فهو مظهرٌ مركَّبٌ من ثلاثةِ مظاهر على النحو التالي:

أولاً: أن يكون منشرِحَ الصدْر:

قال الله تعالى -على لسان نبيِّه موسى - عليه السلام - في دعائه ربَّه-: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ (طه: 25-26)، وقال عن نبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم-: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: 1].

 

قال الإمام القرطبي:

﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾؛ أي وسِّعْه ونوِّره بالإيمان والنُّبُوَّةِ، و(وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)؛ أي سهِّل عليَّ ما أمرتَنِي به من تبليغ الرسالة إلى فرعون[1].

 

وقال الإمام السيوطي:

عن ابن عباسٍ في قوله ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ قال: شرَحَ اللهُ صدرَه للإسلام، وأخرَج عبْدُ بنُ حُمَيْدٍ وابنُ المنذِر عن الحسن ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ قال: مُلِئ حِلْمًا وعِلْمًا[2].

 

وقال الإمام البيهقيُّ:

السابع والخمسون من شُعَبِ الإيمان وهو باب في حُسْن الخلق، ودخل في هذا كَظم الغيط ولِين الجانب والتواضع، قال الإمام أحمد: ومعنى حُسن الخلق سلامَة النفس نحو الأرفَق الأحمَد من الأفعال، وقد يكون ذلك في ذات الله تعالى، وقد يكونُ فيما بين الناس، وهو في ذات الله - عليه السلام - أن يكون العبد منشرِحَ الصدر بأوامر الله ونواهِيه يفعلُ ما فرض عليه طيَب النفس به سلسًا نحوه، وينتهي عما حرّم عليه واسعًا به غير مُتَضَجِّرٍ منه، ويرغب في نوافل الخير، وترك كثير من المباح لوجه الله تعالى إذا رأى أن تركه أقرب إلى العُبُودِة من فعله، متبَشِّرا لذلك غير ضجِرٍ منه ولا متعسِّر به، وهو في المعاملات بين الناس أن يكون سمحًا بحقوقه لا يطالب غيره بها، ويوفي ما يجبُّ لغيرِه عليها منه؛ فإنْ مرض فلم يُعَد أو قدم من سفر فلم يُزَر أو سلَّم فلم يُرَدَّ عليه أو ضافَ فلم يُكرم أو شفع فلم يُجَب أو أحسن فلم يُشكرْ أو دخل على قومٍ فلم يُمكَّن أو تكلم فلم يُنصت له أو استأذَن على صديق فلم يُأذَن له أو خطب فلم يُزوَّج أو استمهل الدَّين فلم يُمهَل أو استنقص فلم ينقص وما أشبَه ذلك - لم يغضَب ولم يعاقِب ولم يتنكَّرْ من حاله حالٌ، ولم يستشعر في نفسه أنه قد جُفي وأوحش، وأنه يقال كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله، بل يضمّ أنه لا يعتد بشيء من ذلك، ويقابل كلاًّ منه بما هو أحسن وأفضل وأقرب إلى البر والتقوى وأشبه بما يُحمَد ويُرضَى، ثم يكون في اتِّقاء ما يكون عليه كَهُوَ في حظِّ ما يكون له، فإذا مرِض أخوه المسلمُ عاده، وإن جاءه في شفاعةٍ وإن استمهله في قضاء دين أمهله، وإن احتاج منه إلى معونةٍ أعانه، وإن استسمحَه في بيعٍ سمَح له، ولا ينظر إلى أن الذي عامله كيف كانت معاملته إيّاه فيما خلا أو كيف يعامل الناس، إنما يتخذ الأحسن إمامًا لنفسه فينحُو نحوه، ولا يخالفه، والخلق الحسن قد يكون غريزةً وقد يكون مكتسبًا، وإنما يصح اكتسابه لمن كان في غريزته أصلٌ منه، فهو يضم ما اكتسابُه إليه ما يضمُّه، ومعلوم في العادات أن ذا الرأي بمجالسته أُولِي الأحلام والنُّهَى يزدادُ رأيًا، وإنَّ العالم يزداد بمخالطة العلماء علمًا، وكذلك الصالح والعاقل بمجالسة الصلحَاء والعقلاء، فلا ينكر أن يكون ذو الخلق الجميل يزداد حسَن الخلق بمجالسة أولي الأخلاق الحسَنة[3].

 

ثانيًا: أن يكونَ مستضيءَ الفهْم والعقْل:

إن المقصودَ بالعقل في الإسلام ليس المخَّ كما يتوهَّم أهلُ العصر؛ بل هو بمعنى اللبِّ والفؤاد والقلب، كما جاءَ في القرآن الكريم، وثباتُ القلبِ على الحقِّ والدين هو من فعل الله - عز وجل - لا يستطيعُه بشرٌ مهما احترَز، ومن ثم كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: "يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على طاعتِك"[4]، كما روى غيرُ واحدٍ من الصحابة.

 

قال العلماءُ: وإذا كانت الهدَايةُ إلى الله مصروفةً، والاستقامة على مشيئتِه موقوفةً، والعاقبة مغيَّبة، والإرادةُ غيرَ مغالَبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قُرْبِك؛ فإنَّ ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلْق ربِّك وفضلِه الدَّارِّ علَيك وخيرِه، فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخر بمتاعِ غيره، وربما سُلِب عنك فعاد قلبُك من الخير أخلى من جوْف البعير، فكم من روضةٍ أمسَت وزهرها يانعٌ عميم فأصبحت وزهرها يابِسٌ هشيم، إذ هبَّت عليها الريحُ العقيم، كذلك العبد يمسِي وقلبه بطاعة الله مشرقٌ سليم فيصبح وهو بمعصيةٍ مظلم سقيم.. ذلك فعل العزيز الحكيم الخلاق العليم[5].

 

وعن أمير المؤمنين عثمان - رضى الله عنه - قال: "اجتنِبوا الخمرَ فإنها أمُّ الخبائث؛ إنه كان رجلٌ ممن كان قبلكم تعبَّد فعلِقت امرأةٌ غويَّة، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنّا ندعوك للشهادة فانطلَق مع جاريتها فطفقت الجاريةُ كلَّما دخل بابًا أغلقته دونه حتى أفضت إلى امرأة وضِيئةٍ -أي جميلة- عندها غلامٌ وباطيةُ خمْر، فقالت: إني والله ما دعوتُك للشهادة ولكن دعوتُك لتقعَ عليَّ أو تشربَ من هذه الخمر كأسًا أو تقتلَ هذا الغلام، قال فاسقِني من هذه الخمر؟ فسقَته كأسًا قال: زيدُوني، فلم يزل يشربُ حتى وقعَ عليها وقتل الغلامَ، فاجتنبوا الخمر فإنَّه والله لا يجتمعُ الإيمانُ وإدمانُ الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدُهما صاحبَه"[6].

 

ولم نقع في القرآن والسنَّة على ما نستشهِدُ به على استضاءة فهم وعقلِ من يحبُّه الله؛ لكنَّه أمرٌ يدرك بداهةً، ويستنْبَط من رُوح الشريعة؛ إذ لا شك أن من يُزَكِّي نفسَه من موانع محبَّة العليِّ الكبير يكون أضوأَ فهمًا وعقلاً من الواقع فيها، ولا شك أيضًا أن من يأخذ بأسباب محبَّتِه تعالى هو الآخر يكونُ كذلك؛ وإلا فأيُّ إنسان أضوأ فهماً وعقلاً من متَّبِع النبي - صلى الله عليه وسلم-، المخلِصِ في عبادته، والمتخلِّق بمكارم الأخلاق، والمحسن في الأمور كلها؟!

 

ثالثًا: أن يكون متَّحِدَ الهمِّ والشمْل:

وكما أن المحبوبَ من الله يكون منشرِحَ الصدْر مستضيءَ الفهم والعقل، فكذلك يكون متَّحِدَ الهم؛ أيْ يكون همُّه واحدًا وشمله مجتمعاً. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "من كانَ همُّه الآخِرَة جمَع الله شمله وجعل غِناه في قلبه وأتتْه الدنيا وهي راغِمة، ومن كانت نيَّتُه الدنيا فرَّق الله عليه ضيْعته وجعل فقرَه بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له"[7]، ويُقال: جمَع الله شمله أيْ ما تشتَّت من أمرِه، وفرَّق الله شمله: أي ما اجتمع من أمرِه فهو من الأضداد[8].

 

فهذا دليلٌ على اتحاد همِّ المحبوب من الله تعالى، وقد سبَق أن الزهد في الدنيا من أسباب محبَّته سبحانه عبده، وإن كان هذا كسابِقِه مما يدرَك بالبدَاهة وروحِ الشريعة؛ إذْ من يحبُّهُ اللهُ لابد أنه يريحُه، ولا راحةَ مع تفرِّق الشمل والهمِّ، ومن يحبّه الله يستخلِصْه ومن يستخلصه لا يأبَه بالدنيا، وكذا فإنَّ الآخذَ بأسباب المحبَّة الإلهية والمحترِز من موانعِها يكونُ همُّه في تحصيل هذا الكنـز الثمين فلا ينشغل بغيرِه من السفساف والتفاهات.

 

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: "تفسير القرطبي" (ج14 ص51).

[2] انظر: "الدر المنثور" (ج8 ص547).

[3] انظر: "شعب الإيمان" (2/229).

[4] [حسن] أخرجه الترمذي في القدر (ح2140)، وابن ماجه (3834)، وابن أبي شيبة (10/209 ح29187)، و(11/36 ح30396)، وأحمد (3/112 ح12131)، و(3/257 ح13731)، وأبو يعلى (3687 و3688) جميعا من طريق: الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال، فذكر الحديث. قال الترمذي: "وفي الباب عن النواس بن سمعان وأم سلمة وعبد الله بن عمرو وعائشة، وهذا حديث حسن، وهكذا روى غير واحد عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس، وروى بعضهم عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح".

وأخرجه الترمذي أيضا في الدعوات (ح3522)، وأحمد (6/294 و301 و351)، وعبد بن حميد (1534) عن شهر بن حوشب عن أم سلمة رضي الله عنها. الحديث، ثم قال الترمذي: "وفي الباب عن عائشة والنواس بن سمعان وأنس وجابر وعبد الله بن عمرو ونعيم بن همار، قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن".

وأخرجه أحمد (6/91)، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" (11/16059) من طريق: المعلى بن زياد وهشام وبونس، عن الحسن، عن عائشة رضي الله عنها.

[5] انظر: "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" للإمام القرطبي (ص42).

[6] [صحيح موقوف] أخرجه النسائي (8/315 ح5666)، وعبد الرزاق في "المصنف" (9/236)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" ذكر النوع العشرين (63)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (5/10 ح5586) جميعًا عن عثمان بن عفان - رضى الله عنه - موقوفًا عليه.

[7] [رجاله ثقات] أخرجه ابن ماجه (4105)، وأحمد في "المسند" (5/183)، والطبراني في "الكبير" (11/266) قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/56): "رواه ابن ماجه ورواته ثقات والطبراني". وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (4/212 3541): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة رواه بنحوه، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبان بن عثمان عن زيد بن ثابت، وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الترمذي في الجامع وابن ماجه".

[8] انظر: "تحفة الأحوذي" (ج7 ص140).