هل دخلنا في زمان الفتن؟ وهل هذا سؤالٌ جدِّيٌّ؟ وهل هو خطير؟ ولماذا؟ هل الجميع حائر في وضع جواباتٍ لهذه السؤالاتِ السَّابقة وتلك الَّتي تلي؟

 

هل دخلنا في زمان الفتن؟ وهل هذا سؤالٌ جدِّيٌّ؟ وهل هو خطير؟ ولماذا؟ هل الجميع حائر في وضع جواباتٍ لهذه السؤالاتِ السَّابقة وتلك الَّتي تلي؟

 

خذ أي طريق شئتَ، أو امكث في بيتك، أو غيْر بيتك، ثم - بالله - أخبِرْني: إلى أي مدى نجوت هذا اليوم، بعد اتخاذك هذا التدبير، الذي إن أطقتَ يومًا فلن تطيقَه شهرًا، وإن أطقتَه شهرًا فلن تطيقَه عامًا، وإن أطقتَه عامًا فلن تطيقه عمُرًا، من فتنة النساء، ومن فتنة "التقانة" الحديثة بأشكالِها الضارَّة والنافعة، ومن الأسلِحة شديدة الفتك فائقة التدْمير، ومن التلوُّث بأشكاله البيئي والكوْني، ومن فساد الأذواق والأذهان، وأخيرًا من تعكير صفوك باللجاجة حول جدوى الشَّرع الشريف؟

 

1- قديمة واليوم تختلف:

قل: إنَّ فتنة النساء موجودة من قديم وموجودة لا محالة؛ فلا تستقيم حياةٌ بغيرهنَّ، وفوائدهن أكثر؛ بل لا تقارنُ بمضارهنَّ، فهنَّ لا بدَّ في كل الأزمان وفي جميع البلدان، لا غنى عنهنَّ، شكَّلن ما شكَّلن من مَجموع بني الإنسان، نصفه أو أكثر أو أقلَّ، لا بدَّ من امرأةٍ لكل رجل، بل ولكل امرأةٍ أيضًا: زوجًا للزوج، وأمًّا للولد، وأختًا لأخيها، وصديقةً لصديقتها، طبيبةَ نساء وقابلةً وخادمةً، لولاها من يحملُ الأجنَّة ويَنْسُلُهم، ويرضع الصغارَ ويرعاهم، ويطيع الرجال ويعفُّهم؟!

 

وأقول لك: لا تعجَل عليَّ واتَّئِد، فمن قال: إنني أتمنَّى إبادتهنَّ؟ أو أدعو إلى ظلمِهنَّ؟! أنا كالنَّاس جميعِهم، لي أمٌّ وزوجةٌ وبناتٌ، وكان لي جدَّاتٌ وأخوات، وعمَّاتٌ وخالات، ولقد أحبَبْنني وأفدْنَني، وخفقَتْ قلوبُهنَّ لمرضي ولغيابي، ثمَّ خفقت لصحَّتي وإيابي.

 

لكنْ أن يتعرَّى النِّساء ويتغنَّجن، ويُزاحمْنك في كل وادٍ، وهن أجنبيَّاتٌ عنك، غير محارمَ لك، وبهذه الصورة المفْزِعة والمتمادية - هذا هو الجديد، وهذا هو المرفوض، وهذا ما لا يجب أن يكون مادُمنا أحياء، ومادُمنا سنحاسب على ما نقترف، وعلى ما يقترف رعايانا؛ وكلُّنا راعٍ ومسؤول[1].

 

يُزاحِمني حريم غيري، يضيِّقن عليَّ فيملأن طريقي؛ بل يدْخُلن في عيْنَيَّ على الرَّغْم منِّي، تقْتَحم أصواتُهُنَّ أُذُنَيَّ بغير إرادة منِّي، أخشى على ديني أن أخرج من بيتي، من أن أستقلَّ وسيلةَ مواصلات إلى عملي، حتمًا سأجِد امرأة يافعةً، وربَّما سمينةً، يجلِسُ نصفُها على كرسيِّ العربة، والنِّصْف الآخر معلَّق في "طُرْقةٍ"، حتْمًا عليَّ أن أعبرها، وأُخرى واقفةً في منتصف طرقة "مترو أنفاق القاهرة"، وناهيك عن تبرُّج النساء في بلادي وعن سفورِهنَّ، إذا كنت مكاني فسيعترِضُك كثيرٌ من الشعور والنُّحور والصدور، هذا فضلاً عن الوجوه والأكفِّ التي يتنازع الفُقهاء في زماني حول جواز كشْفِها، والزينة بأشكالِها، وتفنُّن مصممي الأزياء الَّذين مُنِي بتخنُّثهم زمني، لا يقنع النِّساء في زماني - إلاَّ مَن رحِم ربِّي - بثيابٍ لا تشفُّ أو لا تَصِف، ولا بأُخرى تتكرَّر في يومين، أو في خُرُوجَيْن لصاحبتِه، تلك العارضة نفسَها، الباذلة حياءَها لمن له رغبةٌ في رؤيتِها، ولمن به خشية من ربِّه أن يراها.

 

كل هذا - يا صديقي الحميم - أمرٌ خاصٌّ بزماني وحدَه، وربَّما ببلادي من دون بلادِ الله، إلاَّ أن يكون بلدًا أهلُه كافرون، أو غلَب على حكمِه كافِرون، فهل لذاك الزَّمان انقطاع؟! وهل من غير تلك البلاد ملاذ؟!

 

أضف ما يطلُّ عليك، ويتدخل في حياتِك الخاصَّة، من تلفازٍ وخيَّالة ومجلات وصحُف، أينما ولَّيْت وجهَك ولَّت خلفَك، تُطاردك أينما تذهب، ولا يخلو منها مكانٌ في أرض الله، إلاَّ أن تكون في صحراءَ جرْداء، لا زرعَ فيها ولا ماء، أو في: ﴿ بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ﴾[2]، إن عشتَ في أيِّهِما احتجت - ولا بدَّ - إلى أن تقصِد قريةً أو مدينةً، فلتنظُر أيُّها أزْكى طعامًا فلْتأت نفسَك برزقٍ منه، ولتتلطَّف ولا تشعرنَّ بنفسِك أحدًا، لتجد تلفازَهم مُخْرِجًا لك مصرانه الغليظ، ومجلاتهم وإعلاناتهم متلمِّظةً شهوةً وأذى، فاصبر أو لا تصبر، أو فلتمُت جوعًا وظمأً وغيظًا، أو فلتتعرَّ حيث يلبس غيرك، ولتضْحَ حيثُ يسكن سواك، أليس هذا عليْك حرامًا؟!

 

وكيف تتعامل مع امرأةٍ غيرِ محجَّبة، وغير ملمَّةٍ بما يَجب عليها في الشرع الشريف حين تتعامل مع الرجال الأجانب، في عملك أو في إنجاز مصلحةٍ لك؟ هل تترك عملك أو مصلحتَك لئلا تقع في الحرج الشرعي؟

 

كيف تغضُّ بصرَك كما أمر الله - في كتابِه العزيز - طائفةً أنت منها: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾[3]، وكما وعدَك رسولُه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في سنَّته المشرَّفة، فقال: ((اضمَنوا لي ستًّا أضمنْ لكم الجنَّة: اصدقوا إذا حدَّثْتم، وأوْفوا إذا وعدتم، وأدُّوا إذا ائتُمِنْتُم، واحفظوا فروجَكم، وغضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديَكم))[4].

 

كيف تغضُّ بصرَك وأنت سائرٌ في طريق بوسط مدينة كبرى، تحفُّ بك السيَّارات من كلِّ جانب، ويوشك أكثرها أن يدهسَك إن لم تكن عيناك في أمِّ رأسِك؟! كيف تغض بصرَك وسمعَك، وجِلْدَك وسائر حواسِّك، عن رؤية وسماع، ولمْس وشمِّ النِّساء الكاسيات العاريات المتعطرات، اللاَّتي تعجُّ بهنَّ شوارع القاهِرة ودمشْق وتونس، وغيرِها من مدنٍ لك فيها معايش ومآرب؟!

 

كيف - ولا بدَّ لك من متابعة ما يَجري بشأن أمَّتك، وما يحاك لك ولها، عبر شاشات التَّلفزة والصحُف ومحطَّات الإذاعة - تتجنَّب رؤية العري الفجِّ والأصوات الغنجة، التي تعترض كلَّ حركة وساكن من حركاتِك وسكناتك ليل نهار؟!

 

إنَّ الإسلام - والإسلام وحده - باعتباره المنهاج الوحيد المرضِيَّ من قبل الحكيم الخبير سبحانه، ثمَّ باعتباره منهجًا شاملاً كاملاً صالحًا لكلِّ زمان ومكان - هو المنهاج القادِر على علاج هذا الإشْكال، وسائر إشكالات هذا الزَّمن، وفيما يخصُّ فتنة النِّساء فقد أمرهنَّ الإسلام بالحجاب، وأمر الرِّجال بغض البصر عنهنَّ، وفرض على المسلمين الأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألْزم إمامَهم بإلزام المخالف بما قرَّر الشَّرع، ويبقى السؤال: أين نحن من هذا كله؟!

 

2- رُبَّ نافعةٍ أكثر ضررًا:

أمَّا فتنة "التقانة" (التكنولوجيا)[5] الحديثة، فأمرها أخْطر؛ إذ كيف يقلع الناسُ عن مكيِّفات الهواء، ومبرِّدات الماء، ووسائل المواصلات والاتصالات، ووسائط الترفيه بأشكاله، الضارَّة من حيث هي نافعةٌ؟! ولماذا يجب أن يقلعوا عنها؟ وهل هي حقًّا ضارَّة؟ وكيف يقنع الناس بخطورتها؟ ألا يُمكن إخضاع ذلك لقاعدة المصالح والمفاسد؟ وهل جميع الناس فقهاء ليصطنعوا جميعًا هذه القياسات؟

 

بادئَ ذي بدءٍ أقول: إنَّ البشر قد عاشوا تاريخهم كلَّه إلا أقلَّه من دون هذه التقانة الحديثة، ومع ذلك ماتت سائر قرونهم الأولى، ودخل الجنَّة من دخل، ودخل النَّار من دخل، بل عَزَّ في الدنيا من عزَّ، وذلَّ فيها مَن ذل، كلُّ ذلك من دون هذه الأجهزة التي لا يتعدَّى عمر أقدَمِها قرنين من الزَّمان.

 

ليست التقانة - إذًا - بالأمر المهمِّ لصلاح البشريَّة، ولا لتمْييز أهل الجنَّة من أهل النار، ولا حتَّى السعداء في الدُّنيا من الأشقياء فيها، هذا على كثرة مضارِّها.

 

أَوَلاً: تعدُّ استدانَتَك هذه المبالغ الطَّائلة لشراء هذه الأجهزة، ثم موْتك وعليْك ديونها - إثمًا عظيمًا تقترِفُه، وقد تحاسب عليه - والعياذ بالله - وتُعذَّب به؟!

 

وماذا تفعل حينما تذهب إلى امرأةٍ تتزوَّجُها، فتطلبُ وأولياؤها أجهزةً وآلاتٍ وملابسَ قد لا تستعمِل بعضَها طوال حياتك الباقية القصيرة بآلاف الدَّراهم والدنانير؟! هل الحل ألاَّ تتزوج أبدًا؟! أم تبقى أعزب ثلاثين عامًا أُخرى؟! وكيف تعفُّ نفسك عن فتنة النساء اللاتي يطاردْنَك في كل آنٍ ومكان؟!

 

وماذا عن ترهُّلِ عضلات جسدك، وانحلال فقرات عظامك، وبرودِ حدَّة ذهنك، وألفة قلبك منكرات التقانة الحديثة؟ أيَجب عليك حيال ذلك أن تفِرَّ بجلدك إلى الصَّحراء، وأن تقتني حمارًا وعنزًا وخيمةً، وألاَّ تذهب بورِقِك إلى المدينة أبدًا لتنظر أيها أزكى طعامًا لتأتي برزق منه؟!

 

وكيف تُبعِد عن نفسِك أخطار وأضْرار أجهزة التحكم عن بعد (الريموت كنترول)، والماء المثلج، والفرُشِ الوثيرة التي تنافس في نعومتها الحرير نفسَه، وتقعد بك عن المجْدَين: الدنيويِّ والأخروي؟!

 

أنا لا أدعو أبدًا إلى هجْر سائر الأجهزة، ولا إلى الإقْلاع عن التقانة بأنواعها؛ بل إلى العكس، إلى مزيدٍ من الأبحاث ومزيد من الاختراعات، وإنما أدعو إلى ترشيد استخدام الأجهزة، ألاَّ تجعل من بعضها بديلاً لعضلات جسدك، ومن أخرى بديلا لذهْنِك وعقلك، اجعلها كالعصا لذراعك، والدابَّة لقدمك، لا تمنعنَّك "أجهزة التحكُّم" من القيام إلى حاجتك، ولا السيَّارات من المشي إليها، ولا الحواسيب من إعمال عقلك، أبْقِ على نعم الله التي حباك بها، أَعمِلها لتشكرها؛ فإنَّ من شكرها إعمالها.

 

3- التسلُّح إلى ما لا نهاية:

وأمَّا عن الأسلحة شديدة الفتْك بالإنسان، فأخطر وأكبر؛ إذ إنَّك إن لم تَحُزْها حازها عدوُّك، ومن ثمَّ فأنت بين أمرَيْن أحلاهما مرٌّ، فإما أن تُهْلِك مَن لا يستحق الهلكة، وإما أن تُهلِك نفسك.

 

كيف تحمي نفسك من الأسلحة الفتَّاكة، الَّتي لو كان لك ألفُ عين، لم تدْرِ من أينَ يأتيك صاروخٌ، أو قذيفةٌ، أو طائرة يكون في انطلاقتِها حتفُك، ربَّما وعائلتك، وأكثر أهل حيِّك، أو قريَتِك؟!

 

هل تحوز مثل هذه الآليَّات المدمِّرة لتساهم في تدْمير الكون والبشر؟! وأنَّى لك الأموال الطَّائلة لحيازة مثلها؟! وهل تكْفيك ملكيَّةُ مفاعلٍ نوويٍّ في باكستان لترْدعَ به صاروخًا يقتُلُك أو يقتل إخوتك في فلسطين؟!

 

مع ذلك لا بدَّ أن تسابق؛ لأنَّه بمقدار سبق غيرك إيَّاك يكون أقوى منك، نعم، كلاكما على الحافَّة؛ لكنَّ أحدكما أدْنى إلى السقوط من الآخر.

 

سل: وماذا عن الإيمان والكُفْر؟ والنَّصر الذي من عند الله وحْدَه ينصر به من يشاء؟ أجيب بسؤالِك: وأين الأسباب التي جعلها الله لك لكلِّ شيء سببًا؟ وأين القوَّة التي أعددْنا لتحقيق نصر؟

 

ويبقى تبنِّي دعوة الحدِّ من التسلُّح والعمل على تحقيقها أمرًا ملحًّا، ومنوطًا بنا - معشر المسلمين - من دون خلق الله جميعًا؛ إذْ هداية البشرية وإرشادها معلَّق على الوحي الذي معنا؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استَهَمُوا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها إذا استقَوا من الماء مرُّوا على من فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خرقْنَا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقَنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلَكُوا جميعًا، وإن أخذوا على أيدِيهم نجَوْا، ونجَوْا جمِيعا))[6].

 

قد لا تكون دعوة الحد من التسلح مرجوَّةَ الحصاد، إذا تضمَّنت وقف أبْحاث واختراعات وتطوُّر الأسلحة في بلاد لا يؤمِن أهلُها بالله تعالى، ولا يرْجُون خير البشر، وإنَّما ستؤتي أكُلها إذا حاز المسلمون أعْتى الأسلحة، وكانوا محكِّمِين للوحْي المعصوم في استخدامها، ذلك أنَّ وحيًا ينهى عن قتْل الشَّيخ غير ذي الرَّأي، والنساء والأطفال، وعن قطْع الشَّجر وقتل الحيوان، وهدم البِيَع بلا طائل - مثل هذا الوحي ينهَى من باب أوْلى عن إلْقاء قنبلة ذريَّّة على قريةٍ أو مدينة لتدميرها على رؤوس أهلِها، وأي طائل من وراء ذلك إلا إرْضاء غرور بعض السادِيِّين؟!

 

4- عدوُّ البشر الأكبر:

ويشعر المرءُ بقرْب القيامة لدليلٍ من واقعنا المعاش؛ إذ يتمارى النَّاس في هذا الزمان البئيس عن إمكانيَّة الحياة على كوكبٍ غير الأرض، بعد أن غرَّهم الانتِقال إلى كواكب أخرى، وينضح مِراؤهم هذا بشعورهم بإثم ما فعلوا من إفساد الأرض وجوِّها، والبحار ومائِها، فيما أسْموه "ظاهرة الاحتباس الحراريّ"، والحق أنَّهم من فعلوها وما زالوا يفعلونَها، على رغم أنْف الرافضين منهم.

 

والحديث الذي سبق توًّا ينهى عن هذا الفساد، وعن ترك المفسدين يعيثون في الأرض - بل في الكون كله - فسادًا.

 

وفي حياتنا الفكريَّة الفاسدة هي الأخرى كثير من الفلسفات التي تحار في إيجاد حلّ؛ ولكن أيًّا منها لم ولن يُعمَل به، فكل منَّا يقول ولسانُ حاله: على الآخر أن يعمل، أن ينفِّذ ما أقول، وتجد أكثر النَّاس إفسادًا في الأرض بتلويثها أعرضَهم دعوى بوجوب الحفاظ عليْها، والضرب على يد المفسدين؛ والله - تعالى - يقول في كتابه العزيز: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾[7].

 

نحن إذًا الذين آمنوا، وحرامٌ أن نقول ما لا نفعل، وفيما يخصُّ التلوث المجاوِز الحدودَ، والاحتباس الحراريَّ الذي يعني تدمير العالم، ينبغي علينا وحدَنا كمسلمين أن نوقفَهما، ولو خُضْنا غمار الحرب ضدَّ فاعليهما؛ لا بدَّ من تطبيق حديث السَّفينة السابق، ومن أن يكون هذا أكثرَ من مِراء.

 

5- إفساد الأذواق والأذهان:

لا يخرّب أعداء البشريَّة والإيمان البيئةَ والكون فحسْب؛ بل يدمِّرون أيضًا ما هو أجلُّ وأخطر، الإنسان نفسه، يُفْسِدون ذوْقَه، ويدمِّرون خُلُقه، ويغيّرون خَلْقه، والله - تعالى - حذَّرنا توعُّد الشيطان اللعين إيَّانا بهذا؛ فقال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾[8]،  وفي الحديث: ((إنَّ هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه))[9].

 

وهل الحداثة والغناء الفجّ والرقص الهستيري والموسيقى الهابطة، هذا الصخب والنصب المصحوب بالإغْراق في تناول الخمور والتخنُّث والتهتُّك، وجَميع ما يندرج تحت مسمَّى "عبادة الشيطان"، هل هو إلاَّ هدمٌ للإنسان المكرَّم المفضَّل على كثيرٍ من مخلوقاتِ الله؛ ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾[10].

 

من ضمن ما مُنِيَ به هذا الزَّمان أن تجدَ أناسًا اجتالتْهم الشَّياطين حتَّى سجدوا لإبليس الذي نُهوا عن عبادته، وهو الَّذي رفض السُّجود إلى أبيهم آدم - عليْه السَّلام - مستكبرًا عليه؛ ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ﴾[11].

 

يَخشى سائرُ العُقلاء الحداثةَ ويَكرهونَها ويحَذِّرون منها؛ لكنْ لا أحدَ من مثقَّفي زمانِنا لم يُعِنْ ولو بشقِّ كلِمةٍ على استِتْبابِها وتغلْغُلِها في سائر حياتنا، بِحُكْم مبدأ الفصْل بين المنهجين التليديْن: الوصفي والمعياري، الجميع أصبح وصفيًّا، وألقَوْا بالمثاليِّين وراء الظِّلال، تجد ممثِّلاً يُزبِد ويرعد لقتل واحدٍ أو سبِّه، ثم هو نفسه يسب اللهَ - تعالى - والدهرَ والدينَ في أفلامِه.

 

وآخر يجسِّد دوْر معتوهٍ أو لوطيٍّ، وثالثة تجسِّد دوْر من تكْتفي بالمرْأة، فإذا قلت لأحدِهم: يا بنيَّ لا يصحُّ، قال لك: أليستْ هذه شخصيَّة في المجتمع؟ ولا أدْري أعَنْ مُجتمع الفاسقين يتحدَّث؟!

 

ويكتُب أحدُهم ما يسمِّيها "قصيدة"، ليس فيها وزْن ولا قافية ولا عروض، ولا نحو ولا لغة، ثم يسبُّ الله - عزَّ وجلَّ - فيها، فإن قُلْت له: ما هذا؟ قال: "قصيدة النثر".

 

ولا حياء مطلقًا، فكل فجٍّ يُغَنَّى، وكل عاريةٍ تُبْدِي ما تيسَّر لها، وأنا وأنت والمساكين أمثالنا المستهدفون بهذا، حقًّا: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت))[12].

 

6- موقفٌ للشرع.. لا موقفٌ منه:

إنَّ دنيانا ملأى بالكلام حول هذه القضايا، ولك أن تقرأ فقط كتابًا كـ "مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين"، تحرير "أوليفر ليمان"، الَّذي ترجمه "مصطفى محمود محمد"، وأصدرته "سلسلة عالم المعرفة"؛ لترى كم النَّاس مشغولون بمشكلاتٍ؛ كالموقِف من الدين والحداثة والبيئة، والعقْل والفلسفة والنسويَّة، وكم يطرحون من حلول لإشكالاتها؟!

 

لكنِّي أعدك بأنَّ أحدًا من هؤلاء لن يقدِّم حلاًّ لأيٍّ من المشْكِلات الَّتي يلجُّ حولها؛ إذْ إنَّه لا يملك حلاًّ، هو فقط متكلِّم، فيلسوف، يُحسن الجدَل واللجاجة، كلُّهم :بروتوجوراس" يتكلمون - مثلَه - من أجل الكلام؛ ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾[13].

 

وفي الشَّرع الشَّريف جواباتٌ حاسِمة على هذه السُّؤالات الحائرة؛ لكنَّ العبرة ليست بأن تعرف الحقَّ، إنَّما هي بالقُدْرَة على إحْقاقه، وليست بمعرفة الباطل، إنَّما باستِطاعة إبطاله، فهل يمكِنُنا ذانك الإحقاق والإبطال؟

 

لو أنَّ حكومةً إسلاميَّةً فقيهةً تَحكم دولةً كبرى، بلغ تأثيرُها في العالم مبلغَ الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، قبل إمْساك الأزْمة الماليَّة بخناق اقتِصادها الربويّ - لكان في الإمكان معرفةُ الحقِّ وإحقاقُه، ومعرفةُ الباطل وإبطالُه، فهل هذا أمر مستحيل؟

 

الحقُّ أنَّ قيام دولة إسلاميَّة كبرى فقيهةٍ أمرٌ حتْمي بقدر ما أنَّه ضروري، إنَّها الخلافة الرَّاشدة الموعودة في آخِر الزمان.

 

قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تكون النبوَّةُ فيكم ما شاء الله أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها، ثم تكونُ خلافةٌ على منهاجِ النبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكونَ ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعَها، ثم تكونُ ملكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها، ثمَّ تكون ملكًا جبريَّةً، فتكون ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكونُ خلافةٌ على منهاجِ النبوَّةِ، ثمَّ سكت))[14].

 

هذا، ولا دينَ آخر، ولا أحد، ولا مذْهب يستطيع فعل ذلك مهْما أوتي، وما دامت المهمَّة موقوفةً على دولة تطبِّق الإسلام، فما الذي يمنع؟

 

لن يستطيع أحدٌ منْع شرْع الله من حكم خلْق الله، هؤلاء الَّذين يعملون على تدْمير الكون والبشر، ويمنعون مَن يحاول الحفاظ عليْهِم - ينبغي أن نتصدَّى لهم، أن نحافظ على الكون والبشريَّة، أن نحكِّم شرْع الله الشَّريف، أن نقيم الدَّولة الإسلاميَّة الكُبْرى التي تَحكم العالم، دولةَ الخلافة الرَّاشدة؛ من أجل القضاء على فِتْنة النساء، وفِتنة التكنولوجيا المسرِفة، وفِتْنة الأسلِحة المتطوِّرة إلى ما لا نهاية، وفِتنة إفساد الأذواق والأذهان، وحتَّى على هراء العلمانيِّين حول حُكْم الإسلام بلاد الله وعباده، القضاء على هذه المحرَّمات في إسلامِنا منوط بالإسلام نفسه، وهذا فقط جواب تلك السؤالات الحائرة.

ـــــــــــــــــ

[1] في الحديث المتَّفق عليْه، من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنْهُما - ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيَّته، الإمام راع ومسؤول عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيَّته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيَّتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته)) قال: وحسبت أن قد قال: ((والرجُل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلُّكم راع ومسؤول عن رعيَّته)).

[2] من الآية (40) من سورة النور.

[3] من الآية (30) من سورة النور.

[4] [صحيح] أحمد في "المسند" (ح 22137)، وابن حبَّان في "صحيحه" (ح 270)، والحاكم في "المستدرك" (ح‏ 8138)، الجميع من حديث عبادة بن الصَّامت - رضي الله عنه - وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولَم يُخرجاه، وشاهده حديث سعد بن سنان عن أنس".

[5] التقنية أو التقانة هي الاصطلاح العربي لكلِمة (تكنولوجيا) وبالإنجليزية Technology؛ وتعْني: التَّطوير وتطْبيق الأدوات، وإدخال الآلات، والمواد والعمليَّات التِّلقائية، التي تساعد على حل المشاكل البشريَّة الناتجة عن الخطأ البشري؛ أي: إنَّها استعمال الأدوات والقدرات المتاحة لزيادة إنتاجيَّة الإنسان وتحسين أدائه؛ [راجع: موقع الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) http://ar.wikipedia.org كلمة (تقنية)]، وقضيَّة الاصطلاح أمر خطيرٌ في ثقافتنا العربيَّة الإسلاميَّة، وأحد المناطات الهامَّة في العودة إلى تسيُّد الإسلام وتسويد ثقافته العربيَّة.

[6] أخرجه البخاري في كتاب الشَّركة، باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه (ح ‏2381‏)، وطرفُه في كتاب الشهادات، باب: القرعة في المشكلات (ح ‏2561)، من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما.

[7] الآيتان (2 و4) من سورة الصف.

[8] الآيتان (118 و119) من سورة النساء.

[9] [غريب جدًّا] قال الزيلعي في "تخريج الكشاف" (1/346): غريب جدًّا، وقال المناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير": لم أقف له على طريق.

[10] الآية (70) من سورة الإسراء.

[11] من الآيتين (116 و117) من سورة طه.

[12] جزء من حديثٍ صحيح، أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (ح ‏16772 وح ‏21753 وح ‏21754‏‏‏)، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: في الحياء (ح‏ 4185)، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب: الحياء (ح ‏4180)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (ح ‏24827)، والطَّحاوي في "المشكل" (ح 1328‏)، من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه.

[13] من الآية (63) من سورة النساء.

[14] [رجاله ثقات] أخرجه أحمد في "المسند" (273)، والطيالسي في "مسنده" (58-59 رقم 438)، والبزَّار في "البحر الزخَّار" (7ت 223-224)، والطَّبراني في "المعجم الأوسط" (6ت 345)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (5ت 188): "رجاله ثقات".