عن جريرِ بن عبدِالله أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله - عليه السلام - ليُعطِي على الرِّفْقِ ما لا يعطي على الخرَق، وإذا أحبَّ اللهُ عبدًا أعطاه الرِّفقَ، ما من أهل بيتٍ يحرمون الرفق إلا حُرِموا»[1].

 

وإن الرِّفق من أخلاق الإسلام التي حضَّ عليها أتباعَه، وقد جاءَ فيه أحاديثُ كثيرة؛ منها: «من يحرَم الرفق يحرم الخيرَ»[2]، و«إن الله رفيقٌ يحبُّ الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العُنْفِ، وما لا يعطي على سواه»[3]، و«لا يكون الرِّفْق في شيء إلا زانَه ولا يُنـزع من شيءٍ إلا شانَه»[4]، و«عليك بالرفق»[5]. وضدّ الرفق العنفُ، وفي هذه الأحاديث فضل الرفق والحثّ على التخلق به وذم العنف، والرفق سبب كلِّ خير، ومعنى «يعطي على الرفق»؛ أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيرِه، أو أنه يتأتى به من الأغراض ويسهُل من المطالب ما لا يتأتى بغيره[6].

 

والرفق هو اللُّطْف وأخذُ الأمر بأحسَن الوجوه وأيسَرها، ولِينُ الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، أي أن الله يحبُّ أن يَرْفُق بعضُكم ببعضٍ، «ويعطي عليه» في الدنيا من الثناء الجميل ونَيْل المطالب وتسهيل المقاصد، وفي العقبى من الثواب الجزيل «ما لا يعطي على العنف»؛ أي الشدَّة والمشقَّة، وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشرِّ مثلُه. نبَّه به على وطاءَةِ الأخلاقِ وحسن المعاملة وكمال المجاملة، ووصَفَ الله عزوجل بالرفق إرشادًا وحثًّا لنا على تحرِّي الرفق في كل أمر[7].

 

ويجب العلمُ أنَّ من عبادِ الله الأشدَّاء من أحبَّهم؛ كبعضِ أنبيائه وبعض أوليائه؛ لكن يجب العلمُ أن الرِّفق أفضَل من الشدَّة، وإن كانَ له موطنٌ ولها موطِن، ذانِك اللذان يجب عدم التبديل بينهما؛ إلا أن الرفقاء أقرَب إلى محبَّة الله ورحمتِه.. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «الرُّحَماءُ يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء»[8]، والله أعلم.

 

ـــــــــــــــــــ

[1] [رجاله ثقات] أخرجه الطبراني في «الكبير» (2/306 ح2274) حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا علي بن محمد بن أبي المضاء المصيصي ثنا خلف بن تميم عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم-، فذكر الحديث.

• قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (3/278): «رواه الطبراني ورواته ثقات، ورواه مسلم وأبو داود». وقال الهيثمي: قلت: له في الصحيح «من يحرم الرفق يحرم الخير» فقط، رواه الطبراني ورجاله ثقات، ورواه مسلم وأبو داود مختصرا «من يحرم الرفق يحرم الخير»، زاد أبو داود «كله».

[2] أخرجه مسلم في البر والصلة (ح2592) من حديث جرير رضي الله عنه.

[3] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في استتابة المرتدين (ح6927)، ومسلم، واللفظ له، في البر والصلة (ح2593) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[4] أخرجه مسلم في البر والصلة (ح2594) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[5] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الأدب (ح6030)، ومسلم في السلام (ح2165) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[6] انظر: «شرح النووي على مسلم» (ج16 ص145-146) مختصرا.

[7] انظر: «فيض القدير» (ج2 ص237) مختصرا.

[8] [صحيح] أخرجه الترمذي (ح1924)، وأبو داود (ح4941) كلاهما من طريق: سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن؛ فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله». قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح».