عن محمودِ بنِ لبيد أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهم؛ فمن صبَر فلَه الصبْر ومن جزع فله الجزَع"[1]، وعن أبِي أيوب قال - صلى الله عليه وسلم -: "عِظَمُ الأجر عند عظم المصيبة، وإذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهم"[2].

 

قال الحافظ:

بِشارةٌ عظيمة لكل مؤمن؛ لأنّ الآدمي لا ينفكُّ غالبًا من ألمٍ بسبب مرض أو همٍّ أو نحو ذلك مما ذكر، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفِّر ذنوبَ من تقع له... وفي حديث ابن مسعود "ما من مسلِم يصيبُه أذىً إلا حاتَّ اللهُ عنه خطاياه"[3]، وظاهره تعميم جميع الذنوب، لكن الجمهور خصُّوا ذلك بالصغائر؛ لحديث "الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ كفاراتٌ لما بينهنّ ما اجتُنِبَت الكبائر"[4]، فحمَلوا المطْلَقات الوارِدة في التكفير على هذا المقيَّد، ويحتَمِل أن يكونَ معنى الأحاديث التي ظاهرُها التعميم أن المذكورات صالحةٌ لتكفير الذنوب، فيكفِّر اللهُ بها ما شاء من الذنوب، ويكون كثرة التكفير وقلَّته[5].

 

وقال المناوي:

"إذا أحبَّ الله عبدا"؛ أي أراد به الخير ووفقه[6] "ابتلاه": اختبره وامتحنه بنحو مرَضٍ أو همٍّ أو ضِيق؛ "ليسمع تضرُّعَه"[7]؛ أي تذلُّلَه واستكانته وخضوعه ومبالغته في السؤال؛ ليعطى صفة الجود والكرم جميعًا، فإنهما يطلبانه عند سؤال عبدِه بالإجابة، فإذا دعا قالت الملائكة: صوت معروفٌ، وقال جبريل: يا ربِّ اقض حاجتَه، فيقول: دعوا عبدي فإنِّي أحبُّ أن أسمع صوته، كذا جاء في خبر. قال الغزالي: ولهذا تراهُ يكثِر ابتلاءَ أوليائه وأصفيائه الذين هم أعزُّ عباده، وإذا رأيتَ اللهَ - عليه السلام - يحبِس عنك الدنيا ويكثر عليك الشدائد والبلْوَى فاعلَم أنَّك عزيزٌ عندَه وأنَّك عندَه بمكانٍ يسلُك بِك طريقَ أوليائه وأصفيائه، فإنَّه يراكَ ولا يحتاجُ إلى ذلك، أمَا تسمَع إلى قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: 48]؛ بل اعرف مِنَّتَه عليك فيما يحفَظ عليك من صَلاتك وصلاحِك، ويُكثِّر من أجورِك وثوابك، وينـزلُك منازلَ الأبرار والأخيار والأعزَّة عندَه.

 

تنبيه:

قال العارِف الجيلانيُّ: التلذُّذ بالبلاء من مقامات العارفين، لكن لا يعطِيه الله لعبدٍ إلا بَعد بذل الجهد في مَرضاته، فإن البلاء يكون تارةً في مقابَلة جريمةٍ، وتارة تكفيرًا، وتارةً رفعَ درجاتٍ وتبليغًا للمنازل العليَّة، ولكل منها علامةٌ؛ فعلامةُ الأول عدم الصبْر عند البلاء وكثرة الجزع والشكوى للخلق، وعلامة الثاني الصبرُ وعدمُ الشكوى والجزع وخفَّة الطاعة على بدنه، وعلامة الثالث الرِّضا والطمأنينة وخفَّة العمل على البدن والقلب[8].

 

وقال المناوي أيضًا:

"إذا أحبَّ الله عبدًا ابتلاه"، أو المراد هناك المؤمن الكامل بدليل خبر "أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"، أو يُقال المؤمن إذا ابتُلِي فإنَّه محمولٌ عنه بحسب طاعتِه وإخلاصه ووجود حقائق الإيمان في قلبِه، حتى يحمل عنه من البلاء ما لو جُعِل شيءٌ منه على غيره عجَز عن حمله، أو أن شدَّةَ محبَّتِه لربِّه الذي ابتلاه تدفع سلطان البلاء عنه حتى يصير عند البلاء مستعذِبًا غيرَ مسخوطٍ بل يعدُّه من أجلِّ النعم، أو المراد بالبلاء الذنوب وهو شؤمُ عواقبها، فأهل البلاء هم أهل المعاصي وإن صحَّت أبدانهم، وأهل العافية أهل السلامة وإن مرِضوا. ثم هذا كلُّه سَوْقُ الكلام على ما هو المتبادر للأفهام ببادئ النظر من أن المقصود عدمُ الجعل حالَ الحياة، وذهَب بعضُهم إلى تنزيلِه على ما بعد الموت، وعليه فالمرادُ أنَّ الأرض لا تأكُل بدنَه، ولا ينافيه خبر "كل ابن آدم يأكله التراب"[9]؛ لأنه خصّ منه عشرة أصناف... قال الراغب: والبَدَن الجسَد؛ لكن البدن يقال اعتبارًا بعظم الجثة، والجسد اعتبارًا باللون، ومنه قيل امرأة بادِن وبَدِين عظيمةُ الجِسْم[10].

 

وقال المناويُّ أيْضًا:

"إذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهم" بأنواع البلايا حتى يمحِّصَهم من الذنوب ويفرغ قلوبهم من الشغل بالدنيا غيرةً منه عليهم أن يقعوا فيما يضرُّهم في الآخِرة، وجميعُ ما يبتليهم به من ضنْك المعيشة وكدَر الدنيا وتسليط أهلها، ليشهَدَ صِدْقهم معه وصبْرهم في المجاهَدَة، قال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31][11].

 

أما حديثُ: "إن الله إذا أحبَّ عبدًا ابتلاه" فقد ضعفه الحافظ العراقيُّ في تخريج أحاديث الإحياء، وقد رُوِي بلفظ: "إذا أحبَّ الله عبدًا ألصق به البلاء"، وهو مرسل عن سعيد بن المسيّب[12].

 

ــــــــــــــــــــــــ

[1] [رواته ثقات] أخرجه أحمد (5/427 و428 و429)، والبيهقي في "الشعب" (7/145 ح9784) عن عمرو أبي عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، فذكر الحديث. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/142): "رواه أحمد ورواته ثقات". قال الحافظ في "فتح الباري" (10/108): "ورواته ثقات إلا أن محمود بن لبيد اختلف في سماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد رآه وهو صغير".

[2] عزاه السيوطي في "جامعه" للمحاملي في "أماليه" عن أبي أيوب، وقال المناوي في "فيض القدير" (4/318): "ورواه أبو نعيم والديلمي من حديث أنس"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" حديث رقم (7460).

[3] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في المرضى (ح5647)، ومسلم في البر والصلة (ح2571) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[4] أخرجه مسلم في الطهارة (ح233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] انظر: "فتح الباري" (ج10 ص108).

[6] تأويل لصفة المحبّة على عادة المناوي -غفر الله له- بلازِمَيْن من لوازمها وهما إرادة الخير والتوفيق.

[7] كما في الرواية التي أوردها السيوطي في "الجامع الصغير".

[8] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص245).

[9] أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (ح2955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[10] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص73) مختصرا.

[11] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص246).

[12] [مرسل] أخرجه البيهقي في "الشعب" (7/146)، ومراسيل سعيد بن المسيب مقبولة، كما هو مشهور في كتب الحديث.