اعداد /محمد محمود صقر سلسلة من موانع محبة الله عبدا

معنى الفساد والإفساد، والفرق بينهما:

أ- الفساد: هو التلف والعطب، والاضطراب والخلل، والجدب والقحط.. قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ (الروم: 41).. قال ابن كثير -في تفسيرها-: أي بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي؛ لأن الأرض والسماء بالطاعة[1]. وقال البيضاوي: المراد بالفساد الجدب وكثرة الحرق والغرق، ومحق البركات، وكثرة المضار، بشؤم معاصي الناس أو بكسبهم إيّاه[2].

 

والفساد: إلحاق الضرر.. قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ﴾ (المائدة: 33) الآية، وقال: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (المائدة: 64).. قال الصابوني -في تفسيرها-: أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله، ويسعون لإثارة الفتن بين المسلمين[3].

 

 

والفساد مصدر الفعل الثلاثي اللازم "فسد"، ومن معانيه: أنتن وعطب للحم ونحوه، وبطل للعقد ونحوه، وجاوز العقل والحكمة للإنسان العاقل، وفسدت الأمور: اضطربت وأدركها الخلل. واسم الفاعل من فسد "فاسد" والمبالغة منه "فسيد"[4].

 

 

ب- أما الإفساد: فمصدر الفعل الرباعي "أفسد" الذي يأتي لازمًا بمعنى "فسد".. يقال: أفسد الرجل أي فسد، كما يأتي -في الغالب- متعدّيًا لمفعولٍ واحد.. يقال: أفسد الرجل الشيء جعله فاسدا[5]. واسم الفاعل منه "مُفْسِد".

 

وإذًا لا فرق بين الفساد والإفساد في بعض معاني الثاني، وبينهما الفرق الذي بين الفعل اللازم والفعل المتعدي في باقي المعاني.

جـ- وفي معناهما أيضًا "المَفْسَدَةُ"؛ ومعناها الضرر وما يؤدي إلى فساد غيره.. قال أبو العتاهية:

إن الفراغ والشباب والجدَة

مفسدةٌ للمرء أيّ مفسدة[6]

 

 

 

وجمع مفسدة مفاسد، وهي في اصطلاح الأصوليين ضد المصالح والمنافع. فالفساد والمفسدة ضد المصلحة والمنفعة، والإفساد ضد الإصلاح والنفع.. قال تعالى: ﴿ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ﴾ (الأعراف: 56).

 

أولاً: عامةُ الإفساد، وخاصةً إهلاك الحرث والنسل:

قال تعالى: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ (البقرة: 204-206).

 

فقد خلق الله الجن والإنس لعبادته وحده.. قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56)، وسخر الله الأرض وما فيها وما عليها وما حولها لعباده حتى تتسنى لهم العبادة على الوجه المطلوب.. قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (الحج: 37)؛ ومن ثم يُعد تدمير الأرض أو شيء منها لغير فائدة أكبر من الذي يدمَّر جرمًا كبيرًا.. قال تعالى: ﴿ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ﴾ (الأعراف: 855).

 

ومعنى ﴿ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾: ذو جدال إذا كلمك وراجعك، وشديد القسوة في معصية الله والجدل بالباطل، وإذا شئت رأيته عالم اللسان جاهل العمل.. يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. أو هو غير مستقيم الخصومة ولكنه معوجُّها. أو هو كاذب في قوله.

 

والسعي -هاهنا- هو القصد؛ كما قال تعالى إخبارًا عن فرعون: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى ﴾ (النازعات: 22-24)؛ أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة؛ فإن السعي الحثيث إلى الصلاة منهيٌّ عنه بالسنة النبوية.. "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأْتوها وعليكم السكينة والوقار"[7]. فهذا المنافق ليس له همةٌ إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محلّ نماء الزروع والثمار. والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما.

 

﴿ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾؛ أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ﴾؛ أي إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله وقيل له: اتق الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحميّة والغضب بالإثم؛ أي بسبب ما اشتمل عليه من الآثام.

 

﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾: أي هي كافيته عقوبة في ذلك[8].

 

ومن أقوال المفسرين في آيات البقرة هذه:

1- هذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين.

2- قال بعضهم: نزلت في الأخنس بن شريق قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزعم أنه يريد الإسلام وحلف أنه ما قدم إلا لذلك ثم خرج فأفسد أموالاً من أموال المسلمين.. قاله السدي: وفيه نزلت ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ (الهمزة: 1)، ونزلت فيه ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ﴾... إلى ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ (القلم: 10-13).

 

3- وقال آخرون: بل نزل ذلك في قومٍ من أهل النفاق تكلّموا في السَّرِيّة التي أصيبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالرجيع.. قاله سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس، قال: لمّا أصيبت هذه السرية أصحاب خبيب بالرجيع بين مكة والمدينة فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا! لا هم قعدوا في بيوتهم ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله - عز وجل - في ذلك من قول  المنافقين وما أصاب أولئك النفر من الشهادة والخير من الله.

 

 

4- وقال آخرون: بل عنى بذلك جميع المنافقين وعنى بقوله: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ اختلاف سريرته وعلانيته[9].

 

5- وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد، وهو الصحيح.

 

7- وعن القرظي عن نوف -وهو البكالي- وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إنّي لأجدُ صفةَ ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنـزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدِّين.. ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر.. يلبسون للناس مسوك الضأن وقلوبهم قلوب الذئاب.. يقول الله تعالى: فعليَّ يجترئون وبي يغترون.. حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيرانًا.. قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ الآية.

 

8- وعن أبي معشر نجيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي فقال سعيد: إن في بعض الكتب إن عبادا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين يجترون الدنيا بالدين قال الله تعالى: علي تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيرانًا؛ فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنـزل في الرجل ثم تكون عامة بعدُ. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.

 

9- وفي البخاري عن عائشة ترفعه: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"[10].

 

10- وقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾؛ أي هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله.. كلامه كذب واعتقاده فاسد وأفعاله قبيحة.

 

11- وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض إفسادًا منع الله القطر فهلك الحرث والنسل[11].

حد الحرابة:

هذا، ويسمى الإفساد في الأرض حرابةً، أو هو داخل فيها. وقد قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (المائدة: 33.

 

 

والسعي في الأرض فسادًا يطلق على أنواع من الشر.. قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب: إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض؛ يعني بذلك الربا، وقد سبق أنا اعتبرناه كذلك.

 

وإن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك سواءً كان مسلمًا أو كافرًا في مصر وغير مصر في كل قليل وكثير وجليل وحقير، وإن حكم الله في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض؛ ولكن لا يكون هذا حكمَ من فعل أي ذنب من الذنوب؛ بل من كان ذنبُه هو التعدي على دماء العباد وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم في كتاب الله أو سنة رسوله؛ كالسرقة وما يجب فيه القصاص؛ لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه - صلى الله عليه وسلم- من تقع منه ذنوب ومعاصٍ غير ذلك ولا يجري عليه - صلى الله عليه وسلم- هذا الحكم المذكور في هذه الآية، وبهذا تعرف ضعف ما روي عن مجاهد في تفسير المحاربة المذكورة في هذه الآية أنها الزنا والسرقة، ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لهما حكمٌ غير هذا الحكم[12].

 

وقد اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة؛ فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور: إن من شهر السلاح في قبة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظُفِر به وقُدِر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار؛ إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله. وبهذا قال مالك، وصرح بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر أو في برية أو كابرهم  على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة.. قال ابن المنذر: اختُلِف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر مرةً ونفى ذلك مرة. وروي عن ابن عباس غير ما تقدم؛ فقال في قطاع الطريق: إذا قَتَلُوا وأخذوا المال قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا، وإذا أَخَذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نُفُوا من الأرض، وروي عن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء -على اختلاف في الرواية عن بعضهم - وحكاه ابن كثير عن الجمهور وقال أيضا: وهكذا عن غير واحد من السلف والأئمة. وقال أبو حنيفة: إذا قَتَل قُتِل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه؛ إن شاء قطع يديه ورجليه وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه. وقال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء، ونحوه قول الأوزاعي. وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلِّي؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قَتَل قُتِل، وإذا أخذ المال وقَتل قُتِل وصلب، وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام. وقال أحمد: إن قَتل قُتِل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله؛ كقول الشافعي[13].

 

 

قال الشوكاني:

 

ولا أعلم لهذه التفاصيل دليلاً لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله؛ إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره وتفرّد بروايته فقال:... عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية[14] فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيِّين، وهم من بجيلة.. قال أنس: فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرجَ الحرام.. قال أنس: فسأل  رسول الله - صلى الله عليه وسلم- جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف الطريق فاقطع يده لسرقته ورِجلَه بإضافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحلّ الفرجَ الحرام فاصلبه، وهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة لا يُدرى كيف صحته؟ قال ابن كثير -في تفسيره، بعد ذكره شيئًا من التفاصيل التي ذكرناها- ما لفظه: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده ثم ذكره[15].

 

ثانيًا: عامةُ الفساد، وإفساد ذات بين المسلمين (زرع الفتنة بينهم):

قال تعالى: ﴿ قَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (المائدة: 64)

 

قال الإمام الطبري[16]: ﴿ قَالَتْ الْيَهُودُ ﴾ من بني إسرائيل: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ يعنون أن خير الله ممسَك وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره -في تأديب نبيه - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ (الإسراء: 29).. يعني بذلك أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا ويمنعنا فضله فلا يفضل كالمغلولة يده، الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف!  تعالى الله عما قال أعداء الله، فقال الله مكذِّبَهم ومخبرهم بسخطه عليهم: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ).. يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات وقبضت عن الانبساط بالعطيات.

 

﴿ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴾؛ أي وأُبعِدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك. ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾.. يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلْقه، غير مغلولتين ولا مقبوضتين. ﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾.. يقول: يعطي هذا ويمنع هذا فيقتّر عليه.

 

وعن ابن عباس قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثَقة؛ ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده -تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرا- وعن مجاهد في قول الله: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ قالوا: لقد تجهّدنا الله -أي جهدنا الله- يا بني إسرائيل حتى جعل الله يدَه إلى نحره! وكذبوا! وعن قتادة: أما قوله: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) قالوا: الله بخيل غير جواد! قال الله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾. وعن السدي: قالوا: إن الله وضع  يده على صدره فلا يبسطها حتى يرد علينا ملكنا..

 

﴿ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ يقول: والله لا يحب من كان عاملا بمعاصيه في أرضه. قال عكرمة: نزلت في فنحاص اليهودي[17]. وعن الضحاك بن مزاحم: يقولون: إنه بخيل ليس بجواد! قال الله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾؛ أمسكت أيديهم عن النفقة والخير، ثم قال يعني نفسه: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾، وقال: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾.. يقول: لا تمسك يدك عن النفقة.

 

المقصود بالفساد في الآية:

في قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ﴾ قال بعض المفسرين: إيقاد النار كناية عن إرادة الحرب، وقد كانت العرب إذا تواعدت للقتال جعلوا علامتهم إيقاد نار على جبل أو ربوة ويسمونها نار الحرب، وهي إحدى نيران مشهورة عندهم، وإطفاؤها عبارة عن دفع شرهم، وثمة في الآية أقوال:

الأول: أنه إيقاد نار حقيقية وكذا الإطفاء حقيقي؛ أي أنهم كلما أوقدوا نارًا للمحاربة ألقى عليهم الرعب فتقاعدوا وأطفأها، وإضافة الإطفاء إليه تعالى إضافة المسبب إلى السبب الأصلي.

 

الثاني: وهو قول جمهور المفسرين، وهو تخريج الكلام مخرج الاستعارة، والمراد من إيقاد النار إظهار الكيد بالمؤمنين الشبيه بالنار في الإضرار، ومن إطفائها صرف ذلك عن المؤمنين.

 

الثالث: قال الآلوسي ولعل القول بالكناية ألطف منهما، وكون المراد من الحرب محاربة الرسول - صلى الله عليه وسلم.

 

الرابع: أنه أعم من ذلك؛ أي كلّما أرادوا حربَ أحد غُلبوا؛ فإن اليهود لما خالفوا حكم التوراة سلط الله تعالى عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط سبحانه عليهم فطرس[18] الرومي، ثم أفسدوا فسلّط جل شأنه عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأباد خضراءهم واستأصل شأفتهم وفرق جمعهم وأذلّهم، فأجلى بني النضير وبني قينقاع وقتل بني قريظة، وأسر  أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان له أهل وادي القرى، وضرب على أهل الذمة الجزية.

 

الخامس: كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها أبطلها الله ورد كيدهم عليهم وحاق مكرهم السيء بهم، ومن سجيتهم أنهم دائمًا يسعون في الإفساد في الأرض والله لا يحب من هذه صفته[19].

 

أي كلما جمعوا للحرب جمعًا وأعدوا له عدة شتّت الله جمعهم وذهب بريحهم، فلم يظفروا بطائل ولا عادوا بفائدة؛ بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم، وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها ثم يبطل الله ذلك، أي يجتهدون في فعل ما فيه فساد، ومن أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله. وقيل المراد بالنار هنا الغضب؛ أي كلما أثاروا في أنفسهم غضبًا أطفأه الله بما جعله من الرعب في صدورهم والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم. وإن كانت اللام للجنس فهم داخلون في ذلك دخولاً أوليًّا، وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان شدة فسادهم وكونهم لا ينفكون عنه[20].

 

أو كلما أرادوا حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم- وإثارة شرٍّ عليه ردهم الله - سبحانه وتعالى - بأن أوقع بينهم منازعةً كف بها عنه شرّهم، أو كلّما أرادوا حرب أحد غُلِبوا[21]. أو كلما أرادوا محاربتك ردهم الله وألزمهم الخوف[22].

 

أو هو تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلة ما هم فيه إلى المسلمين؛ أي كلما أرادوا محاربة الرسول ورتبوا مباديَها وركبوا في ذلك متن كل صعب وذلول ردهم الله تعالى وقهرهم، أو كلما أرادوا حرب أحد غلبوا[23].

 

وفي قوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ﴾؛ أي يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله، وإثارة الشر والفتنة فيما بينهم، مما يغاير ما عبّر عنه بإيقاد نار الحرب؛ كتغيير صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -[24]، وإدخال الشُّبه على ضعفاء المسلمين، والمشي بالنميمة مع الافتراء، ونحو ذلك. أي للفساد وهو اجتهادهم في الكيد، وإثارة الحروب والفتن وهتك المحارم[25]. يعني يجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كتبهم[26].

 

وفي قوله: ﴿ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾؛ بل يبغضهم ولذلك أطفأ نائرة فسادهم[27]. ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله؛ فيكفرون بآياته ويكذّبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيهم فيها بالفساد.. والله لا يحب من كان عاملاً بمعاصيه في أرضه[28]. فلا يجازيهم إلا شرا[29]. واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أوليّا وإما للعهد ووضع المظهر مقام الضمير للتعليل، وبيان كونهم راسخين في الإفساد، ولو أن أهل الكتاب، أي اليهود والنصارى، على أن المراد بالكتاب الجنس المنتظم للتوراة والإنجيل، وإنما ذكروا بذلك العنوان تأكيدًا للتشنيع؛ فإن "أهلية الكتاب" توجب إيمانهم به وإقامتهم له لا محالة، فكفرهم به وعدم إقامتهم له وهم أهله أقبح من كل قبيح وأشنع من كل شنيع[30].

 

وقد أفسد بني إسرائيل في الأرض مرارا وتكرارا على مدار تاريخهم الحافل بسوء أفعالهم وخبث نواياهم... وعن مجاهد: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ﴾ هم اليهود.. فلن تلقى اليهود ببلدٍ إلا وجدتهم من أذل أهله.. لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه. وعن السدي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرّقه الله وأطفأ حدهم ونارهم وقذف في قلوبهم الرعب. وقال مجاهد: قوله ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ﴾ قال: حرب محمد - صلى الله عليه وسلم -[31].

 

قال الطبري: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾؛ يعني بـ"الطغيان" الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والتمادي في ذلك. ﴿ وَكُفْراً ﴾ يقول: ويزيدهم مع غلوِّهم في إنكار ذلك جحودهم عظمة الله ووصفهم إيّاه بغير صفته بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾، وإنما أعلم تعالى ذكره نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنهم أهل عُتُوٍّ وتمرد على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحق وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه.. يسلي بذلك نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم- عن الموجدة بهم في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إيّاه. ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾: بين اليهود والنصارى عن مجاهد... فإن قال قائل: وكيف قيل ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ جعلت الهاء والميم في قوله: ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ كنايةً عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟قيل: قد جرى لهم ذكر وذلك قوله ﴿ لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ (المائدة: 51).. جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين وفي بعض عن أحدهما إلى أن انتهى إلى قوله ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾، ثم قصد بقوله (ألقينا بينهم) الخبر عن الفريقين[32].

 

ومخالفة اليهود -في سيِّء أخلاقِهم وفعالِهم- أمرٌ مقصودٌ شرعًا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-[33].

 

فلهذا نخالف المشركين واليهود والنصارى والمجوس.. في المظهر، وطريقة الخطاب، واختيار اللفظ، وفي القِبلة... إلى آخر ما حذَّر الشرع من مشابهتهم فيه. كذلك ننبه كثيرًا بالقول: "وهذا من فعل اليهود"، "وهذا من فعل المشركين"، "وهذا من صفات المنافقين".. إلخ. كما ينبغي أن يُعْلم أن اليهود والنصارى يأتون في زمننا هذا أمورًا جسيمةً، وقد حذّرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من موافقتهم فيها، ومع ذلك تجد كثيرًا من المسلمين يسارعون في تقليدِهم، وإني أقول -بناءً على ما تقدّم-: إنه يحرم على المسلمين تقليد اليهود والغرب، وربما كان هذا مانعًا من محبّة الله تعالى عبدَه الذي يفعل ذلك؛ فلتحذر أخي المسلم من تقليدهم في طرق الأكل واللباس والسكنى، ومن الاستماع إلى المحرّم، ومن غيرها مما لم تقف على حلّه في الشرع المحمديّ الحنيف.

 

هذا، وتشيع في الدراسات حول اليهود -سواءً عند المسلمين أو غيرهم- أحاديث عن طبائع اليهود وأخلاقهم، وتتفق هذه الدراسات -في غالب الأحيان- على أن طبائع اليهود سافلةٌ وأخلاقهم رذيلة، وثمة من يشككون في هذا ويعتبرونه من قبيل الإطلاقات العامة التي لا يؤيّدُها الدليل، وأيًّا ما كان الأمر فإننا نتقيد فيما نقول بالوحي المنـزّل الذي لا يأتيه الباطل ولا يكذبه الواقع.

 

وثمة في هذا الوحي المنـزّل نصوصٌ تصم اليهود بهذه الطبائع السافلة وتلك الأخلاق الرذيلة.. من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

 

1- الكفر بآيات الله تعالى.. قال تعالى: ﴿ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ﴾ (البقرة: 61، وآل عمران: 112)، وقال: ﴿ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ﴾ (آل عمران: 21).. وقد وافقهم على ذلك من أبناء المسلمين طوائفُ ممن تلّمذوا عليهم في الغرب أو في الشرق.

 

2- قتل الأنبياء ودعاة الحق بغير ذنب إلا لدعوتهم إلى الحق.. قال تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ (البقرة: 61، وآل عمران: 21)، وقال: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ ﴾ (آل عمران: 21)، وقال: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ (البقرة: 87).. وخلفاؤهم الذين ولَّوْهم مقاليد الحكم بعد انسحابهم من أراضي المسلمين قتلوا ويقتلون دعاة حق كثيرين.

 

3- الولوع بالكذب وتحريف الكلم عن مواضعه.. قال تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ (النساء: 46، والمائدة: 13)، وقال: ﴿ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ﴾ (المائدة: 41).. وقد ساد هذا أيضًا في كتابات دعاتهم المنتشرين بين المسلمين؛ الذين يلْوُون أعناق النصوص لتوافق نظريات من يعملون  لحسابهم.

 

4- العصيان بعد قيام الحجة عليهم وإيتائهم الكتاب.. قال تعالى: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ (البقرة: 93)، وقال: ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ﴾ (النساء: 46).. ولا شك أن هذا سمة من يفعل ما سبق من الموبقات، فهو كالمقدّمة له.

 

5- الذلة والضَّعة والصَّغار بين الأمم.. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ (الأعراف: 167)، وقال: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾ (إبراهيم: 6)، وقال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ (البقرة: 49).. وقد تُبُودِلَتْ المواقع بين المسلمين وأهل الكتاب في زمننا.. أصبح المسلمون صاغرين وأصبحوا هم أعزة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

هذا، ولا يغترّ إنسانٌ بعلوِّهم في الأرض الآن؛ فإن الله الذي أنزل هذا أنزل فيهم أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ (الإسراء: 4-8) الآيات.

 

6- التخيُّر من الكتاب ما يوافق الهوى.. قال تعالى -مخاطبًا إيّاهم-: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ (البقرة: 85)، وقال: ﴿ إِِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً ﴾ (النساء: 149-150).. وهذا يفعله اليوم -ويا لله للمسلمين- ليس المغرضون منّا بل أفراد وجماعات ممن يحملون راية الإسلام مدافعين عنه.

 

7- سفك الدماء وإخراج الناس من ديارهم.. قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ (البقرة: 85).. وانظر ما تفعلُه -مثلا- الحكومات والجماعات في بلاد المسلمين المحتلة كفلسطين والعراق وغيرهما.

 

8- قول الإثم وأكل السحت وأخذ الربا والخيانة ونقض العهود.. قال تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ ﴾ (المائدة: 13). وقال: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ (النساء: 155)، وقال: ﴿ وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ (المائدة: 62-63)، وقال: ﴿ وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ (النساء: 161).. وأية جريرة من هذه لا يقترفها مسلمون اليوم، بل أصبحوا يتبجحون بأن ما يأتون من هذا أعظم مما يأتيه الغرب منه؟!.

 

9- الصد عن سبيل الله والإفساد في الأرض.. قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا ﴾ (النساء: 160)، وقال: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ (البقرة: 60)، وقال: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ﴾ (المائدة: 64).. وماذا تسمي تغْليق المساجد واعتقال العلماء ومصادرة الكتب وتغيير المناهج التربوية في بلاد الإسلام، إن لم يكن صدًّا عن سبيل الله وفسادا عريضًا؟!

 

10- الجراءة على الله تعالى وسوء الأدب معه سبحانه ومع الأنبياء - عليهم السلام -.. قال سبحانه: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ (المائدة: 18)، وقال: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ (المائدة: 64)، وقال: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ﴾ (التوبة: 30)، وقال: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ (المائدة: 24)، وحكى القرآن قولهم لموسى - عز وجل -: ﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ (الأعراف: 128-1299).. بل إنه -باسم الإبداع قاتله الله- يُسَبُّ اللهُ ورسولُه وصحابتُه وأزواجُه، ويُعتَرض على قضاء الله وقدره.

 

فهذا غيض من فيض من صفات اليهود السيئة وطباعهم الخبيثة وأخلاقهم القبيحة، ويبقى أنهم في زماننا هذا يُخرّبون بيوت الله وعلى رأسها المسجد الأقصى -خلَّصه الله من أرجاسهم- ويتجرون في الرّبَا والبغاء، ويتبعون النظريات الهدامة كالعلمانية والشيوعية والتطورية... إلخ. ويا للخزي والعار أي شيءٍ لم يشابههم مسلمون فيه ويواطؤوهم عليه؟!

 

إن من أعلام النُّبوَّة "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُّذَّة بالقُّذَّة، شِبْرًا بشبر وذِراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه"، قيل له: اليهود والنصارى، قال: - صلى الله عليه وسلم- "فمن"؟[34]. وقال - صلى الله عليه وسلم-: "لتأخذنَّ أمتي مأخذ القرون قبلها"، قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟ قال: "فمن الناس إلا أولئك"؟[35]، وقال - صلى الله عليه وسلم-: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانيةً لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة.. كلهم في النار إلا ملة واحدة"، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"[36].

 

 

ثالثًا: الخروج على الدين بالكفر به وقتال أهله:

فعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِى رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ -رضى الله عنه- قَالُوا: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ. قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ؛ إِنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلاَءِ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ -وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ- مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ الله إِلَيْهِ، مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ[37].

 

 

والخوارج جمع "خارجة"؛ أي طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين.. علي - رضى الله عنه -.. كانوا ينكرون عليه أشياء ويتبرءون منه.. وكان يقال لهم "القراء" لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك.. فبعد "صفين" وحادثة "التحكيم" بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - ترك جمع كثير ممن كان مع علي، وخصوصا القراء، القتال تديُّنًا، وأنكر ذلك الذين صاروا خوارج، وأنكروا تخلي علي عن لقبه "أمير المؤمنين" في الكتاب الذي كان بينه وبين معاوية -رضي الله عنهما- وتنادوا: "لا حكم إلا لله"، فقال: "كلمة حق يراد بها باطل"، وقال لهم: "لكم علينا ثلاثة‏:‏ أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا‏".

 

 

خرج إليهم علي في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام؛ فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة.. ثم انضم إلى من بقي منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليًّا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح، ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له "النجيلة".. ثم خرجوا أثناء خلافة عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما - بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر؛ الذي زاد على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم، وتوسعوا في معتقدهم الفاسد؛ فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقًا، وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعو أولا ثم يفتك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب.

 

 

قال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ الخوارج صنفان؛ أحدهما يزعم أن عثمان وعليًّا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا‏. وقال غيره‏:‏ بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثاني؛ لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم‏:‏ ذهب نجدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار، ومن أدمن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد فأنكر الصلوات الخمس وقال‏:‏ الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي، ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال "لا إله إلا الله" فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه.

 

وقال الغزالي -في "الوسيط"، تبعا لغيره-: في حكم الخوارج وجهان‏؛‏ أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثاني أنه كحكم أهل البغي، ورجَّح الرافعي الأول، وليس الذي قاله مطَّرِدا في كل خارجي فإنهم على قسمين‏:‏ أحدهما من تقدم ذكره، والثاني من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضًا: قسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية؛ فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسن بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا وهم البغاة.

 

‏وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله[38]‏، وفي حديث أبي ذر في وصف الخوارج: "هم شرار الخلق والخليقة"[39]، وفي حديث عائشة قالت: ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخوارج فقال: "هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي"[40]، وعند الطبراني: "هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة"[41]، وعند أحمد: "هم شر البرية"[42]، و"شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض"[43]، وفي ذكر الخوارج "شر الخلق والخليقة" يقولها ثلاثا[44]، ‏و"هم شر الخلق"[45]، وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم‏[46].

 

واختلف العلماء في تكفير الخوارج؛ فممن كفرهم البخاري؛ حيث قرنهم بالملحدين لا بالمتأولين، وأبو بكر بن العربي.. قال: الصحيح إنهم كفار؛ لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: "يمرقون من الدين"، ولقوله: "لأقتلنهم قتل عاد"[47] وفي لفظ "ثمود"[48]، وكل منهما إنما هلك بالكفر، ولقوله: "هم شر الخلق"، ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى"، ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار؛ فكانوا هم أحق بالاسم منهم.

 

وممن يرى عدم كفرهم الخطابي؛ حيث تأول كلمة "الدين" في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يمرقون من الدين" بالطاعة؛ أي أنهم يخرجون من طاعة الإمام لا من الدين الذي أرسل به محمد - صلى الله عليه وسلم-، ورد عليه بالرواية الصحيحة للحديث "يمرقون من الإسلام"[49]، كما نقل شيخ الإسلام إجماع الصحابة على عدم كفرهم[50]، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: الصحيح الذي قاله الأكثرون المحققون أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم[51]. واحتج غير المكفرين بأن الخوارج أتوا من جهة الاتباع لا من جهة الإخلاص، وأن تكفيرهم المسلمين تأوُّلٌ منهم، وأن تكفيرهم بعض الصحابة المشهود لهم بالجنة ليس تكذيبا لشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم لم يعلموا الشهادة فكذبوها فلم يثبت عليهم الكذب بعكس الروافض.

 

 

والحق أن مِنَ الخوارجِ من يكفر ومنهم من لا يكفر، وأنهم جميعًا يعاملون معاملة المسلمين. والحق أن الذين لا يحبهم الله تعالى هم الكافرون منهم؛ إن كان - سبحانه وتعالى - -ولابد- لا يحب إلا المؤمنين، ولا يُدخِل - سبحانه وتعالى - الجنةَ إلا من يحبُّ.

 

 

رابعًا: الفساد بمعنى البغي، والجحود، والانشغال بالنّعم عن المنعم:

يقول الله تعالى -عن قارون لعنه الله-: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (القصص: 77). وقد وردت تلك الآية في سياق قصة قارون الذي يضرب به المثل في الكفر، مثله مثل فرعون وهامان والنمروذ وأبي جهل وأبي لهب وأُبّي وأمية ابني خلف والوليد بن المغيرة وغيرهم، وإنما كان كفر قارون من نوع الطغيان على عباد الله وجحود نعمه عليه، حتى صار من أكثر المتبجحين بنسبة النعم إلى أنفسهم حتى قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ (القصص: 78)، وهذا من أجلى الأمثلة على كافر النعمة.

 

وقد تعددت جرائم قارون على النحو التالي:

1- البغي على بني قومه، خاصة وأنهم كانوا مساكين يسومهم فرعون سوء العذاب، فلم يرحمْهم قارون؛ فجمع بذلك بين قطيعة الرحم وغمط الناس.. قال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ﴾ (القصص: 76). ولقد علمنا أن البغي وحده مانع من محبّة الله تعالى، كما في "مانع الاعتداء".

 

2- الفرح والبطر والاغترار بالمال.. قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ (القصص: 76). وعلمنا أن الفرح -بهذا المعنى- مانع من محبته تعالى عبدَه.

 

3- نسيان الآخرة وعدم العمل لها، والانكباب على الدنيا.. يُطلِق لنفسه عنان الشهوة المحرمة، ويظلم الناس، وينسى حق الله من الشكر، وحق الناس من الإحسان إليهم.. قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (القصص: 77)

 

4- جحود النعمة وكفرُها، ونسبتها إلى نفسه من دون الله.. قال تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ (القصص: 78(

 

5- عدم اعتباره بالهالكين من قبله.. قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ ﴾ (القصص: 78(

 

6- الاشتغال بالنِّعم عن المنعم سبحانه، وفتنة الناس من ضعاف النفوس بهيئته وزينته.. ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ ﴾ (القصص: 79-80).

 

فهذه بعض جرائم قارون التي حكاها القرآن، ولعلها المفاسد المقصودة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾، وبقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ كما مرّ، ولا يُستبعد على مثل قارون أن يأتي من المفاسد أكثر من ذلك؛ كأن يصدّ عن سبيل الله، ويشيع الفاحشة، وغير ذلك، غير أن ما حكيناه هو ما حكاه القرآن الكريم عنه.

 

لقد كان عقاب قارون -لعنه الله- أن خسَفَ اللهُ به وبداره الأرض، وجعله عبرةً لمن يعتبر من قومه ومَن بعدهم.. قال تعالى: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (القصص: 81-833(

 

ويعنُّ لي أن سبب خسفِ الله به وبداره الأرض ربما يكون العُجْب، وهو من أذمّ معاني الفرح المذموم؛ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "خرج رجل ممن كان قبلكم في حلّة له يختال فيها؛ فأمر الله الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها -أو قال يتلجلج فيها- إلى يوم القيامة"[52].

 

وإذًا يكون البغي؛ ومن أنواعه: التكبّر على الخلق وغمطُهم، ومنع حقوقهم التي افترضها الله لهم في المال، والفرح المحرم؛ ومن أنواعه: بطر النعمة، والانشغال بها عن منعمها - عز وجل -، والعجب بالنفس؛ كل هذا فساد لا يحبه الله، وتمنع محبته تعالى من يأتيها أو بعضَها.

 

 

خلاصة هذا المانع

وبذا يكون الفساد المانع من محبة الله تعالى من يأتيه -أعاذنا الله وإيّاك من ذلك- قد جاء في الشرع الحنيف بهذه المعاني الخمسة:

1- إهلاك الحرث والنسل.

2- السعي بالفتنة بين المسلمين.

3- الخروج على الدين بالكفر به وقتال أهله.

4- البغيُ على عباد الله.

5- كفر النعم، والانشغال بها عن منعمهما - سبحانه وتعالى -.

6- الفرح المحرّم. والله أعلى وأعلم وأعز وأكرم.

 

________________________________________

[1] انظر: "تفسير ابن كثير" (ج6 ص203-204) مختصرا.

[2] انظر: "معالم التنزيل" (ج2 ص106).

[3] انظر: "صفوة التفاسير" (ج1 ص353).

[4] راجع: "المعجم الوسيط" (ج2 ص688) مادة (ف س د).

[5] انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.

[6] انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.

[7] [متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في الأذان (ح636) وله أطراف أخرى، ومسلم في المساجد (ح602) من حديث أبي هريرة.

[8] راجع فيما سبق: "تفسير الطبري" (ج3 ص571 وما بعدها)، و"تفسير ابن كثير" (ج1 ص331).

[9] انظر: "تفسير الطبري" (ج3 ص571 وما بعدها).

[10][متفقٌ عليه] أخرجه البخاري في المظالم (ح2457)، ومسلم في العلم (ح2668) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[11] انظر: "تفسير ابن كثير" (ج1 ص331).

[12] انظر: "فتح القدير" للشوكاني (ج2 ص51) بتصرف.

[13] انظر: المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة، بتصرف يسير.

[14] يعني قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 33].

[15] [إسناده ضعيف] أخرجه الطبري في تفسيره (6/216) وقال الطبرى: في إسناده نظر. [قلت]: لأن فيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، وانظر: "فتح القدير" (ج2 ص51).

[16] راجع: "تفسير الطبري" (ج8 ص552 وما بعدها).

[17] "فنحاص" هذا هو رأس يهود بني قينقاع، كما في "لباب النقول" للسيوطي (ص86).

[18] اختلف في اسمه فقيل: "فطرس"، وقيل: "طيطوس".

[19] انظر: "تفسير ابن كثير" (ج2 ص104) بتصرف.

[20] انظر: "فتح القدير" (ج2 ص 84).

[21] انظر: "تفسير البيضاوي" (ج1 ص345)، و"معالم التنزيل" (ج1 ص76).

[22] انظر: "الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" (ص327).

[23] انظر: "تفسير أبي السعود" (ج3 ص59).

[24] [قلت]: أي في كتب الله المنزّلة عل أنبيائهم -عليهم السلام- والتي بشرّت به - صلى الله عليه وسلم-.

[25] انظر: "تفسير البيضاوي" (ج1 ص345).

[26] انظر: "الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" (ص327).

[27] انظر: "روح المعاني" (ج6 ص183).

[28] انظر: المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.

[29] انظر: "تفسير البيضاوي" (ج1 ص345).

[30] انظر: "تفسير أبي السعود" (ج3 ص59).

[31] انظر: "تفسير الطبري" (ج8 ص559-561).

[32] انظر: المصدر السابق (ج8 ص157-158).

[33] راجع: "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص55-56).

[34] [متفقٌ عليه] رواه البخاري (ح3456)، ومسلم (ح2669) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[35] أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة (ح7319)، وابن ماجه في الفتن (ح3994)، وأحمد في "مسنده" (2/325)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[36] [حسن] أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب/ ما جاء في افتراق هذه الأمة (ح2641)، والحاكم في "المستدرك" (1/218)، كلاهما عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- والطبراني في "الصغير" (2/29)، و"الأوسط" (8/22) عن أنس رضي الله عنه. وطريق الترمذي هي: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: فذكره، وقال: "هذا حديث مفسَّر غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وقال الألباني -في "المشكاة" (رقم 171) و"السلسلة الصحيحة" (رقم 1348) و"صحيح سنن الترمذي" (رقم 26411)-: "حسن".

[37] أخرجه مسلم في كِتَاب الزَّكَاةِ، بَاب/ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِجِ (ح1781)، وابن حبان في "صحيحه" (ح7097) بسند حسن رجاله ثقات عدا حرملة بن يحيى التجيبي، وهو صدوق حسن الحديث، والنسائي في "السنن الكبرى" (ح8253)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (ح15361) كلاهما بسند رجاله ثقات.

[38] [صحيح] أخرجه البخاري تعليقا (ج8 ص51 ك88 ب6)، ووصله الطبري في مسند علي من "تهذيب الآثار"، من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعًا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية‏؟‏ قال‏:‏ كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين.

[39] أخرجه مسلم في من حديث أبي ذر - رضى الله عنه - مرفوعا.. قال ابن حجر: "وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعا مثله".

[40] [حسن] أخرجه البزار في "مسنده" من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة -رضي الله عنها-.. قال ابن حجر: "وسنده حسن".

[41] [شطره الأول صحيح] أخرجه مسلم في كِتَاب الزَّكَاةِ، بَاب/ الْخَوَارِجِ شَرِّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ (ح1782)، وأحمد في "مُسْنَده" (ح20999) من حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - رضى الله عنه - مرفوعا، وسنده متصل رجاله ثقات رجال البخاري عدا عبد الله بن الصامت الغفاري روى له البخاري تعليقًا. أما شطره الثاني فأخرجه ابن الأعرابي (ح829) وزاد "وَأَقْرَبُهُمْ عِنْدَ الله وَرَسُولِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وسنده شديد الضعف فيه:  سهل بن عامر البجلي ومجالد بن سعيد الهمداني، وهما ضعيفان، بل إني لأشتم منه رائحة التشيع.

[42] [حسن] أخرجه أحمد في "مسنده" (3/15) رواه جامع بن مطر الحبطي: حدثنا أبو رؤبة شداد بن عمران القيسي عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! إني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: "اذهب إليه فاقتله". قال: فذهب إليه أبو بكر، فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله،  فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- لعمر: "اذهب فاقتله"، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر، قال: فكره أن يقتله، قال: فرجع فقال: يا رسول الله! إني رأيته يصلي متخشعا فكرهت أن أقتله، قال: "يا علي! اذهب فاقتله"، قال، فذهب علي فلم يره، فرجع علي فقال: يا رسول الله! إنه لم يره، فقال - صلى الله عليه وسلم-: "إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه، فاقتلوهم، هم شر البرية"، بإسناد حسن رجاله ثقات معروفون، غير أبي روبة وثقه ابن حبان، وقال الهيثمي في "المجمع" (6/225): "رواه أحمد ورجاله ثقات"، وفيه (6/226): "صحيح"، وقال الألباني -في "السلسلة الصحيحة" (5/659)-: "إسناده حسن"، وقال الشوكاني -في "نيل الأوطار" (7/350)-: "إسناده جيد"، وقال ابن حجر: "إسناده جيد وله شاهد".

[43] [رجاله ثقات] أخرجه الطبراني في (ح1254)، ‏‏.‏ "" () من حديث عبد الله بن خباب يعني عن أبيه - رضى الله عنه -، وعند ابن ماجه في "المقدمة" (1/12 باب 12) عن أبي أمامة: "شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوه كلاب أهل النار.." قيل لأبي أمامة: هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وقال الهيثمي -في "مجمع الزوائد" (6/233-234)-: "رواه أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني ورجاله ثقات، بعد أن أورده مطولا عما في ابن ماجة". وقال -في ‏(‏6/2300‏)-: "رواه الطبراني، وفيه محمد بن عمر الكلاعي وهو ضعيف".

[44] [حسن] أخرجه أحمد في "مسنده" (ح19341) وتمامه: عَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- يُحَدِّثُنِي عَنْ الْخَوَارِجِ، فَلَقِيتُ أَبَا بَرْزَةَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَرْزَةَ، حَدِّثْنَا بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُهُ فِي الْخَوَارِجِ؛ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ بِمَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَرَأَتْ عَيْنَايَ: أُتِيَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه  وسلم - بِدَنَانِيرَ، فَكَانَ يَقْسِمُهَا وَعِنْدَهُ رَجُلٌ أَسْوَدُ مَطْمُومُ الشَّعْرِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، فَتَعَرَّضَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَقَالَ: وَالله يَا مُحَمَّدُ مَا عَدَلْتَ مُنْذُ الْيَوْمَ فِي الْقِسْمَةِ؛ فَغَضِبَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: "وَالله لَا تَجِدُونَ بَعْدِي أَحَدًا أَعْدَلَ عَلَيْكُمْ مِنِّي" قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ رِجَالٌ كَانَ هَذَا مِنْهُمْ، هَدْيُهُمْ هَكَذَا: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ"، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ: "سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ، لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ" قَالَهَا ثَلَاثًا، "شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ" قَالَهَا ثَلَاثًا، وَقَدْ قَالَ حَمَّادٌ: "لَا يَرْجِعُونَ فِيهِ"، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" أيضًا من حديث أبي برزة رضي الله عنه.

[45] [حسن] أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (8/13 ح735) من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة - رضى الله عنه - موقوفا.

[46] انظر: "فتح الباري" (ج12 ص283-286) بتصرف واختصار.

[47] أخرجه البخاري في كِتَاب التَّوْحِيدِ، باب/ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ ﴾ (ح6907)، والنسائي في كِتَاب الطَّهَارَةِ، التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُقِيمِ (ح2544 و4056)، بسند حسن رجاله ثقات عدا عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي وهو صدوق حسن الحديث.

[48] [ضعيف] أخرجه في "الخلعيات" (ح28) بسند فيه محمد بن محمد الجرجاني وهو ضعيف.

[49] [متفق عليه] أخرجه البخاري في كِتَاب الْمَنَاقِبِ، بَاب/ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ (ح3366)، وفي كِتَاب فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، بَاب/ إِثْمُ مَنْ رَاءَى بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (ح4696) كلاهما حديث علي - رضى الله عنه -، وفي كِتَاب التَّوْحِيدِ، باب/ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ ﴾ (ح6907) من حديث أبي سعيد - رضى الله عنه -، وفي كِتَاب اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُعَانِدِينَ، باب/ قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ (ح6450) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما - وفي بَاب/ مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ (ح6452) من حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه. ومسلم في كِتَاب الزَّكَاةِ، باب/ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِج (ح1780) من حديث علي - رضى الله عنه -، وفي باب/ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ (ح17699) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

[50] انظر: "منهاج السنة النبوية" (ج5 ص247).

[51] انظر: "الدرر السنية" (ج8 ص270).

[52] [صحيح] تقدم تخريجه.