله عنه - أن أصل البدعة المذمومة ما ليس له أصلٌ في الشرع ترجِع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني ما كان له أصلٌ من السنة يرجع إليه، وإنما هي بدعةٌ لغةً لا شرعًا لموافقتها السنة.

 

وفي هذه الأزمان التي بَعُد العهد فيها بعلوم السلف، يتعيَّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كله؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث في ذلك بعدهم، فيعلم بذلك السنة من البدعة، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدثةً، فعليكم بالعهد الأول"[13]، وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.

 

وروى ابن حميد عن مالك قال: لم يكن شيءٌ من هذه الأهواء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان، وكان مالك يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرُّق في أصول الديانات من أمور الخوارج والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمَّة، أو عكس ذلك من الزعم بأن المعاصي لا تضرُّ أهلَها، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.

 

وقد أمر الله - عز وجل - باتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ﴾ [الأحزاب: 36]، بل جعل الله - عز وجل - اتباع سنة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - علامةً على محبَّتِه - عز وجل - فقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ ﴾ [آل عمران: 31] الآية.

 

قال الحسن البصري: ادَّعى ناسٌ محبّة الله - عز وجل - فابتلاهم بهذه الآية: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ الآية.

 

قال الزهري: الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة - كما قال مالك -: مثل سفينة نوح، مَن ركِبها نجا، ومن تخلَّف عنها هلَك، وعن سفيان قال: لا يُقبل قولٌ إلا بعملٍ، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنيَّة، ولا يستقيم قول وعمل ونيَّة إلا بموافقة السنة، وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نَسُك، أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها، وعن المعتَمر بن سليمان قال: دخلت على أبي وأنا منكسرٌ، فقال لي: ما لَك؟ قلت: مات صديقٌ لي، فقال: مات على السنة؟ قلت: نعم، قال: تحزن عليه، وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا، فإنهم غُرَباء.

 

ب- الأخبار في ذمِّ البدع والمبتدعين: قال الله تعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: 105-106] قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: تبيضُّ وجوهُ أهل السنة والائتلاف، وتسوَدُّ وجوه أهل البدعة والاختلاف.

 

وعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من رغِبَ عن سنتي، فليس مني"[14]، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا فرطكم على الحوض، وليختلجِنَّ رجالٌ دوني فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدَثوا بعدك"[15]، وفي حديث العرباض بن سارية قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة"[16]، وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "اتبعوا ولا تَبتدعوا، فقد كُفيتم"[17]، وعن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله - عز وجل - بعدًا، وعن سعيد الكويري قال: مرِض سليمانُ التَّيْمي، فبكى في مرضه بكاءً شديدًا، فقيل له: ما يُبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكن مررت على قَدَرِيٍّ، فسلَّمت عليه، فأخاف أن يحاسبَني ربِّي عليه، وعن الفضيل قال: إذا رأيتَ مبتدعًا في طريق، فخُذ في طريقٍ آخر، ولا يرفع لصاحب بدعة إلى الله - عز وجل - عملٌ، ومن أعان صاحبَ بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام[18].

 

• فإن قال قائل: قد مدحت السنة وذممت البدعة، فما السنة وما البدعة، فإنا نرى كل مبتدع يزعم أنه من أهل السنة؟

 

فالجواب: أن السنة - في اللغة -: الطريق، ولا ريب في أن أهل النقل والأثر المتتبِّعين آثارَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثار أصحابه - رضي الله عنهم - هم أهل السنة؛ لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم.

 

والبدعة: عبارة عن فعلٍ لم يكن - يعني على عهد الصحابة - رضي الله عنهم - فابتُدِع، والأغلب في المبتَدَعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نُقصان، فإن ابتُدِع شيءٌ لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها، فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع، وإن كان جائزًا، حفظًا للأصل وهو الاتباع، وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - حين قالا: اجمَع القرآن: كيف تفعلان شيئًا لم يفعلْه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم [19].

 

وعن أبي البختري قال: أخبر رجلٌ عبدالله بن مسعود أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجلٌ يقول: كبِّروا الله كذا وكذا، وسبِّحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبدالله: فإذا رأيتَهم فعلوا ذلك، فأْتِني فأخبرني بمجالسهم، فأتاهم فجلس فلما سمِع ما يقولون قام، فأتى ابن مسعود فجاء وكان رجلاً حديدًا، فقال: أنا عبدالله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره، لقد جئتم ببدعةٍ ظلمًا، ولقد فضلتم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - علمًا، فقال عمر بن عتبة: أستغفر الله، فقال: عليكم بالطريق، فالزمُوه ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً، لتضلُنَّ ضلالاً بعيدًا[20].

 

وفي الصحيحين عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرُّهم من خذَلهم، حتى يأتيَ أمرُ الله وهم كذلك"[21]، وقال شامة عن مبارك عن الحسن البصري: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها - رحمكم الله - فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقِيَ، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتْراف في إترافهم، ولا مع أهل البِدَع في بدعهم، وصبَروا على سُنتهم حتى لقَوْا ربهم، فكذلك إن شاء اللهُ فكونوا.

 

فهؤلاء هم أهلُ السنة والجماعة والطائفةُ المنصورة إلى أن تقومَ الساعة، فنسألُ الله - عز وجل - أن يجعلَنا منهم، وأن يحشرنا في زمرتهم بمنِّه وكرمه[22].

 

وقد توسطت هذه الآية من سورة آل عمران وَسْطَ آياتٍ تَنهى عن مُوَالاة المؤمنين الكافرين، وتأمر بطاعة الله ورسوله، التي فيها بطبيعة الحال تنفيذُ النهي عن تلك الموالاة؛ ولذا قال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: هذه الآية هي الميزانُ التي يعرف بها من أحبَّ الله حقيقة، ومن ادَّعى ذلك دعوى مجرَّدة، فعلامةُ محبّة الله اتباعُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - الذي جعل متابعتَه وجميع ما يدعو إليه طريقًا إلى محبته ورضوانه، فلا تنال محبة الله ورضوانُه وثوابُه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة، وامتثالِ أمرهما واجتناب نهيهما، فمن فعل ذلك أحبَّه الله وجازاه جزاء المحبين، وغفر له ذنوبه، وستر عليه عيوبه؛ فكأنه قيل: ومع ذلك فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32][23].

 

وقد تناولنا الآية الأخيرة[24] في باب الموانع الفائت، وخلصْنا إلى أن متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليست بالخيار، وإنما هي فرضٌ على التعيين؛ لأن كل الطرق إلى الله مسدودة إلا من طريقه - صلى الله عليه وسلم - لكن هل هذا فيمن يتنكَّب طريقًا غير طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جملة؟ أم من يقتفي أثره أحيانًا وغير أثره أحيانًا؟

 

فالجواب أنه انقسم الناس إلى قسمين: مسلمين، وهم أتباع النبي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وكفار وهم من لم يرضوا بالمسير خلفه، ثم انقسم المسلمون إلى أهل سنة وأهل بدعة؛ فأهل السنة يحرصون على اتباع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل البدعة يتبعونه أحيانًا ويبتدعون لهم طرقًا أحيانا أخرى، وكلٌّ يُحصِّل من محبّة الله تعالى بقدر ما يتبع شريطة الإخلاص، ومنهم من لا يحصل إلا بغضه ومَقته - أعاذنا الله منه، وذلك بمنطوق هذه الآية والآيات قبلها وبعدها، والله أعلى وأعلم.

 

يتبع،،

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: "مختصر تفسير ابن كثير" [ج1 ص227].

[2] انظر: لفضيلة الشيخ الدكتور أحمد فريد: "البحر الرائق في الزهد والرقائق" ط. دار الإيمان - الإسكندرية [ص13].

[3] انظر: "البحر الرائق في الزهد والرقائق" [ص21 -24 ]، بتصرف، وقد رأيت أن أنقله بتمامه لما فيه من فائدة.

[4] [صحيح] تقدم تخريجه مرارًا، والرد بمعنى المردود؛ أي: فهو باطل غير معتد به، [من "البحر الرائق" هامش1 ص21].

[5] [صحيح] تقدم تخريجه مرارًا.

[6] [صحيح] تقدم تخريجه.

[7] [صحيح] أخرجه أبو داود في السنة [ح4607 ]، والترمذي في العلم [ح2676]، والنسائي في صلاة العيدين [ح1578]، وابن ماجه في المقدمة [ح42] من حديث العرباض بن سارية، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

[8] [صحيح] أخرجه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" [1/100]، قال: "حديث ثابت: إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة ويزيدون عليها ملة، قال في حديث ثابت: وأمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة، فقالوا: يا رسول الله، وما هي، وفي حديث ثابت: فقيل له: من الواحدة؟ قال: الذي أنا عليه وأصحابي، وفي حديث ثابت، فقال: ما أنا عليه وأصحابي"، ثم أسند هذه الأحاديث.

[9] [صحيح] سبق تخريجه.

[10] أخرجه البخاري في صلاة التراويح [ح2010]، ومالك في الموطأ [ح252] عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثلَ، فجمعهم على أُبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله".

[11] راجع : تحقيق العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى - حول هذه القضية في رسالته "صلاة التراويح".

[12] أخرجه أبو نعيم في "الحِلية" [9/113].

[13] أخرجه المروزي في "السُّنة" [ح80].

[14] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في النكاح [ح5063]، ومسلم في النكاح [ح1401] من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه.

[15] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الرقاق [ح6576]، ومسلم [2297] من حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه.

[16] [صحيح] سبق تخريجه.

[17] [صحيح موقوف] أخرجه الدارمي [1/80]، والمروزي في "السنة" [1/28]، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" [1/186] من طريق الأعمش عن حبيب بن ثابت عن أبي عبدالرحمن السُّلمي عن عبدالله بن مسعود موقوفًا عليه، وقال الهيثمي في المَجمع [1/181]: "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح".

[18] انظر: "البحر الرائق" [ص24-25].

[19] أخرجه البخاري في تفسير القرآن [ح4679]، والترمذي في التفسير [ح3103] من طريق عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه.

[20] [صحيح موقوف] أخرجه الدرامي [1/68]، والطبراني في "الكبير" [9/125-126]، وعبدالرزاق في مصنفه [3/221-222]، وابن أبي عاصم في "الزهد" [ص358]، وأبو نعيم في "الحلية" [4/381] من طريق: عطاء بن السائب عن أبي البختري، قال: أخبر رجل عبدالله بن مسعود أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول، فذكره.

[21] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب [ح7311]، ومسلم في الإمارة [ح1920 و1037] من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه.

[22] انظر: "البحر الرائق" [ص25-27].

[23] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" ص117.

[24] هي الآية [32] من سورة آل عمران.