إحسانٌ في فِعله، وذلك إذا علِم علمًا حسنا أو عمِل عمَلا حسنا، وعلى هذا قول أمير المؤمنين: «الناس أبناءُ ما يحسنون»[2] أي: منسوبون إلى ما يعلمون وما يعملونه من الأفعال الحسنة. قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7]، والإحسانُ أعم من الإنعام.

 

معنى الإحسان:

سأل جبريلُ - عليه السلام - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- -في الحديث المشهور عن عُمَرَ وأبي هريرةَ رضي الله عنهما-: «قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبدَ الله كأنّك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[1].

 

وقال الإمام الراغب الأصفهاني: الإحسانُ يقال على وجهين.. أحدهما: الإنعامُ على الغير.. يقال: أحسنَ إلى فلان، والثاني: إحسانٌ في فِعله، وذلك إذا علِم علمًا حسنا أو عمِل عمَلا حسنا، وعلى هذا قول أمير المؤمنين: «الناس أبناءُ ما يحسنون»[2] أي: منسوبون إلى ما يعلمون وما يعملونه من الأفعال الحسنة. قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7]، والإحسانُ أعم من الإنعام؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ [الإسراء: 7]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾ [النحل: 90]، فالإحسانُ فوق العدل، وذاك أن العدل هو أن يُعطِيَ ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثرَ مما عليه ويأخذ أقلّ مما له[3]، فالإحسان زائدٌ على العدل، فتحرِّي العدل واجبٌ وتحري الإحسان ندبٌ وتطوُّع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [النساء: 125]، وقوله - عز وجل- : ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة: 178]؛ ولذلك عظَّم الله تعالى ثوابَ المحسنين فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195]، وقال تعالى: ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [التوبة: 91]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: 30][4].

 

وقال ابن الأثير: في حديث الإيمان «قال: فما الإحسان؟ قال: أن تَعْبُد الله كأنك ترَاه»[5]، أراد بالإحسان الإخلاصَ، وهو شَرْطٌ في صِحَّة الإيمان والإسلام معًا. وذلك أنَّ مَن تلفَّظ بالكَلمَة وجاء بالعَمل من غير نيَّة إخْلاص لم يكن مُحْسِنًا ولا كان إيمانُه صحيحًا. وقيل: أراد بالإحسان الإشارةَ إلى المُرَاقَبَة وحُسْن الطاعة؛ فإنّ مَن راقَب الله أحْسَن عملَه، وقد أشار إليه في الحديث بقوله: «فإن لم تكُن تراه فإنَّه يرَاك»[6].

 

وقد قسم العلماء حال العبدِ المؤمن مع ربّه سبحانه إلى حالين اثنتين..

 

الأولى: حال المكاشفة:

وهي القسم الأول والأعلى من قسمي الإحسان، وهي معنى قوله - صلى الله عليه وسلم-: «أن تعبُد الله كأنّك تراه»، وهي قمّة وذروة الإخلاص لله؛ إذ يكون العبد فيها مشغولاً بربّه ليس في قلبه شعبةٌ متعلقة بسواه تعالى؛ فيفتح الله سبحانه عليه الفتوح، ويدله على طرق الخير والبر، ويكثِّرها له، ويشغله بها، فتستغرقه حتى لا يفرَغ لغيرها، وقد حصُل ذلك للأنبياء والصالحين وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والتابعين بإحسانٍ كثيرًا.

 

فمنه أن نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم- كان يُطلعه الله على الغيب فيَصفُه ويتنبأ به، فيقع وكأنه يشاهده عيانًا، من ذلك وصفه - صلى الله عليه وسلم- بيت المقدس للمشركين صبيحةَ ليلةِ الإسراء؛ فقد هيّأ الله سبحانَه الموضع لرسوله وكأنه يسير بداخله.

 

كذلك للصحابة - رضي الله عنه - ومنهم عمرُ وحادثة صراخِه في سارية وهو على المنبر وسارية غازٍ في سبيل الله، وقولُه له: يا ساريةُ الجبل، وسماع سارية صوته ثابت في الصحيح[7]، وهذه وأمثالها كثيرةٌ في حياة الفاروق -رضى الله عنه- وأرضاه؛ حتى أنه كان يوافِق ربَّه في نزول الوحي. وكذلك عثمانُ -رضى الله عنه- حينما قال: «يدخل عليَّ أحدُكم وفي عينيه أثر الزنا»[8]، وكان هذا المخاطب قد رأى امرأةً قبل أن يدخل على عثمان -رضى الله عنه-. وهذا في حياة الصحابة والتابعين والأولياء كثير.

 

وأئمة السلف لا ينكرون هذه المكاشَفة، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- سُئِل: ما الحكمة في أن المشتغلين بالذكر والفكر والرياضة ومجاهدة النفس وما أشبهه يُفتح عليهم من الكُشوفات والكرامات وما سوى ذلك من الأحوال، مع قلّة علمهم وجهل بعضهم، ما لا يفتح على المشتغلين بالعلم ودرسه والبحث عنه، حتى لو بات الإنسانُ متوجِّها مشتغلا بالذكر والحضور لابد أن يرى واقعةً أو يفتح عليه شيء، ولو بات ليلة يكرر على بابٍ من أبواب الفقه لا يجد ذلك، حتى أن كثيرًا من المتعبِّدين يجد للذكر حلاوةً ولذة ولا يجد ذلك عند قراءة القرآن، مع أنه قد وردت السنّة بتفضيل العالم على العابد، لاسيّما إذا كان العابدُ محتاجًا إلى علم هو مشتغل به عن العبادة؛ ففى الحديث «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع»[9]، وأن «العلماء ورثة الأنبياء»[10]، و«أن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب»[11]، وفي الحديث عن النبي أنه قال: «إذا كان يوم القيامة يقول الله - عز وجل- للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة، فيقول العلماء بفضل علمِنا عبدوا وجاهدوا، فيقول الله - عز وجل- لهم: أنتم عندى كملائكتي اشفعوا، فيشفعون، ثم يدخلون الجنة»[12]، وغير ذلك من الأحاديث والآثار، ثم إنّ كثيرًا من المتعبدين يؤثر العبادة على طلب العلم مع جهله بما يُبطِل كثيرًا من عبادته؛ كنواقض الوضوء، أو مبطلات الصلاة والصوم، وربما يحكي بعضهم حكايةً في هذا المعنى بأن رابعة العدوية -رحمها الله- أتت ليلة بالقدس تصلِّي حتى الصباح وإلى جانبها بيتٌ فيه فقيهٌ يكرِّر على باب الحيض إلى الصباح، فلما أصبحت رابعة قالت له: يا هذا وصَل الواصلون إلى ربهم وأنت مشتَغِل بحيض النساء، أو نحوها، فما المانعُ أن يحصل للمشتغلين بالعلم ما يحصل للمشتغلين بالعبادة مع فضله عليه؟؟

فأجاب شيخ الإسلام: الحمدُ لله رب العالمين، لا ريب أن الذي أوتي العلم والإيمان أرفعُ درجةً من الذين أوتوا الإيمان فقط[13]، كما دلّ على ذلك الكتابُ والسنة، والعلم الممدوح الذي دلّ عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورَّثتْه الأنبياءُ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- إن «العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورِّثوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورّثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر»[14]، وهذا العلم ثلاثة أقسام:

علم بالله وأسمائه وصفاته وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص وآية الكرسيّ ونحوهما.

 

والقسم الثاني: العلم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية وما يكون من الأمور المستقبلة وما هو كائنٌ من الأمور الحاضرة، وفي مثلِ هذا أنزل اللهُ آياتِ القصص والوعد والوعيد وصفة الجنة والنار ونحو ذلك.

 

والقسم الثالث: العلم بما أمر الله به من الأمور المتعلّقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا العلم يندرج فيه العلمُ بأصول الإيمان وقواعد الإسلام ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة، وهذا العلم يندرج فيه ما وُجِد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة؛ فإن ذلك جزءٌ من جزءٍ من جزء من علم الدين، كما أن المكاشفات التي تكون لأهل الصفا جزءٌ من جزءِ من جزء من علم الأمور الكونية.

 

والناس إنما يغلطون في هذه المسائل؛ لأنهم يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرُبَّ رجلٍ يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن ولا يكون له من الفهم بل ولا من الإيمان ما يتميّز به على من أُوتِي القرآن ولم يؤت حفظَ حروفِ العلم، كما قال النبي في الحديث المتفق عليه: «مثَل المؤمنِ الذي يقرأُ القرآن مثل الأترُجّة طعمها طيّبٌ وريحها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأُ القرآن مثل التمْرة طعمها طيب ولا ريحَ لها، ومثل المنافق الذي يقرأُ القرآن كمثل الرَّيْحانة ريحها طيب وطعمُها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مرٌّ ولا ريح لها»[15]، فقد يكون الرجل حافظًا لحروف القرآن وسوَرِه ولا يكون مؤمنًا، بل يكونُ منافقًا، فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفَه وسُوَرَه خيرٌ منه، وإن كان ذلك المنافق يَنتفع به الغير كما ينتفع بالريحان، وأما الذي أُوتِيَ العلم والإيمان فهو مؤمنٌ عليم؛ فهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم؛ مثل اشتراكهما في الإيمان، فهذا أصلٌ تجبُ معرفتُه. وهاهنا أصلٌ آخر، وهو أنه ليس كلُّ عملٍ أورث كشوفًا أو تصرُّفًا[16] في الكون يكون أفضلَ من العمل الذي لا يورث كشفا وتصرُّفا؛ فإن الكشف والتصرف إن لم يكن مما يستعان به على دين الله، وإلا كان من متاع الحياة الدنيا، وقد يحصُل ذلك للكفار من المشركين وأهلِ الكتاب، وإن لم يحصُل لأهل الإيمان الذين هم أهل الجنة وأولئك أصحاب النار[17].

 

وهذا أيضًا العلامة المحقِّق ابنُ قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- يقول ما نصّه:

الدرجة الثانية [ملاحظة نور الكشف]، وهي تسبِل لباسَ التولِّي وتُذيق طعم التجلِّي وتعصم من عوار التسلِّي.. هذه الدرجة أتم مما قبلها؛ فإن تلك الدرجة ملاحظة ما سبق بنور العلم، وهذه ملاحظةُ كشفٍ بحالٍ قد استولى على قلبه حتى شغله عن الخلق؛ فأسبل عليه لباس تولِّيه اللهَ وحدَه وتولِّيه عما سواه، ونور الكشف عندهم هو مبدأُ الشهود، وهو نور تجلي معاني الأسماء الحسنى على القلب، فتضيء به ظلمةُ القلب، ويرتفع به حجاب الكشف، ولا تلتفت إلى غير هذا فتزلَّ قدمٌ بعد ثُبُوتِها؛ فإنك تجدُ في كلام بعضهم: تجلِّي الذاتِ يقتضي كذا وكذا، وتجلي الصفات يقتضي كذا وكذا، وتجلي الأفعال يقتضي كذا وكذا، والقوم عنايتهم بالألفاظ فيتوهَّم المتوهِّم أنهم يريدون تجلي حقيقةَ الذات والصفات والأفعال للعيان، فيقع من يقع منهم في الشطَحات والطامات، والصادقون العارفون بُرآءُ من ذلك، وإنما يشيرون إلى كمال المعرفة وارتفاع حجب الغفلة والشك والإعراض واستيلاء سلطان المعرفة على القلب بمحو شهود السوى بالكلية، فلا يشهد القلبُ سوى معروفِه، وينظرون هذا بطلوع الشمس؛ فإنها إذا طلعت انطمس نور الكواكب ولم تعدم الكواكب، وإنما غطى عليها نور الشمس فلم يظهر لها وجودٌ، وهي في الواقع موجودةٌ في أماكنها، وهكذا نور المعرفة إذا استولى على القلب قوِيَ سلطانُها وزالت الموانع والحجب عن القلب[18]. ولا ينكر هذا إلا من ليس من أهله، ولا يُعتقد أن الذات المقدسة والأوصاف برزت وتجلَّت للعبد كما تجلى سبحانه للطُّور، وكما يتجلى يوم القيامة للناس إلا غالطٌ فاقد للعلم، وكثيرًا ما يقع الغلط من التجاوز من نور العبادات والرياضة والذكر إلى نور الذات والصفات؛ فإن العبادة الصحيحة والرياضة الشرعية والذكر المتواطئ عليه القلب واللسان يوجب نورًا على قدر قُوَّتِه وضعفه، وربما قَوِي ذلك النور حتى يشاهد بالعيان، فيغلط فيه ضعيفُ العلم والتمييز بين خصائص الربوبية ومقتضيات العبوديّة، فيظنّه نورَ الذات وهيهات ثم هيهات.. نورُ الذات لا يقوم له شيءٌ، ولو كَشف - سبحانه  وتعالى - الحجابَ عنه لتدكدكَ العالمُ كلُّه، كما تدكدك الجبل وساخ لما ظهر له القدر اليسير من التجلِّي، وفي الصحيح عنه: «إن الله سبحانه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام.. يخفِض القسطَ ويرفعه.. يُرْفَعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النَّهار وعمل النهار قبل عمل الليل.. حجابُه النور، لو كشفه أحرقتْ سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه»[19]. فالإسلام له نورٌ والإيمان له نور أقوى منه والإحسان له نور أقوى منهما؛ فإذا اجتمع الإسلام والإيمان والإحسان وزالت الحجبُ الشاغلةُ عن الله تعالى امتلأ القلب والجوارح بذلك النور لا بالنور الذي هو صفةُ الرب تعالى؛ فإن صفاتِه لا تحلُّ في شيءٍ من مخلوقاته، كما أن مخلوقاته لا تحلُّ فيه، فالخالق سبحانه بائنٌ عن المخلوق بذاته وصفاته؛ فلا اتحاد ولا حلول ولا ممازجة، تعالى الله عن ذلك كلِّه عُلُوًّا كبيرا[20].

 

الثانية: حالُ المراقبة:

 

وهي معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «فإنْ لم تكن تراه فإنّه يراك»[21]، وهي الدرجة من درجات الإخلاص التي ليس دونها إخلاص؛ فإن غابت هذه الدرجة عن حال العبد وهو في عملٍ، أي لم يراقب اللهَ تعالى فيه، فسد هذا العمل، وضاع عليه جهدُه ووقته، وفي الأثر «ليس للمرء من صلاتِه إلا ما عقَل منها»[22]، وهذا -والله أعلم- في الغفلة، وهي حالٌ وُسْطى بين الرياء والإخلاص؛ فالرياء شركٌ أصغر، والإخلاص مدخلٌ للإيمان أو جزءٌ منه، وبينهما قد يكون الإنسان ذاهلاً في صلاته يتفكَّر في أمرٍ من أمور الدنيا -مالٍ أو تجارة أو مرض.. إلخ- فهذا الجزء من الصلاة -وهي أفضل العبادات- الذي ذهل فيه عن ربِّه تعالى ليس محسوبًا له، وإنما يُحسب له ما يتذكر فيه ربَّه ويذكُره ويعي كلامه من آي القرآن الكريم الذي يقرأه أو التسبيح والتحميد والذكر الذي يردِّده.

 

وقد أفاض العلماء في شرح الرياء والإخلاص والمراقبة والمحاسبة، وهي أحوالٌ على علاقةٍ ببعضها البعض، وليس أحدٌ ينكر فضيلة الإخلاص والمراقبة والمحاسبة، بل وجوبها على المسلم في كل عملٍ يعمله، وليس من أحد لا يخشى الرياء على نفسه، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يخشاه على المسلمين، فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله - عز وجل- يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء»[23].

 

أولاً: الإحسان في الإنفاق [وخاصة في الجهاد بالمال]:

قال تعالى -في آياتٍ من سورة البقرة في قتال المشركين وهو أعلى مراتب الجهاد في سبيل الله-: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 191 - 195] الآيات، في ستّ آيات في قتال المشركين تبيّن بعضَ أحكام الجهاد؛ كوجوب مقاتلة المقاتلين، والكف عن غيرهم، والكف عنهم إذا انتهوا عن قتالنا -معشر المسلمين- وإخراجهم من حيث أخرجونا، وبيان أن هذه الفتنة -وهي إخراجنا من ديارنا لنكفر- هي أكبر من قتلِنا إيّاهم؛ لأنّ الكفر المترتب على الفتنة إن حدثت أكبر من موت الإنسان نفسه سواء كان مؤمنًا أو كافرا، وتحريم القتال عند المسجد الحرام إلا إذا قاتل المشركون المسلمين فيه، وأن ذلك ليس ذنبًا لا كبيرا ولا صغيرا ما داموا هم البادئين بالقتال فيه، ثم يؤكد سبحانه على عدم تخاذل المسلمين أمام الكافرين بل وجوب مقابلة الاعتداء باعتداء؛ لما في ذلك من الخير وما في التخاذل وبذل السلم حال الحرب من مفاسدَ عظيمة.. ثم يُرشِد سبحانه إلى التقوى ويحفّز عليها بكونه سبحانه مع المتقين، وسيأتي في أكثر من آيةٍ من كتابه الكريم أنه - عز وجل- يحب المتقين.

 

ومن تمام أحكام القتال الإنفاقُ في سبيل الله، واتفق المفسِّرون على أنّه يعني الإنفاق في الجهاد، وقسم الله سبحانه الناس بشأن هذه القضية إلى قسمين: هالكين ومحبوبين.

 

فمن يُلقون بأيديهم إلى التهلكة؛ أي يلقون أنفسهم بأيديهم إلى التهلكة، وهم من لا ينفقون في سبيل الله؛ لسبب نزول هذه الآية، فقد روي أن رجلا من المسلمين حمل على جيش الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس: سبحان الله! ألقى بيديه إلى التهلكة؛ فقال أبو أيوبٍ الأنصاري -رضى الله عنه-: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار حين أعزّ الله الإسلام وكثرنا؛ فقلنا: لو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فنـزلت ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195]؛ فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الجهاد في سبيل الله، فما زال أبو أيوب -رضى الله عنه- شاخِصًا في سبيل الله حتى استُشهِد ودُفن بأرض الروم[24].

 

ومعنى هذا أن يبيع الإنسانُ نفسَه ومالَه لله تعالى لقاءَ الجنة، فإنها سلعة الله الغالية.

 

وفي تفسيره هذه الآية، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصِّلة إلى الله؛ وهي كل طرق الخير من صدقة على مسكين، أو قريب، أو إنفاق على من تجب مؤنته. وأعظم ذلك وأوّل ما يدخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله؛ فإن النفقة فيه جهادٌ بالمال، وهو فرضٌ كالجهاد بالبدن، وفيها من المصالح العظيمة الإعانة على تقوية المسلمين، وتوهين الشرك وأهله، وعلى إقامة دين الله وإعزازه، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة، فالنفقة له كالروح لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله إبطالُ الجهاد، وتسليطٌ للأعداء، وشدة تكالبهم؛ فيكون قوله تعالى ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195] كالتعليل لذلك، والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أُمِر به العبدُ إذا كان تركه واجبًا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سببٌ موصِّل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمورٌ كثيرة؛ فمن ذلك تركُ الجهاد في سبيل الله[25]، أو النفقة فيه[26]، الموجب لتسليط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوفٍ، أو محلّ مسبعة أو حيّات، أو يصعد شجرًا أو بنيانًا خطِرا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك[27]، فهذا ونحوُه ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن ذلك الإقامةُ على معاصي الله واليأس من التوبة، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض التي في تركها هلاك الروح والبدن.

 

ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعًا من أنواع الإحسان أمرَ بالإحسان عمومًا، فقال: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، وهذا يشمل جميعَ أنواع الإحسان؛ لأنه لم يقيِّده بشيءٍ دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم. ويدخل فيه الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع. ويدخل في ذلك قضاءُ حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شدائدهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالِّهم، وإعانة من يعمل عملا[28]، والعمل لمن لا يحسن العمل، ونحو ذلك مما هو من الإحسان الذي أمر الله به. ويدخل في الإحسان أيضًا الإحسانُ في عبادة الله، وهو كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم- «أن تعبَدَ الله كأنك تراه»[29].

 

فمن اتصف بهذه الصفات كان من الذين قال الله فيهم: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، وكان الله معه يسدِّده ويرشده ويعينه على كل أموره[30].

 

وإذًا فالإحسان الذي هو الإنفاق في سبيل الله تعالى؛ أي خاصًّا لوجهه الكريم، ويَحسُن أن يكون في الجهاد؛ كتجهيز الغزاة أو تجهيز نفسِه من ماله، هو سبَبٌّ لمحبّةِ الله تعالى للعبد.

 

ثانيًا: الإحسان بمعنى الإنفاق سرًّا وعلانية وكظم الغيظ والعفو:

يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134].. قال ابن كثير: ذكر تعالى صفةَ أهل الجنة فقال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾؛ أي في الشدَّة والرخاء والمنشَط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال؛ كما قال: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً ﴾ [البقرة: 274]، والمعنى أنهم لا يشغلهم أمرٌ عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البِرِّ. وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «أيُّكم مال وارثه أحب إليه من ماله» قالوا: يا رسول الله! ما منّا أحدٌ إلا مالُه أحبُّ إليه من مال وارثه، قال: «اعلموا أنه ليس منكم أحدٌ إلا مالُ وارثه أحبُّ إليه من مالِه.. ما لَك من مالِك إلا ما قدَّمتَ، وما لوارثِك إلا ما أخرت»[31].

 

وقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾؛ أي إذا ثار بهم الغيظُ كَظَموه بمعنى كتموه فلم يُعمِلوه، وعفوْا مع ذلك عمن أساء إليهم[32].

 

فقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾؛ أي لا يُعمِلون غضبَهم في الناس، بل يكفُّون عنهم شرَّهم ويحتسبون ذلك عند الله - عز وجل- . ثم قال تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾؛ أي مع كفّ الشر يعفون عمّن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم موجدةٌ على أحدٍ، وهذا أكمل الأحوال؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ فهذا من مقامات الإحسان.

 

وقال - صلى الله عليه وسلم- في فضل العفو عن الناس: «ثلاثٌ أقسِم عليهن؛ ما نقص مالٌ من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعَه الله»[33].

 

ومما ورد في فضل كظم الغيظ: عن أبي هريرة -رضى الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس الشديد بالصُّرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»[34]. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «ما تعدُّون الصُّرعة فيكم»؟ قلنا: الذي لا تصرَعه الرجال، قال: «لا، ولكن الذي يملك نفسه عن الغضب»[35]. وقال - صلى الله عليه وسلم-: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنفِذَه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره من أي الحور شاء»[36].

 

وقد وردت هذه الآية في معرض سرد بعض صفات المتَّقين، والإحسان في هذه الآية يتضمَّن ثلاثةَ أبوابٍ من الخيْر هي:

1- الإنفاق في السرَّاء والضرَّاء، وهو تأكيد على ما جاء في الآية السابقة.

 

2- كظمُ الغيظ. قال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: وكظْمُ الغيظ ردُّه في الجوْف؛ يقال كظَم غيظَه أي سكت عليه ولم يُظهره مع قدرته على إيقاعه بعدُوِّه، وكظمت السِّقاء أي ملأته وسددت عليه، والكاظمة ما يُسدّ به مجرى الماء؛ ومنه الكظام للسيْر الذي يسدّ به فمُ الزمة والقربة. وكظم البعير جرَّته إذا ردها في جوفه؛ وقد يُقال لحبسه الجرة قبل أن يُرسلها إلى فيه: كظم، حكاه الزجاج. يقال: كظم البعير والناقة إذا لم يجرّا، ومنه:

فأفضنَ بعد كظومهنَّ بجرّة

من ذي الأبارقِ إذ رعَين حقيلا[37]

 

ومنه رجلٌ كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا غمًّا وحُزنا. وفي التنـزيل: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]، و﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [النحل: 58]، و﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48]. والغيظُ أصلُ الغضب، وكثيرًا ما يتلازمان؛ لكن فُرقان ما بينهما أن الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنّه يظهر في الجوارح مع فعلٍ ما ولابد. ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى؛ إذ هو عبارةٌ عن أفعالِه في المغضوب عليهم[38]، وقد فسّر بعض الناس الغيظ بالغضب، وليس بجيّد والله أعلم، انتهى عن القرطبي[39].

 

3- العفو عن الناس: قال القرطبي: العفوُ عن الناس من أجَلِّ ضروب فعل الخير؛ وهذا حيث يجوز للإنسان أن لا يعفو وحيث يتّجِه حقُّه. وكل من استحق عقوبةً فتركت له فقَد عُفِي عنه. واختلف في معنى «عن الناس»؛ فقال أبو العالية والكلبي والزجاج: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾ يريد عن المماليك.. قال ابن عطية: وهذا حسنٌ على جهة المثال؛ إذ هم الخدَمة فهم يُذنِبون كثيرًا والقدرة عليهم متيسِّرة، وإنفاذ العقوبة سهل؛ فلذلك مثل هذا المفسّر به... وقال زيد بن أسلم: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾ عن ظلمهم وإساءتهم، وهذا عام، وهو ظاهر الآية... فمدَح اللهُ تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم؛ فقال: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37]، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾، وأخبر أنه يحبُّهم بإحسانهم في ذلك. ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث؛ وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس... انتهى عن القرطبي باختصار[40].

 

ثالثًا: الإحسان في القتال:

قال تعالى: ﴿ فَآتَاهُمْ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 148].

 

فقد بيّنت الآيةُ ثواب الله تعالى للمحسنين في الدنيا والآخرة، وقال المفسرون: المقصودُ بثواب الدنيا النصرُ والظفر والغنيمة، وحسن ثواب الآخرة يعني الفوز برضا ربهم والنعيم المقيم؛ الذي قد سَلِمَ من جميع المنكدات[41]. ولكن من هم المحسنون في هذه الآية الذين استحقوا الظفر في الدنيا والجنة في الآخرة؟؟ ذلك ما تبيِّنه الآيتان قبلها.. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 146-147].

 

قال العلماء: الرِبِّيُّون جمع رِبي -بضم الراء وكسرها- وهو الجَمع الكثير، قال بعضهم: عشرة آلاف، ويصح أنهم أتباعُ الرُّسُل الذين صبروا معهم، ويصح أنه منسوب إلى الرَّبِّ، حسب قراءة ابن عباس -بفتح الرَّاء- وهم الرَّبانيُّون. وقال الزجّاج: هاهنا قراءتان «رُبيون» بضم الراء و«رِبيون» بكسر الراء؛ أما الرُبيون فهم الجماعات الكثيرة ويقال: عشرة آلاف. قلت [أي القرطبي]: وقد رُوِي عن ابن عباس «رَبيون» بفتح الراء منسوبٌ إلى الرَّبِّ، قال الخليل: الرُِّبي الواحد من العباد الذين صبَروا مع الأنبياء، وهم الربانيون.. نسبوا إلى التألُّه والعبادة ومعرفة الربوبية لله تعالى، والله أعلم[42].

 

قالوا: والوهنُ الضعف وانكسار الجانب والخوف، والاستكانةُ الذِّلَّة والخضوع.

 

وهذه الثلاثة من صفات الجبناء الجزعين، ولذا قال تعالى بعدها: ﴿ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾، وسيأتي في سبب الصبر.

 

وفي الآية التالية قال القرطبي: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ يعني الصغائر، ﴿ وَإِسْرَافَنَا ﴾ يعني الكبائر.

والإسراف: الإفراطُ في الشيء ومجاوزةُ الحدّ[43].

 

وقد سبق -في الباب الثاني- أن الإسراف مانعٌ من حصولِ محبة الله للعبد، فالمحسنون هنا يستغفرون منه.

 

استأنف القرطبي: وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني»[44]، وذكر الحديث.

 

فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدَع ما سواه، ولا يقولُ أختار له؛ فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلَّمهم كيف يدعون.

 

وهذه الفقرة الأخيرة من كلام القرطبي يصح أن تنسحب على أول الآية: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ﴾، وبذا يكون الإحسانُ يعني متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم-، وهو معنى ربيُّون على قول الخليل.

 

وقال السعدي: ثم إنهم لم يتَّكِلوا على ما بذلوا جهدَهم به من الصبْر، بل اعتمدوا على الله، وسألوه أن يثبِّت أقدامهم عند مُلاقاةِ الأعداء الكافرين، وأن ينصرَهم عليهِم، فجمعوا بين الصبر وترك هذه، والتوبة والاستغفار والاستنصار بربِّهم، لا جرَم أن الله نصرَهم وجعل لهم العاقبةَ في الدنيا والآخرة[45].

 

وقد جمع اللهُ تعالى من صفات المحسنين والدلالة عليهم في هذه الآيات الثلاث ما يلي:

 

1- اتباعهم النبيِّين، والقتالُ صفًّا أي في جماعة. وسبق أن ذكرنا الاتباع المذكور في آل عمران [آية 31]، وسيأتي إن شاء الله ذكر المقاتلة صفًّا في سورة الصف [الآية 4]. وهذا اتباعٌ في العمل والجهاد، وهناك اتباعٌ في القول كما سيأتي.

2- عدم الضعف والانهيار أمام الجِرَاح، ومن أصرحه ما حصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولصحابته -رضوان الله عليهم- يوم أُحُد.

3- عدم الذِّلّة والانكسار. وسيأتي في آية المائدة [54] بمشيئة الله.

4- الصبر، وسنعود إليه إن شاء الله ولهذه الآيات نفسها في سبب الصبر.

5- الاستغفار من الصغائر والكبائر، والاستغفار يكون من العصيان ومن غير عصيان.. قال تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم- وهو معصوم: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [غافر: 55، ومحمد: 19].

6- سؤال الله تعالى الثباتَ والنُّصرة، وهو الدعاء، وهو أهم أسباب النصر. وإذًا فكل هذه تسمى إحسانًا.

 

رابعًا: العفوُ والصفْح:

قال تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: 13]. والإحسانُ في هذه الآية هو بمعناه اللغوي الذي هو العفْوُ والصفح عن الخائنين من اليهود؛ الذين نقضوا عهدهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب، وهمُّوا بقتلِه، وسبُّوه، ولم يؤمنوا به، وألبّوا الناس عليه، وحرّفوا كلام الله في التوراة، وضلَّلُوا الناس، فأُمِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالعفو والصفح عنهم، كما قال في سورة البقرة: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 109].

 

ولكن قيل هذا الحكم منسوخٌ بآية السيف، وقيل بقوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً ﴾ [الأنفال: 58]، وقيل: فاعفُ عنهم واصفح مادام بينك وبينهم عهدٌ وهم أهل الذمة.

 

وقد بيّنا -فيما سبق- أن هذا ليس على إطلاقه، وأن آياتِ الصفح وآيات السيف يُعمَل بكلٍّ منها في ظروفِهِ التي هي أنسبُ له؛ فإن حصَل أن كان إمامٌ مسلِمٌ في حربٍ مع أهل الذمّة، ثم عقدوا صُلْحًا فيَجوز للإمام أن يأخذ بأحد الحكمين والله أعلم، على أنِّي أختار الإحسانَ إليهم والله الهادي إلى الصراط المستقيم، فإن بدرت منهم الخيانة فليس لهم عندي إلا حكم سعدٍ في بني قريظة والله المستعان، وبما أن اليهودَ لابد أن تبدر منهم الخيانة فسيؤول أمرُهم إلى حُكم سعد -رضى الله عنه-، ولن يُخرِجونا من إحسانِنا.

 

خامسًا: التقوى والإيمان والعملُ الصالح:

قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: 93].

 

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لما نزَل تحريمُ الخمرِ قال قومٌ: كيف بمن مات منَّا وهو يشربها ويأكل الميْسِر فنـزلت[46]؛ فأخبر تعالى أن الإثم والذمّ إنما يتعلق بفعل المعاصِي، والذين ماتوا قبل التحريم ليسوا بعاصين ﴿ إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾؛ أي ليس عليهم جناحٌ فيما تناوَلُوه من المأكول والمشروب إذا اتقَوْا المحرَّم وثبَتُوا على الإيمان والأعمال الصالحة، ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ﴾ أي اتَّقَوا المحرَّم وآمنوا بتحريمِه بمعنى اجتنبوا ما حرَّمَه الله، ﴿ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ أي يحبُّ المتقرِّبين إليه بالأعمال الصالحة. قال في «التَّسْهِيل»: كرَّرَ التقوى مبالغةً، وقيل: الرُّتْبة الأولى: اتِّقَاء الشرك، والثانية: اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس[47].

 

والإحسان في هذه الآية هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وهي كلُّها تعني -والله أعلم- التزام الشرع، فما كان حرامًا حرَّموه، وما لم يكن حرامًا في زمنهم وأتوه فليس عليهم جُناحٌ فيه، فهذه الآية تدفع توهُّم الإحسان فيمن ماتوا قبل إتمام النعمة واكتمال الدين في زمنهم؛ كعثمانَ بن مظعون وغيره - رضي الله عنه - وإنَّما تؤكد إحسانَ من التزم شرع الله ولو كان قليلاً، وفي المقابل تحمِل على من فرّط في بعض الوحْيِ بعد أن كثُرت الشرائع، والله أعلم.

 

كذلك، فإنَّ مما نستفيدُه نحنُ من هذا الآية هو الاستمرار على التقوى والإيمان والعمل الصالح؛ فالإحسانُ هنا -والله أعلم- هو دوامُ المحافَظة على التقوى؛ أي اجتناب المحرّمات، ودوام الإيمان؛ أي مراقبة الله، والمدوامة على العمل الصالح.

 

خلاصة هذا السبب:

وإذًا يكون الإحسانُ الذي يحبه الله ويحبُّ فاعليه قد ورد في القرآن الكريم في هذه الصُّوَر:

  1. الإنفاق في وجوه البرّ، وعلى رأسها الإنفاق في سبيل الله [الجهاد].
  2. كظم الغيظ، ودفع الغضب.
  3. العفو عن الناس عند المقدرة عليهم.
  4. اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم-، في القتال والعمل والقول جميعًا.
  5. عدم الضعف والتمارض؛ خاصة عن الجهاد في سبيل الله.
  6. عدم الذلة والهوان أمام الأعداء.
  7. الصبر، وخاصة في الجهاد.
  8. الاستغفار من الصغائر والكبائر، وحتى لو ظنّ الإنسانُ بنفسه الخير.
  9. دعاء الله تعالى وسؤاله الثبات والنصرة.
  10. المدوامة على التقوى والإيمان والعمل الصالح. والله أعلم بالحق والهادي إليه.

 

 

 

[1] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الإيمان [ح50]، ومسلم في الإيمان [ح9] من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه -. وأما حديث عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فأخرجه مسلم في الإيمان [ح8].

[2] يعني بأمير المؤمنين عليًّا - رضى الله عنه -. وانظر: «البصائر» [2/465]، و«الذريعة» [ص24]، و«نهج البلاغة» [ص674]، وفيه: قيمة كل امرئ ما يحسنه.

[3] انظر: «نهج البلاغة» [ص708].

[4] انظر: «مفردات القرآن» [ص323].

[5] [صحيح] تقدم تخريجه.

[6] انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» [ج1 ص9652].

[7] [حسن] حسنه الحافظ فيما ذكره عنه تلميذه السخاوي في «المقاصد الحسنة» [ص736 ح1333]، وصححه الألباني في «الصحيحة» [3/101 ح1110].

[8] انظر: «إحياء علوم الدين» [ج4 ص13]، و«الجامع لأحكام القرآن» [ج10 ص30].

[9] [صحيح] أخرجه الترمذي [ح96 و2387 و3536 و2387 و3536 و3535]، والنسائي [1/83 و98]، وفي «الكبرى» [ح144 و11114]، والحميدي [ح881]، وأحمد [4/240 و239 و241]، والدارمي [ح357]، وابن ماجه [ح226 و478 و4070]، وابن خزيمة [ح17 و169 و193]. جميعا من طريق: عاصم بن أبي النجود، سمع زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال المرادي. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[10] [صحيح] أخرجه أبو داود في العلم [ح3641]، والترمذي في العلم [ح2682]، وابن ماجه في المقدمة [ح223] من حديث أبي الدرداء - رضى الله عنه -، والحديث علقه البخاري في كتاب العلم، باب/ العلم قبل القول والعمل.

[11] [صحيح] هو جزء من الحديث المخرج قبله مباشرة.

[12] [ضعيف] قال العراقي -في «تخريج أحاديث الإحياء» [1/44]-: «أخرجه أبو العباس الذهبي في العلم من حديث ابن عباس بسند ضعيف».

[13] يُفهم من هذا أن ما وصل بالمسئول عنه أعلاه هو قوّة إيمانِه في نظر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وهو نظرٌ صاقب؛ لأن الأمر لا يخرج عن الإيمان والعلم كما قال تعالى: [يَرْفَعْ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ] [المجادلة: 11].

[14] [صحيح] تقدم تخريجه قريبا.

[15] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في فضائل القرآن [ح5020]، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها [ح797] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[16] مع العلم أنه لا يتصرّف في الكون أحدٌ - على الحقيقة - إلا اللهُ وبقدر الله؛ فإن أقدر البعض كعيسى - عليه السلام - على فعل خارق؛ فإنه لولا إقداره إيّاه على ذلك لا يستطيع فعلَه، ولذا قرن تعالى دائمًا بين إحياء عيسى الموتى وإبراء الأبكم والأبرص وبين إذنه تعالى بذلك.

[17] في «مجموع الفتاوى» [ج11 ص395-398].

[18] يبيِّن ابن القيم الفرق بين حالي المكاشفة عند كل من أهل السنة والصوفية؛ فالأوَّلون لا ينكرون الكشوفَ والفتوح، لكنهم يقولون إنها كشوف وفتوح معرفةٍ وعلم، لا أنها كشوف الحجب عن الله تعالى ليراه المكشوفُ لهم؛ لأن هذا لم يحدث لأنبياء الله المرسلين فكيف بمن هم أقلُّ منهم؟! والصوفيّة يقولون إن الله - تعالى عن قولهم وإفكهم - يراه أئمتُهم الفسقةُ الدجالون؛ بل أبعد من ذلك يقولون إنه يحلُّ فيهم بل يتحدُّ بهم.

[19] أخرجه مسلم في الإيمان [ح179] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[20] انظر: «مدارج السالكين» لابن قيم الجوزية [ج3 ص110-111].

[21] [صحيح] تقدم تخريجه.

[22] [حسن] رواه أبو داود في الصلاة [ح796]، وأحمد في «المسند» [4/321]، وحسَّنَه الألباني وصحَّحَه الأرناؤوط. وقال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» [1/444]: «لم أجده مرفوعًا، وروى محمد بن نصر المروزي في «كتاب الصلاة» من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلا «لا يَقبل الله من عبدٍ عملاً حتى يشهد قلبُه مع بدنه»، ورواه أبو منصورٍ الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أبيّ بن كعب، ولابن المبارك في «الزهد» موقوفًا على عمار «لا يكتب للرجل من صلاتِه ما سها عنه».

[23] [رجاله ثقات] أخرجه أحمد [5/428-429] من حديث محمود بن لبيد - رضى الله عنه -. قال الهيثمي في مجمع الزوائد [1/102]: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح»، وقال الحافظ العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» [3/210]: «رجاله ثقات». قال المنذري في «الترغيب والترهيب» [1/34]: «ورواه أحمد بإسناد جيد وابن أبي الدنيا والبيهقي في الزهد وغيره. ومحمود بن لبيد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم- ولم يصح له منه سماع فيما أرى. وقد خرج أبو بكر بن خزيمة حديث محمود المتقدم في صحيحه مع أنه لا يخرج فيه شيئا من المراسيل، وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال له صحبة. قال وقال أبي لا يعرف له صحبة، ورجح ابن عبد البر أن له صحبة، وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج، وقيل إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع بن خديج فيه والله أعلم».

[24] [صحيح] أخرجه أبو داود في تفسير القرآن [ح2512]، والترمذي في تفسير القرآن [ح2972]، وصححه ابن حبان [11/9] من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضى الله عنه -. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب».

[25] هذا ما فهمه الأنصار - رضي الله عنهم - كما في رواية أبي أيوب السابقة.

[26] وهذا هو ظاهر الآية الكريمة.

[27] وهذا وغيره مما سيأتي مما يفهم من عموم الآية؛ وهو ما يدخل تحت قولهم: «العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب».

[28] يعني الشيخ العمل الصالح طبعًا، وإنما إعانة من يعمل عملا سيئا شركة له في إساءته.

[29] [صحيح] سبق تخريجه.

[30] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» [ص82-83].

[31] أخرجه البخاري في الرقاق [ح 6442 ] بنحوه، والنسائي في الوصايا [ح3612]، وأحمد [1/382] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[32] انظر: «مختصر تفسير ابن كثير» [ ج1 ص247].

[33] [صحيح] أخرجه الترمذي في الزهد [ح 2325 ]، وابن ماجه في الزهد [ح4228] من حديث أبي كبشة الأنماري - رضى الله عنه -. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[34] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الأدب [ح6114]، ومسلم في البر والصلة [ح2609] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[35] أخرجه مسلم في البر والصلة [ح2608] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[36] أخرجه أبو داود في الأدب [ح4777]، والترمذي في البر والصلة [ح2021 و2493]، وابن ماجه في الزهد [ح4186]، وأحمد في «المسند» [3/440]. جميعا من طريق: سعيد بن أبي أيوب حدثني أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه مرفوعًا، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب». وخرج طرقه أبو نعيم في «الحلية» [8/47] فانظره.

[قلت]: أبو مرحوم، وسهل بن معاذ بن أنس الجهني وثقهما بعض أهل العلم وضعفهما آخرون. ولم أجد لهما متابعًا على هذا الطريق، وهو حديث حسن المعنى.

[37] الحقيل: موضع، والحقيل: نبت. وقد قيل إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد؛ فلا تجتر.. قال أعشى باهلة يصف رجلاً نحّارا للإبل فهي تفزع منه:

قد تكظم البزل منه حين تبصره 

حتى تقطع في أجوافها الجرر

وانظر: «تفسير القرطبي» [ج5 ص317-318].

[38] هذا تأويلٌ لصفةِ الغضب الثابتة لله تعالى بلوازمها، ونحن -أهل السنة- نُمِرُّها كما جاءت بلا تعطيلٍ ولا تكييف.

[39] انظر: «تفسير القرطبي» [ج5 ص318].

[40] انظر: «تفسير القرطبي» [ج5 ص319-320].

[41] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» [ص132].

[42] انظر: «تفسير القرطبي» [ج5 ص353].

[43] انظر: المصدر السابق [ج5 ص354]، وراجع: «تفسير الطبري» [ج6 ص146 وما بعدها].

[44] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الدعوات [ح 6398]، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها [ح2719] من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[45] انظر: «تيسير الكريم الرحمن» [ص132].

[46] عزاه السيوطي في «الدر المنثور» [3/173]: لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه.

[47] انظر: «التسهيل لعلوم التنزيل» [ج1ص187]، و«صفوة التفاسير» [ج1 ص364].