عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"[1].

 

قال الإمام النووي: هذا الحديث كقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، وسببُ نُـزولها أن الزبيرَ - رضى الله عنه - كان بينَه وبين رجلٍ من الأنصار خصومةٌ في ماءٍ فتحاكما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "اسقِ يا زبيرُ وسرِّح الماء إلى جارِك"، يحضُّه بذلك على المسامحة والتيسير، فقال الأنصاريُّ: إن كان ابنَ عمَّتِك؟ فتلوَّن وجهُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "يا زبيرُ احبِس الماءَ حتى يبلغ الجدر ثم سرِّحْه"[2]، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أشار على الزبير بما فيه مصلحةُ الأنصاري فلما أحفَظَه الأنصاريُّ بما قال -أي أغضبه- استوعَب للزبير حقَّه الذي يجِبُ له، فنَـزَلت هذه الآيةُ. وقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخَرَ أنه قال: "والذي نفسي بيدِه لا يؤمِنُ أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين"[3]، قال أبو الزناد: هذا من جوامِع الكلِم؛ لأنَّه قد جمعت هذه الألفاظ اليسيرة معانِيَ كثيرة؛ لأن أقسامَ المحبَّةِ ثلاثةٌ: محبَّة إجلالٍ وعظمة كمحبَّة الوالِد، ومحبَّة شفقةٍ ورحمة كمحبة الولَد، ومحبَّة استحسانٍ ومشاكلة كمحبَّة سائر الناس، فحصَر أصناف المحبَّة. قال ابن بطال: ومعنى الحديث -والله أعلم- أن من استكمَلَ الإيمانَ علِم أن حقَّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وفضلَه آكَدُ عليه من حقِّ أبيه وابنِه والناسِ أجمعين؛ لأنَّ بالرسول - صلى الله عليه وسلم - استنْقَذَه الله - عليه السلام - من النار وهدَاه من الضلال، والمراد بالحديث: بذلُ النفس دونَه - صلى الله عليه وسلم -، وقد كانت الصحابة - رضي الله عنهم - يقاتِلون معه آباءَهم وأبناءَهم وإخوانهم، وقد قَتَل أبو عبيدةَ أباه لإيذائه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وتعرَّض أبو بكرٍ - رضى الله عنه - يومَ بدرٍ لولَدِه عبد الرحمن لعلَّه يتمكنُ منه فيقتُله؛ فمن وجد هذا منه فقد صحَّ أن هواهُ تبَعٌ لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -[4].

 

وقوله "أن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما"[5]، قال البيضاويّ: المراد بالحبِّ هنا الحب العقليَّ الذي هو إيثارُ ما يقتضي العقل السليم رجحانَه، وإن كان على خلاف هوى النفس؛ كالمريض يعافُ الدواء بطبعه فينفر عنه بطبعه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناولَه، فإذا تأمَّل المرءُ أن الشارِع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاحٌ عاجِل أو خلاصٌ آجلٌ، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرَّن على الائتمار بأمره؛ بحيث يصير هواه تبعا له، ويلتذُّ بذلك التذاذًا عقليًّا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمالٌ وخيْر من حيث هو كذلك.

 

بل المراد في الحديث أن يكون اللهُ ورسولُه عند العبدِ أحبَّ إليه مما سواهما حبًّا قلبيًّا، كما في بعض الأحاديث "أحبُّوا الله بكل قلوبكم"[6]، فيميل بكليَّته إلى الله وحدَه حتى يكون وحدَه محبوبَه ومعبودَه، وإنما يحَبُّ من سواه تبعا لمحبَّته كما يحِبُّ الأنبياءَ والمرسلين والملائكة والصالحين لما كان يحبهم ربه سبحانه، وذلك موجبٌ لمحبَّة ما يحبُّه سبحانه وكراهة ما يكرَهُ، وإيثارِ مرضاته على ما سواه، والسعْيِ فيما يُرضيه ما استطاع، وتركِ ما يكره، فهذه علاماتُ المحبَّة الصادقة ولوازمُها[7]، وأما مجرَّد إيثار ما يقضي العقل رجحانَه وإن كان على خلاف هوى النفس؛ كالمريض يعافُ الدواء بطبعه فينفر عنه.. إلى آخر كلامِه، فهذا قد يكون في بعض الأمور علامةً على الحب ولازمًا له لا أنَّه هو الحبُّ[8].

 

وقال شيخ الإسلام:

أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الثلاث من كُنُّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبَّة له، فمن أحبَّ شيئًا واشتهاه إذا حصل له مرادُه فإنَّه يجد الحلاوة واللذة والسرورَ بذلك، واللَّذة أمرٌ يحصل عُقَيْبَ إدراكِ المُلائِم الذي هو المحبوب أو المشتَهَى، قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح يتبع كمالَ محبّة العبدِ لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبّة وتفريعها ودفع ضدِّها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما فإنّ محبّة الله ورسولِه لا يُكْتَفَى فيها بأصلِ الحبِّ، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما. قلتُ: ولا يكون كذلك إلا إذا وافَق ربَّه فيما يحبُّه وما يكرهه.

 

قال:

وتفريعُها أن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله. قلت: فإن من أحبَّ مخلوقًا لله لا لغرَضٍ آخر كان هذا من تمامِ حبِّه لله؛ فإن محبَّة محبوبِ المحبوب من تمام محبَّة المحبوب، فإذا أحبَّ أنبياءَ الله وأولياءَه لأجْلِ قيامهم بمحبوباتِ الله لا لشيءٍ آخر فقد أحبَّهم لله لا لغيرِه.

 

قال:

ودفْع ضدِّها أن يكرَه ضدَّ الإيمانِ كما يكرَه أن يُقْذَف في النار. قلت: وإنما كَرِهَ الضدَّ لما دخلَ قلبه من محبَّة اللهِ فانكشَف له بنور المحبَّة محاسنُ الإسلام ورذائلُ الجهل والكفرانِ، وهذا هو الحبُّ الذي يكونُ مع من أحبَّ، كما في الصحيحين عن أنسٍ أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - متى الساعة؟ فقال: "ما أعددتَ لها"؟ قال: ما أعددتُ لها من كثيرِ صلاةٍ ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحبُّ اللهَ ورسولَه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنتَ مع من أحببت"[9]، وفي رواية للبخاري: فقلنا ونحنُ كذلك؟ قال: "نعم"، قال أنسٌ: ففرِحْنا يومئذٍ فرحًا شديدًا[10].

 

وقولُه: "مما سواهما" فيه جمعُ ضمير الربِّ سبحانه وضميرِ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد أنكره على الخطيب لما قال "ومن يعصِهِما فقد غوى"، وأحسن ما قيل فيه قولان.. أحدُهما: ما قاله البيضاوي وغيره أنَّه ثنَّى الضمير هنا إيماءً إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبَّتَين لا كلّ واحدة، فإنها وحدَها لاغيةٌ، وأمر بالأفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأنَّ كلّ واحد من العصيانين مستقلٌّ باستلزام الغَوَاية؛ إذ العطفُ في تقدير التكرير والأصلُ استقلالُ كلٍّ من المعطوفَين في الحكم. قلت: وهذا جوابٌ بليغٌ جدًّا[11].

 

ـــــــــــــــــــــــ

[1] [ضعيف الإسناد] أخرجه البيهقي في "المدخل" (1/188 ح209)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (6/21)، والبغوي في "شرح السنة" (ح104) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وذكره النووي في "الأربعين" عند الحديث رقم (40) ثم قال بعده: "قال الشيخ رحمه الله: حديث حسن صحيح، رويناه في "كتاب الحجة" بإسناد صحيح". اه‍.

• لكن تعقبه ابن رجب في شرحه "جامع العلوم والحكم" فقال: تصحيحُ هذا الحديث بعيدٌ جدًّا من وجوه، فذكر منها:

(الوجه الأول): تفرد نُعيمُ بنُ حماد المروزي، وهو ممن عنده مناكير كثيرة لا يتابع عليه.

(الوجه الثاني): اختلف فيه على نُعيم في إسناده، فروي عنه، عن الثقفي، عن هشام، ورُوي عنه عن الثقفي، حدَّثنا بعضُ مشيختنا هشام أو غيره، وعلى هذه الرواية، فيكون شيخ الثَّقفيِّ غيرَ معروف عينه، ورُوي عنه عن الثقفي، حدّثنا بعض مشيختنا، حدَّثنا هشام أو غيره، فعلى هذه الرواية، فالثقفيُّ رواه عن شيخٍ مجهولٍ، وشيخه رواه عن غير مُعَيَّن، فتزدادُ الجهالةُ في إسناده.

(الوجه الثالث): أنَّ في إسناده عُقبةَ بن أوس السَّدوسي البصري، ويقال فيه: يعقوب ابن أوس أيضا، وقد خرَّج له أبو داود والنَّسائي وابن ماجه حديثا عن عبدالله ابن عمرو، ويقال: عبدالله بن عمر، وقد اضطرب في إسناده، وقد وثقه العجلي، وابن سعد، وابن حبان، وقال ابنُ خزيمة: روى عنه ابن سيرين مع جلالته، وقال ابنُ عبد البرِّ: هو مجهول. وقال الغلابي في "تاريخه": يزعمون أنَّه لم يسمع من عبدالله بن عمرو، وإنَّما يقول: قال عبدالله بن عمرو.

• فعلى هذا تكون رواياتُه عن عبدالله بن عمرو منقطعة، والله أعلم.

• ثم ذكر الحافظ ابن رجب شواهد تشهد لصحة المعنى، فقال: "معنى الحديث، فهو أنَّ الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعةً لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنَّواهي وغيرها، فيحبُّ ما أمر به، ويكره ما نهى عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع.. قال تعالى: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾. اه‍ كلامه مختصرًا.

• فإذن الحديث ضعيف السند، لكن متنه موافقٌ للشرع منسجم مع العقيدة الإسلامية الصحيحة؛ إذ لابد أن يحبَّ المسلم ما جاء به الرسولُ، لا أن يطيعه كارهًا، لأنه ما كره التنزيلَ أو بعضَه إلا كافرٌ أو منافقٌ ولا يتأتى ذلك من مسلم، وإنما المسلم يعصي وهو يحب الطاعة ويكره المعصية ويحب الطائعين وإن لم يكن منهم ويكره العصاة وإن كان منهم، وتلك فضيلة نرجو أن يغفر الله بها معاصينا.

[2] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في المساقاة (ح2360)، ومسلم في الفضائل (ح2357) من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

[3] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الإيمان (ح15)، ومسلم في الإيمان (ح44) من حديث أنس رضي الله عنه.

[4] انظر: "شرح الأربعين النووية" (ص107).

[5] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الإيمان (ح16)، ومسلم في الإيمان (ح43) من حديث أنس رضي الله عنه.

[6] أخرجه ابن إسحاق في "سيرته"، كما في "سيرة ابن هشام" (3/30)، و"جامع العلوم والحكم" (366).

[7] أي محبَّة العبدِ للهِ تعالى، وهو موضوع الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله.

[8] ذكر هذا الكلام الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ردًّا على البيضاوي في زعمه أن محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقليَّة لا قلبيَّة. والمحبة العقلية هي معرفةُ الإنسان وعلمُه بأن الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - خير له من والده وولده والناس أجمعين، بل ونفسِه التي بين جنبيه، وهي أول الإيمان وليس وراءها إيمانٌ البتة؛ لأنه إن لم يعلم ذلك لم يكن منـزلا شيئا من الشرع منـزلته، أما المحبَّة القلبية فهي زيادةٌ على المحبة العقلية بنوعِ موالاةٍ تملِك على الإنسان نفسَه بما فوق المعرفة والعلم من إخلاصٍ ورضا وغيرهما من لوازم المحبَّة القلبية التي لا تتوافر في المحبة العقلية.

[9] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الأدب (ح6171)، ومسلم في البر والصلة (ح2639) من حديث أنس رضي الله عنه.

[10] أخرجه البخاري في الأدب (ح6167) ولفظه "أن رجلا من أهل البادية أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك! وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله، قال: إنك مع من أحببت، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحا شديدا؛ فمر غلام للمغيرة وكان من أقراني فقال: إن أخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة".

[11] انظر: "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد" للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص418-420) باختصار، نشر مكتبة الرياض الحديثة - الرياض.