التطلع إلى لقاءِ ربه:

فعن عبادة بن الصامت وعائشة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءَه، ومن كرِه لقاء الله كره الله لقاءه"، قالت عائشة - أو بعضُ أزواجه -: إنا لنكره الموت، قال: "ليس ذاك؛ ولكن المؤمن إذا حضَره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيءٌ أحبَّ إليه مما أمامه فأحبّ لقاء الله وأحبَّ الله لقاءَه، وإن الكافرَ إذا حضر بشِّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيءٌ أكرهَ إليه مما أمامَه فكرِه لقاءَ الله وكره الله لقاءه"[1].

 

وقد أفضْنا في المراد بلقاءِ الله تعالى في البابَين الثاني والثالِث، وقلْنا إن هذا الحديث يُعمَل به حال حياة الإنسان ورخائه، لا عند موته فحسْب؛ ففيه بذلك معنيان متداخلان.. الأوَّل: البُشرى للمؤمن عند الموت التي تجعله متَطَلِّعا إلى جوار ربه، والثاني: أن هذه البشرى لها سوابقُ تجلبُها من الإيمان والعمل الصالح.

 

طلبُ الشهادة:

أما عن طلب الشهادة، فعَن سهلِ بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جدِّه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سأل الله الشهادة بصِدق بلّغه الله منازلَ الشهداء وإن مات على فراشه"[2]، وعن أنسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تُصِبْه"[3].

 

قال الإمام النووي:

معنى الرواية الأولى مفسَّر من الرواية الثانية، ومعناهما جميعًا أنَّه إذا سأل الشهادةَ بصِدق أُعْطِي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه، وفيه استحباب سؤال الشهادة واستحباب نيّة الخير[4].

 

لكن ينبغي العلم أن سؤال الشهادة لا يكون بالاضطجاع على الأرائك والتسجي بالبرود، وإنما لابد من برهانٍ عمليٍّ عليه حتى لا نضرب الوحي ببعضِه.. قال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد: 21]؛ أي أنه لا يجدر بطالب الشَّهادة القعود عن مظانِّها، التي هي ميادين القتال، والأجدر به أن تكون حاله كحال سيف الله خالد بن الوليد -رضى الله عنه-، فعن أبي الزناد أن خالدَ بن الوليد لما احتضر بكى، وقال: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء[5].

 

ــــــــــــــ

[1] [متفقٌ عليه] وقد سبق تخريجه.

[2] أخرجه مسلم في الإمارة (ح1909)، وأبو داود في سجود القرآن (ح1520)، والترمذي في فضائل الجهاد (ح1653)، والنسائي في الجهاد (ح3162)، وابن ماجه في الجهاد (ح2797).

[3] أخرجه مسلم في الإمارة (ح1908).

[4] انظر: "شرح النووي على مسلم" (ج13 ص55).

[5] أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (16/273)، وهو في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1/409) بهامش "الإصابة في تمييز الصحابة"، وفي "سير أعلام النبلاء" (1/382). وفيهما العير بدل البعير.