عن عمرِو بن الحمق -رضى الله عنه- قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أحبَّ الله عبدًا عسَّله"، قالوا: ما عسله يا رسول الله؟ قال: "يوفِّقْ له عملاً صالحًا بين يدَيْ أجَلِه حتى يرضَى عنه جيرانُه"، أو قال: "من حولَه"[1].

 

"عسَّله" - بفتح العين والسين المهملتين تشدَّدُ وتخفَّف - أي طيَّب ثناءه بين الناس، من عسَّل الطعام يعسِّله إذا جعل فيه العسل، ذكرَه الزمخشري. وفي روايةٍ "يفتح له عملاً صالحا قبل موتِه ثم يقبضه عليه"[2]، وهو من كلام الراوي لا المصطفَى - صلى الله عليه وسلم - شبَّه ما رزقه الله من العمل الصالح الذي طابَ ذكره وفاح نشره بالعسل الذي هو الطعام الصالح الذي يحلُو به كل شيءٍ ويصلح كلّ ما خالطه، ذكره الزمخشري، وقال الحكيم التِّرمذِي: فهذا عبدٌ أدركتْه دولَةُ السعادة فأصاب حظَّه ومرادَه بعدما قطع عمره في رفض العبودية وتعطيلِها وعطَّل الحدود وأهمل الفرائض؛ فلما قرُب أوَانُ شخوصِه إلى الحقِّ أدركتْه السعادةُ بذلك الحظِّ الذي كان سبق له فاستنار الصدرُ بالنُّور وانكشف الغطاء، فأدركته الخشية وعظمت مساوِيه عندَه فاستقامَ أمرُه فعمِل صالحًا قليلاً فأعطِيَ جزيلا[3].

 

هذا، ومن أعظم فوائِد هذا الحديث أنه حاثٌّ على عدَمِ اليأس من محبَّة الله تعالى مهما عمِل ومهما طال به الأجَل واقفًا بباب الرحمن الكريم يستجْدِيه؛ إذ الخواتيمُ لا تُعلَم حالَ الحياة ولا تدرَكُ بالعزْم ساعةَ الموت، وإنما هي بتوفيقِ الله.

 

ومن مناسبَة هذا الحديث أن نذكُرَ العبرة الصارِخة في حياة أحَد معاصرينا؛ ألا وهو "صدام حسين"؛ الذي حكم وملك العراقَ في هذا الزمان، فظلم وتجبَّر ولم يحكِّم الشرعَ، لكنَّه ابتُلِي بالأسر وقتْلِ ولدَيْه وتشريدِ حريمِه، فرآه الناس صابرًا ثابتًا، تبدُو عليه علائمُ التوبة؛ من مثل تِلاوة القرآن والحرصِ على الصَّلاة، حتى إذا أُخِذَ في يوم الأضحى ليُذَلَّ هو ويُذَلَّ به المسلمون شمَخ وتسامى، وفي آخِر العهد به وفَّقَه الله للنطق بالشهادتين تامَّتِين على أحسن وجهٍ من التحدِّي والنكاية في أعداء الله وأعداء الملَّة، ثم أخَذ العلماءُ يذكرونَه بالفضل والثناء ويحسبونه عند الله شهيدًا، وما هذا كلُّه إلا عبرة لمن يعتَبِر، ورحمة بمن أسرف على نفسِه ليعلَم أن فضل الله ورحمته واسعان.

 

ــــــــــــــــــــــــ

[1] [صحيح] أخرج أحمد في "المسند" (4/200)، وصححه ابن حبان (2/54 ح342)، والحاكم في "مستدركه" (1/490 ح1257)، والطبراني في "الأوسط" (3/326 ح3298). جميعا من طريق معاوية بن صالح قال: أخبرني عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: سمعت عمرو بن الحمق الخزاعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر الحديث. قال العجلي في "معرفة الثقات" (2/174): "عمرو بن الحمق، لم يرو عمرو بن الحمق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا حديثين؛ حديث إذا أراد الله بعبدخيرا عسله، وحديث آخر من ائتمن على نفسه رجلا فقتله". قال الحاكم: إسناده صحيح. وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (2/190): "إسناده جيد".

[2] أخرجه أحمد في "مسنده" (4/200) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا سريج بن النعمان قال: حدثنا بقية عن محمد بن زياد الألهاني قال: حدثني أبو عنبة قال سريج، وله صحبة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكره.

• قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/215): "رواه أحمد والطبراني، وفيه بقية، وقد صرح بالسماع في المسند، وبقية رجاله ثقات".

[3] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص 256) باختصار وتصرف.