المظهر التاسع لمحبَّةِ اللهِ تعالى عبدًا:

- أن يكونَ مؤمنًا -

عن عبدِالله بن مسعودٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله قسمَ بينكم أخلاقَكم كما قسم بينكم أرزاقَكم، وإن الله يُعطِي المالَ من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يُعطِي الإيمانَ إلا من يحبُّ، وإذا أحبَّ الله عبدًا أعطاه الإيمانَ"[1].

 

وهذا أمرٌ بدَهِيٌّ لا يحتاج إلى تعليقٍ؛ إذ الكافر والمؤمن مرزوقان برِزْق الله، وأحيانًا يكون الكافرُ أوسعَ رزقا؛ لكن هذا في الدنيا فقط، أما الآخِرَةِ فهي للمؤمنين فحسب. هذا عن رزق المال والولد وأمور الدنيا التي في حكمهما، أما عن الإيمان ومتطلباته من العلم والخلق وغيرهما فليست تحصل إلا لمن يحبه الله، وأخصُّها بهذه الخصيصة الإيمان الذي يخرج من كان في قلبه ذرة منه من النيران ليجاور الرحمن في نعيم الجنان.

 

ونودُّ هنا أن نُنَوِّهَ إلى أن الإيمانَ من الأسباب الجالِبَة لمحبَّة الربِّ تعالى عبدَه المؤمنَ على اعتبار أنَّه عمَلٌ في مقدور الإنسان.. قال الله تعالى فيه وفي ضده الكفر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً ﴾ [النساء: 136-137]؛ فهو كالأخلاق الكسبية وإن يكن أيضًا وهبًا من قبل الوهَّاب سبحانه، فهو إذن من آثار نعمة الله تعالى على عبدِه المحبوبِ. وذلك لأنَّ الإيمانَ إيمانان: إيمانُ طلبٍ من العبد الذي يعالج الصلَة بربِّه العظيم، وإيمانُ توفيقٍ وهداية؛ لأنه ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 100]؛ فالإيمانُ هبة ونعمة لا يعطيها الله إلا من يحبُّ، وهو الذي يعقِل؛ أي الذي يعقِل عن الله حُجَجه ومواعظَه وآياته التي دلَّ بها جلَّ ثناؤُه على نبوَّة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وحقيقةِ ما دعا إليه من توحيدِ الله وخلعِ الأنداد والأوثان[2].

 

ــــــــــــــــــــ

[1] [صحيح موقوف] أخرجه أحمد (1/387 ح3672) محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكر الحديث مطولا بأكثر من هذا. والصباح بن محمد ضعيف. وأخرجه الحاكم (2/485 ح3671) من طريق ابن إسحاق بن محمد عن مرة به، قال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وأخرجه أيضا في (4/182 ح7301) من طريق أبان بن إسحاق بن يحيى البجلي عن مرة به. والحديث صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (6/482 ح2714) بشواهده. لكن إمام هذا الفن الدارقطني ذكره في "العلل" (5/269)، وقال: "الصحيح موقوف" يعني الصحيح أنه من كلام عبدالله بن مسعود - رضى الله عنه -. والضمير المستتر في "يحبُّ" عائدٌ على المولى - عز وجل - لا على الإنسان بدلالة آخر الحديث.

[2] راجع: "تفسير الطبري" (ج12 ص300).