روى البخاري عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ رجل على فضل ماءٍ بالطريق يمنعُ منه ابنَ السبيل، ورجلٌ بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنياه إن أعطاه ما يريد وَفَى له وإلا لم يفِ له، ورجلٌ بايعَ رجلا بسلعةٍ بعد العصر فحلَف بالله لقد أَعطى بها كذا وكذا فصدّقه فأخذها ولم يُعطِ بها"[1].

قال الحافظ في الفتح:

 

 قوله "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة" زاد جرير عن الأعمش "ولا ينظر إليهم"، وسقط من روايته "يوم القيامة".. قال: وفي رواية عبد الواحد "لا ينظر الله إليهم يوم القيامة"، وسقط من روايته "ولا يكلمهم"، وثبت الجميع لأبي معاوية عن الأعمش عند مسلم[2] على وفق الآية التي في آل عمران[3]، وقال في آخر الحديث ثم قرأ هذه الآية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ [آل عمران: 77]، يعني إلى آخر الآية.

 

قال: أخرج مسلم[4] هذا الحديث من رواية الأعمش أيضًا؛ لكن عن شيخٍ له آخر بسياق آخر، فذكر من طريق أبي معاوية ووكيع جميعًا عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة كصدر حديث الباب؛ لكن قال: "شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذّاب، وعائلٌ مستكبِر"[5]، والظاهر أن هذا حديث آخر أخرجه من هذا الوجه عن الأعمش؛ فقال عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنّان الذي لا يُعطي شيئًا إلا منَّه، والمنفِق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره"[6]، وليس هذا الاختلاف على الأعمش فيه بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده بثلاثة طرق.

 

قال: ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرًا؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب مغايرٌ للذي حلف لقد أعطى بها كذا؛ لأن هذا خاصٌّ بمنْ يكذب في أخبار الشراء، والذي قبله أعم منه فتكون خصلة أخرى[7].

 

فهذه الخصال هي:

رجل على فضل ماءٍ بالطريق يمنعُ منه ابنَ السبيل، ورجلٌ بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنياه إن أعطاه ما يريد وَفَى له وإلا لم يفِ له، ورجلٌ بايعَ رجلا بسلعةٍ بعد العصر فحلَف بالله لقد أَعطى بها كذا وكذا فصدّقه فأخذها ولم يُعطِ بها، وشيخٌ زانٍ، وملكٌ كذّاب، وعائلٌ مستكبِر، والمنّان الذي لا يُعطي شيئًا إلا منَّه، والمنفِق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره.

 

وسنقتصر في الكلام على الصفات التي تمنع صاحبها من محبَّته تعالى بصريح النصوص، وهي:

 

(1) الزنا من الشيخ:

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أربعة يبغضهم الله - عز وجل -"، وذكر منهم "الشيخ الزاني"[8]. وقال: "إن الله - عز وجل - يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة؛ يبغض الشيخ الزاني..."[9]. وفي حديث الثلاثة الذين يحبهم الله والثلاثة الذين يبغضهم: "والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني..."[10].

 

أ- حد الشيخ: قال الفيومي:

الشَّيْخُ فوق الكهل، وجمعه شُيُوخٌ وشِيخَانٌ بالكسر، وربما قيل: أَشْيَاخٌ وشِيخَةٌ مثل غِلْمة، والشَّيْخُوخَةُ مصدر شَاخَ يَشِيخُ، وامرأة شَيْخَةٌ، والمَشْيَخَةُ اسم جمع للشيخ، وجمعها مَشَايِخُ[11]. وقال الفيروزابادي: الشَّيْخُ والشَّيْخُونُ من اسْتَبانت فيه السِّنُّ أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين... وشاخ يشِيخ شَيَخًا -محرّكة- وشُيُوخَةً وشُيوخِيَّة وشيخوخة وشيخوخيَّة، وشَيَّخ تَشْييخا وتَشَيَّخَ[12]. وقال الراغب: يقال لمن طعن في السن الشيخ، وقد يعبَّر به فيما بيننا عمن يكثر علمُه لما كان من شأن الشيخ أن يكثر تجاربُه ومعارفُه، ويقال: شيخٌ بيِّن الشيخوخة والشيخ والتشييخ.. قال الله تعالى: ﴿ هَذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ [هود: 72]، ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [القصص: 23][13].

 

وقال المباركفوري: يحتمل أن يراد بـ"الشيخ" الشيبة ضد الشاب، وأن يراد به المحصَن ضد البِكر، كما في الآية المنسوخة [الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم][14].

 

ب- زنا الشيخ:

قال المباركفوري: وإنما خصّ الشيخ وأخويه[15] بالذكر لأن هذه الخصال فيهم أشد مَذَمّة وأكثر نُكْرة[16].

 

وقال المناوي: "والشيخ الزاني"؛ أي الرجل الذي قد أمسى وهو مُصِرٌّ على الوطء بغير عقدٍ شرعيّ، ومثله الشيخة الزانية[17]. وقال: والشيخ الزاني عمّر عمرا يحصل به الانـزجار، واستولت [عليه] أسباب الضعف، وكلها حاجزة عن الزنا، فأبى سوء طبعه إلا التهافت في معصية ربه... وتعبيره بالبغض في هذه الأربعة وبعدم النظر في الأربعة قبلها[18] يؤذن بأن هذه أقبح من تلك: فإن البغض أشدّ. ألا ترى أن الشخص قد لا ينظر إلى الشيء ويعرض عنه احتقارًا وعدم مبالاة به ولا يبغضه؟[19]. وقال أيضًا: وسر ذلك أن الزنا من الشيخ لا عذرَ له فيه البتة؛ لأن شهوته قد ضعفت وقواه انحطت، فوقوع الزنا منه ليس إلاّ لكونه مفسدًا بالطبع؛ فالفساد ذاتيٌّ له يستحق بسببه الطرد والإبعاد، وأما الشاب فله فيه عذر ما[20]؛ لمنازعته الطبيعة وغلبة الشهوة عليه. والشيخة الزانية كالشيخ الزاني[21].

 

وقال النووي: وأما تخصيصه - صلى الله عليه وسلم - الشيخ الزانى والملك الكذاب والعائل المستكبر بالوعيد المذكور، فقال القاضي عياض: سببه أن كل واحدٍ منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعدها منه، وعدم ضرورتِه إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحد بذنبٍ[22]؛ لكن لَمَّا لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورةٌ مزعجة، ولا دواعٍ معتادة أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى وقصد معصيته لا لحاجةٍ غيرها؛ فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مر عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك عنده ما يريحه من دواعي الحلال فى هذا، ويخلي سره منه؛ فكيف بالزنى الحرام؟! وإنما دواعي ذلك الشباب والحرارة الغريزية وقلة المعرفة وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل وصغر السن[23].

 

أما الأحاديث التي تذكر من ضمن من يبغضهم الله "الشيخ الجهول"[24] فهي ضعيفة، ولذا فلن نقف حيالها، وإن كان الجهل منكَرًا وهو في الشيخ أنكر؛ إذ كيف يعيش هذا العمر المديد والسنين الطوال لا يتعلّم دينَه؟! والعجيب في زماننا أن ترى الأب والأم يستميتان في تعليم ابنهما في حين لا يكاد يمسك أحدُهما بكتاب يقرأه، وقد لا يعرفان القراءة أصلاً، والله تعالى يقول: ﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ [التحريم: 6] فقدّم النفس على الأهل، فلينظر أحدُهم إلى القيامة.. هل يعطي ولدَه حسنة؟!

 

(2) الكذب والجور من المَلِك:

عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أربعة يبغضهم الله: البياع الحلاف، والفتى المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر"[25].

 

أ- حد المَلِك: قال الرازي:

فهو مليك ومَلْك ومَلِك؛ مثل فَخْذٍ وفَخِذ كأن المَلْك مُخفف من مَلِك، والمَلِك مقصور من مَالِك أو مَلِيك، والجمع المُلُوكُ والأَملاكُ، والاسم المُلْكُ، والموضع مَمْلَكَة[26]. ومَلَكَ على الناس أمرَهم إذا تولى السلطنة، فهو "مَلِكٌ" بكسر اللام وتخفف بالسكون، والجمع "مُلُوكٌ"؛ مثل فلس وفلوس، والاسم "المُلْكُ" بضم الميم[27].

 

ب- عاقبة الملك الجائر والكذاب والغاش لأمته:

قال الإمام الذهبي -في "الكبائر"-: الكبيرة السادسة عشرة: غِش الإمام الرعية وظلمه لهم؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 42]، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: 42-43]، وقال الله تعالى: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227]، وقال الله تعالى: ﴿ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 79]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا"[28]، وقال - عز وجل -: "الظلم ظلمات يوم القيامة"[29]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"[30]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما راع غشّ رعيته فهو في النار"[31]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من استرعاه الله رعيّة ثم لم يحِطها بنصيحة إلا حرّم الله عليه الجنة"[32].. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ويلٌ للأمراء، ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنيَنّ أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريّا يعذبون ولم يكونوا عملوا من شيء"[33].. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أمير عشرةٍ إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولةً يده إلى عنقه إما أطلقه عدله أو أوبقه جوره"[34]، ومن دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم مَن وَلِي من أمر هذه الأمة شيئًا فرفق بهم فارفق به ومن شفق عليهم فاشفق عليه"[35]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من ولاّه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره"[36]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سيكون أمراء فسقة جورة فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض"[37].. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"[38]، "ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا"[39]، وفي الحديث أيضا: "من لا يَرحم لا يُرحم"[40].. "لا يرحم الله من لا يرحم الناس"[41]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإمام العادل يظلّه الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"[42]، وقال: "المقسطون على منابر من نور والذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"[43]، ولما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذًا -رضى الله عنه- إلى اليمن قال: "إيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب"[44]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة" فذكر منهم "الملك الكذاب"[45]، وقال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة"[46]، وفيه أيضًا: "وإنا والله لا نُوَلِّي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه"[47]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا كعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء، أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنُّون بسنتي"[48].. وقال عمر بن المهاجر: قال لي عمر بن عبد العزيز -رضى الله عنه-: إذا رأيتني قد مِلْت عن الحق فضع يدك في تِلبابي ثم قل: يا عمر ما تصنع[49].

 

قال الإمام الذهبي: يا راضيًا باسم الظالم كم عليك من المظالم، السجن جهنم، والحق الحاكم، ولا حجَّة لك فيما تخاصم، القبر مهول فتذكر حبسك، والحساب طويل فخلِّص نفسك، والعمر كيومٍ فبادر شمسَك.. تفرح بمالِك والكسب خبيثٌ؟ وتمرح بآمالك والسير حثيث؟! إن الظلم لا يترك منه قدر أنملة؛ فإذا رأيت ظالما قد سطا فنم له فربما بات فأخذت جنبه من الليل نملة، أي قروح في الجسد[50].

 

(3) كثرة الحلف، والحلف الكاذب، من التاجر والبياع:

 

عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: بلغني عن أبي ذر حديث، فكنت أحبّ أن ألقاه، فلقيته فقلت له: يا أبا ذر بلغني عنك حديث فكنت أحب أن ألقاك فأسألك عنه، فقال: قد لقيت فاسأل، قال: قلت بلغني أنك تقول سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ثلاثة يحبهم الله - عز وجل -، وثلاثة يبغضهم الله - عز وجل - قال: نعم، قال: فما أخالني أكذب على خليلي محمد - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا يقولها... قال: قلت من الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: "الفخور المختال -وأنتم تجدون في كتاب الله - عز وجل - ﴿إِنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ - والبخيل المنان، والتاجر والبيّاع الحلاّف"[51]. وفي حديث: قلت: ومن هؤلاء الذين يشنؤهم الله؟ قال: "التاجر الحلاف -أو قال: البائع الحلاف- والبخيل المنان، والفقير المختال"[52]. وفي رواية على شرط مسلم: قلت: فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: "المختال الفخور، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنـزل ﴿إِنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾"، قلت: ومن؟ قال: "البخيل المنّان"، قال: ومن؟ قال: "التاجر الحلاف، أو البائع الحلاف"[53].

 

"والذين يشنؤهم الله" -أي يبغضهم- و"التاجر الحلاّف" -بالتشديد- صيغة مبالغة؛ أي الكثير الحلف على سلعته، وفيه إشعار بأن القليل الصدق ليس محلاًّ للذم[54]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.. المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"[55].

 

قال النووي: "والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" -وفى رواية "المنّان الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّه"- وأما الحالف كاذبًا بعد العصر فمستحق هذا الوعيد، وخص ما بعد العصر لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار وغير ذلك[56].

 

وقد تكلّمنا على من في هذه الأحاديث من غير الثلاثة المذكورين هنا؛ كالفقير المختال، والغني البخيل، والمنّان، وغيرهم؛ فلا حاجة لإعادته هنا.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الشهادات [ح2672]، ومسلم في الإيمان [ح108] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه مسلم في الإيمان [ح138] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[3] يعني قوله تعالى: ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77].

[4] أخرجه مسلم في الإيمان [ح106] من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

[5] أخرجه مسلم في الإيمان [ح107] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه مسلم في الإيمان [ح106] من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

[7] انظر: "فتح الباري" [13/201-202] مختصرا.

[8] [صحيح] أخرجه النسائي في الزكاة، باب/ الفقير المختال [ح2576] أخبرنا أبو داود قال حدثنا عارم قال حدثنا حماد قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربعة يبغضهم الله - عز وجل -؛ البياع الحلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر" صححه ابن حبان في صحيحه [ح5558].

[9] [صحيح] أخرجه أحمد في "المسند" [5/153] من طريق: عبد الملك بن عمرو حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فذكر الحديث بطوله. خالفه مؤمل: حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي عن رجل عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فذكر الحديث. عند الإمام أحمد أيضًا [5/153] بعد الحديث السابق مباشرة، فكأنه أراد أن يبين أن الحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أن فيه علة الانقطاع بين ربعي بن حراش وبين أبي ذر - رضى الله عنه -، وأن الراوي مجهول، مما يعل الحديث، لكن أخرجه ابن أبي شيبة [5/289 ح19311]، وأحمد [5/153 ح21682]، والترمذي [ح2568]، والنسائي [3/207] و[5/84]، وفي "الكبرى" [ح1316 و2362 و7099]، وابن خزيمة [ح2456 و2564]، وابن حبان [ح3349 و3350 و4771] جميعًا من طريق: منصور، قال: سمعت ربعي بن حراش، يحدث عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر الغفاري - رضى الله عنه -، فذكره بنحوه. قال الترمذي: "حديث صحيح".

[10] [صحيح] انظر تخريجه في الحديث السابق.

[11] انظر: "المصباح المنير" [ج1 ص328] مادة [ش ي خ].

[12] انظر: "القاموس المحيط" [ص325] [باب الخاء فصل الشين مع الياء] مختصرا.

[13] انظر: "مفردات القرآن" [ص797].

[14] [إسناده حسن] أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في "زوائد المسند" [ح 20702] من طريق: حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر قال: قال لي أبي بن كعب: "كأين تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها؟ قال قلت له: ثلاثا وسبعين آية؛ فقال قط، لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها [الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عليم حكيم]".

وكذا ذكره ابن كثير -في "تفسيره" [ج3 ص466] - من نفس الطريق، ثم قال: "ورواه النسائي من وجه آخر عن عاصم، وهو ابن أبي النجود، وهو أبو بهدلة به، وهذا إسناد حسن. وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا والله أعلم". اه‍.

وانظر: "تحفة الأحوذي" [ج7 ص247].

[15] يعني "الفقير المختال والغني الظلوم" المذكورين فيما تقدم تخريجه عند الترمذي في صفة الجنة، باب/ ما جاء في كلام الحور العين [ح2568] من حديث أبي ذر - رضى الله عنه -. وقال الترمذي: "حديث صحيح".

[16] انظر: "تحفة الأحوذي" [ج7 ص247].

[17] انظر: "فيض القدير" [ج1 ص470].

[18] يعني قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: عاق ومنان ومدمن خمر ومكذب بالقدر". قال الهيتمي: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما بشر بن نمير وهو متروك، وفي الآخر عمر بن يزيد وهو ضعيف.

[قلت]: ولذلك لم أورده، وإنما أوردته هنا لكلام المناوي عليه.

[19] انظر: "فيض القدير" [ج1 ص470-471] مختصرا.

[20] يعني بالنسبة للشيخ، وإلا فلا أحد يعذر في ارتكاب الكبائر، وانظر كلام النووي الآتي بعد قليل.

[21] انظر: "فيض القدير" [ج2 ص346].

[22] يعني أنّ الشباب وعدم الملك وعدم التجارة والبيع ليست من الأعذار المقبولة، ولا ينفي هذا العذر بالجهل والتأوّل وغيرهما، وإن كان الزنا مما لا تجهل حرمته وكبره في بلاد الإسلام.

[23] انظر: "شرح النووي على مسلم" [ج2 ص115].

[24] [ضعيف] عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحب الله الشيخ الجهول، ولا الغني الظلوم، ولا الفقير المختال". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [4/131]: "رواه البزار والطبراني في "الأوسط"، إلا أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله يبغض الغني الجهول والعائل المختال. وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف وقد وثق". وقال في [8/75]: "رواه البزار وفيه الحارث وهو ضعيف جدا".

[25] [صحيح] أخرجه أحمد [5/167] والطيالسي [468]، والطحاوى في "المشكل" [4/24]، والبزار في "مسنده" [ج3/179]، والبهيقى [9/160]، وصححه الحاكم في المستدرك [2/98 ح2446] وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". جميعًا من طريق: الأسود بن شيبان، قال: نا أبو العلاء، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبي ذر فذكر الحديث. قال البزار: "هذا الكلام قد روي بعضه عن أبي ذر من غير وجه، ولا نعلمه يُروى عنه بهذا اللفظ، إلا من هذا الوجه، ولا يَروي مطرف عن أبي ذر إلا هذا الحديث".

[26] انظر: "مختار الصحاح" ص642.

[27] انظر: "المصباح المنير" ج2 ص579.

[28] أخرجه مسلم في الإيمان [101] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[29] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في المظالم [ح2447]، ومسلم في البر والصلة [ح2579] من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

[30] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الجمعة [ح893]، ومسلم في الإمارة [ح1829] من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

[31] [صحيح] أخرجه الطبراني في "الكبير" [10/228 ح533 و534]، وأبو عوانة في "مسنده" [1/4/ ح7043-7050]، واستفاض في ذكر طرقه، وابن منده في الإيمان [2/620 ح560] جميعًا من طرق: عن عبيد الله بن زياد، عن معقل بن يسار - رضى الله عنه -. وأصله في البخاري كما في الحديث الذي بعده هذا.

[32] أخرجه البخاري في الأحكام، باب/ من استرعى رعية فلم ينصح [ح 7150] معقل بن يسار رضي الله عنه.

[33] [صحيح] أخرجه أحمد [2/352 ح 8612]، وأبو داود الطيالسي [ح2523]، وأبو يعلى [ح6217]، والحاكم [4/102 ح7016]، والبيهقي [10/97]. من طريق: معاذ بن هشام حدثني أبي عن عباد بن أبي علي عن أبي حازم عن أبي هريرة - رضى الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". قال الحافظ -في "فتح الباري" [ج13 ص169]: "صححه ابن خزيمة".

[34] [صحيح] أخرجه أحمد [2/431 ح9570] عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: وسمعت أبي يحدث عن أبي هريرة. قال أبي قلت ليحيى كلاهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. قال: "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور". أخرجه الدارمي [ح2518] عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه أطلقه الحق أو أوبقه". والحديث صححه الألباني -رحمه الله تعالى- في الصحيحة [ح2621].

[35] أخرجه مسلم في الإمارة [ح1828] من حديث عائشة رضي الله عنها.

[36] [إسناده جيد] أخرجه أبو داود في الخراج والفيء والإمارة [ح2948]، والترمذي في الأحكام [ح1332] من طريق: ابن أبي مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره قال: دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان! وهي كلمة تقولها العرب، فقلت حديثا سمعته أخبرك به؛ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ولاه الله - عز وجل - شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره"، قال: فجعل رجلا على حوائج الناس. قال الحافظ -في فتح الباري عند شرح حديث رقم [7154]-: "سنده جيد".

[37] [صحيح] أخرجه الترمذي [ح2259]، والنسائي [7/160] وفي "الكبرى" [ح7782 و8705 و7783 و7784]، وأحمد [4/243 ح18306]، وعبد بن حميد [ح370]. جميعًا من طريق: أبي حصين عثمان بن عاصم، عن عامر الشعبي، عن عاصم العدوي، عن كعب بن عجرة قال: خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فذكر الحديث بلفظ "سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد عليّ الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض"، قال الترمذي: "حديث صحيح غريب"، وقال "وفي الباب عن حذيفة وابن عمر".

[38] [متفق عليه] وقد تقدم تخريجه.

[39] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الحج [ح1870]، ومسلم في الحج [ح1370] من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[40] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الأدب [ح5997]، ومسلم في الفضائل [ح2318] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[41] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في التوحيد [ح7376]، ومسلم في الفضائل [ح2319] من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

[42] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الأذان [ح660]، ومسلم في الزكاة [ح1031] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[43] أخرجه مسلم في الإمارة [ح1827] من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[44] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الزكاة [ح1496]، ومسلم في الإيمان [ح19] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[45] أخرجه مسلم في الإيمان [ح107] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[46] أخرجه البخاري في الأحكام [ح7148] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[47] أخرجه مسلم في الإمارة [ح1733] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[48] [رجاله رجال الصحيح] أخرجه أحمد في "مسنده" [3/321 ح14494] و[3/399 ح15358]، وعبد بن حميد في "مسنده" [ح1138]، والدارمي [ح2776] جميعًا من طريق: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمان بن سابط عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء"، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ولا يستنون بسنتي؛ فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون علي حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون علي حوضي، يا كعب بن عجرة الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان - أو قال برهان - يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت النار أولى به، يا كعب بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها".

قال المنذري -في "الترغيب والترهيب"-: "رواه أحمد واللفظ له، والبزار، ورواتهما محتج بهم في الصحيح".

[49] انظر: "الكبائر" للإمام الذهبي [ص72] مختصرا، مع حذف الأحاديث الضعيفة.

[50] انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة.

[51] [صحيح] سبق تخريجه، وسبقت روايته هذا الحديث من طريق آخر عن أبي ذر رضي الله عنه.

[52] [صحيح لغيره] أخرجه أحمد في "المسند" [5/151] من طريق: أبي العلاء بن الشخير عن بن الأحمس قال: لقيت أبا ذر فقلت له، فذكر الحديث. قال المناوي -في "الفيض" [3/335]-: "قال الحافظ العراقي: فيه ابن الأحمس ولا يعرف حاله، قال: ورواه أيضا أحمد والنسائي بلفظ آخر بإسناد جيد. انتهى". قصد ما تقدم تخريجه بنحوه في "المسند" [5/153] من طريق: عبد الملك بن عمرو حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فذكر الحديث بطوله. خالفه مؤمل حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي عن رجل عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث. وعند الإمام أحمد أيضًا [5/153] بعد الحديث السابق مباشرة، فكأنه أراد أن يبين أن الحديث وإن كان رجاله ثقات إلا أن فيه علة الانقطاع بين ربعي بن حراش وبين أبي ذر - رضى الله عنه - وأن الراوي مجهول، مما يعل الحديث، ووقعت تسمية المجهول فيما أخرجه ابن أبي شيبة [5/289 ح19311]، وأحمد [5/153 ح21682]، والترمذي [ح2568]، والنسائي [3/207] [5/84]، وفي "الكبرى" [ح1316 و2362 و7099]، وابن خزيمة [ح2456 و2564]، وابن حبان [ح3349 و3350 و4771] جميعًا من طريق: منصور، قال: سمعت ربعي بن حراش، يحدث عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر الغفاري - رضى الله عنه -، فذكره بنحوه. قال الترمذي: "حديث صحيح".

[53] [صحيح] تقدم تخريجه في الذي قبله.

[54] انظر: "فيض القدير" [ج3 ص335].

[55] أخرجه مسلم في كِتَاب الإِيمَانِ، باب/ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَار [ح157]، وأحمد في "مسنده" [ح20955] من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[56] انظر: "شرح النووي على مسلم" [ج2 ص114-117]. [قلت]: ولعلّ اختصاص وقت "بعد العصر" لقرب زوال النهار قريب الشبه بقرب زوال الدنيا، ودنوّ النوم الذي هو موتةٌ صغرى قد لا يصحو منها النائم، وهو مع ذلك مغرِقٌّ في الدنيا وفي الحرام.