بالتأكيد لن أتمكن من أن ألقي الضوء على جميع المواطن في اللغة العربية، إلا أن شعوري بهذه الفروقات ثم ولعي بها سيغلبان الإجابات المعتادة على سؤال أستاذي، فهل لي أن أعود بالزمان لأغيِّر إجابتي؟ 

 

في عام 2013 قام أحد أساتذة اللغة العربية في الولايات المتحدة الأميركية بسؤال طلابه في الفصل عن أجمل لغة في العالم، فأجاب جميع الطلبة «اللغة العربية»، فأتبع السؤال بسؤال آخر ولماذا هي جميلة؟ فأجاب جميع الطلبة بصوت واحد «لأنها لغة القرآن»، فأجاب الأستاذ: أنا أريد إجابة حقيقية وواقعية عن هذا السؤال، طلابي الأعزاء من السعودية أنتم تعلمتم اللغة العربية لمدة 13 عاما فما الفيصل الذي يميز لغتنا العربية عن غيرها؟ كان هناك أربعة طلاب سعوديون، وأنا من ضمنهم، لم أتمكن من الخروج عن حدود الإجابات التي كررناها مرارا، إلى أن وصل النقاش إلى حلقة مفرغة وعقيمة. 


كم رغبت في ذلك اليوم أن أحصل على الإجابة واجتذابها من فم الأستاذ، إلا أنه لم يفعل! فصممت على أن أجد الإجابة مهما كلفني الأمر. قمت بقراءة أربع موسوعات عن اللغة العربية لوجود اسم الأستاذ بها بحثا عن السر، وتمعنت مرارا في كتبه ومقالاته التي وجدت فيها رأيا مختلفا وشاذا بكل الأوصاف، نظرا لعدم مجاراته وتكراره لما درسناه وحفظناه عن لغتنا. أغلب طلابه ليسوا بتلاميذ لأنهم يحفظون الدروس ليجتازوا الاختبار، إلا أنني بعد مرور خمسة أعوام عرفت الإجابة عن سؤال لماذا لغتي العربية من أجمل اللغات؟ الإجابة ستكون من منحى لغوي. 


بداية، كنت أظن أن اللغة الفرنسية أجمل وأعذب لحنا وموسيقيا من اللغة العربية عندما تخصصت فيها، من ثم عدلت عن تفكيري عندما أبحرت في لغويات اللغة الإنجليزية واختبرت مدى بساطة تراكيبها. فدراستي للغات الهندية الأوروبية جعلتني أدرك أنني غفلت عن دراسة لغتي الأم واكتشاف مواطن جمالها. 
إن جمال وكمال اللغة العربية يأتي في ترتيب ومرونة تراكيب جملها، ويعنى بذلك أنها تأخذ ترتيب (فاعل، فعل، مفعول به) (SVO) (Subject, Verb, Object) أو (فعل، فاعل، مفعول به) (Verb, Subject, Object) (VSO) بحسب أهمية الفاعل أو الفعل بما يتوافق مع المساق (context)، هذه الخاصية في اللغة العربية تتيح لمتحدثها نظم العديد من الجمل التي تحمل نفس المعنى ولكن بروح مختلفة، كذلك من المحتمل في لهجاتنا العامية اليوم أن تبدأ الجملة بالمفعول به. على الصعيدين النحوي والصرفي، هنالك العديد من الأزمنة للحاضر والمستقبل والماضي أيضا المبني للمجهول والمعلوم والمعرفة والنكرة وتعدد أوزان الفعل. فاللغة العربية تعددت مسمياتها كلغة الضاد، ولغة القرآن، وغيرها، كما تعددت مفرداتها. وفيما يخص النطاق الصوتي فهي تمتلك مدرجا واسعا، سواء كانت الفصحى بأصواتها الثابتة على مر العصور أم اللهجات القديمة والحديثة والخاصة بالمناطق والقبائل والشعوب. ففي ظهور اللهجات أبعاد أخرى إيجابية لاستيعابها أصواتا جديدة وتطبيعها لها، مما يعطي فضاء للإبداع وخلق كل ما هو جديد في شتى المجالات، كالشعر والنثر والخطابة والقصة والمقالة. تلك اللغة وصلت إلى أعلى عتبات البلاغة والجزالة، فما زالت تأخذ بقارئها ومتحدثها إلى سماوات باذخة. 


بالتأكيد لن أتمكن من أن ألقي الضوء على جميع المواطن في اللغة العربية، إلا أن شعوري بهذه الفروقات ثم ولعي بها سيغلبان الإجابات المعتادة على سؤال أستاذي، فهل لي أن أعود بالزمان لأغيِّر إجابتي؟