قال الله تعالى: ﴿ قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119]، وقال سبحانه: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة: 100]، وقال تعالى: ﴿ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [المجادلة: 22]، وقال: ﴿ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 8].

 

قال الإمام الطبري - رحمه الله تعالى -:

ورضُوا هم عن الله تعالى ذِكرُه في وفَائه لهم بما وعدَهم على طاعتهم إيّاه فيما أمرَهم ونهاهم من جَزيل ثوابه، ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ هذا الذي أعطاهم الله من الجنّات التي تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها مرضيًّا عنهم وراضين عن ربهم، هو الظفر العظيم بالطّلْبة وإدراك الحاجة التي كانوا يطلبونها في الدنيا، ولها كانوا يعملون فيها، فنالوا ما طلبوا وأدركوا ما أمَّلُوا[1].

 

وقال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: وفي قوله تعالى ﴿ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ سرٌّ بديع؛ وهو أنه لمَّا سخطوا على القرائِب والعشائر في الله تعالى عوَّضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم[2].

 

وقال القرطبي - رحمه الله تعالى -:

﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾؛ أي عن الجَزاء الذي أثابهم به[3]. وقال: ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ فرحوا بما أعطاهم[4].

 

وقال الشوكاني - رحمه الله تعالى -:

﴿ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ﴾؛ أي قَبِل أعمالهم وأفاض عليهم آثارَ رحمته العاجلة والآجِلة، ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾؛ أي فرِحوا بما أعطاهم عاجلاً وآجلا[5].

 

وقال البغوي:

وقيل الرضا ينقسم إلى قسمين: رضا به ورضا عنه؛ فالرضا به: ربًّا ومدبِّرا، والرضا عنه: فيما يقضي ويُقدِّر. قال السدي - رحمه الله تعالى -: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسألُه الرضا عنك؟[6].

 

وقال البيضاوي:

﴿ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ﴾ بطاعتِهم، ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بقضائه أو بما وعدَهم من الثواب[7].

 

وقال السيوطي: ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا لأمَّتي كلِّهم وليس بعد الرضا سخط"[8].

 

وقال النسفي: ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بثوابِه الجسيم في الآخرة، أو بما قضى عليهم في الدنيا[9].

 

والرضا يتضمَّن المحبة، أو هو كالمقدِّمة لها، أو هو أوَّل مراتبِها، فمحالٌ أن يحِبَّ أحدٌ ما لا يرضى به أو عنه؛ ولذا استنبط العلماء - من الآيات السابقِ ذكرُها ونصوصٍ أخرى - أن الرضا بالله ربًّا وبقضائه وقدره وحُكمه سببٌ لمحبته تعالى من رضِيَ بذلك... والله أعلم.

 

ــــــــــــــــــــ

[1] انظر: "تفسير الطبري" (ج9 ص142-143).

[2] انظر: "تفسير ابن كثير" (ج4 ص421).

[3] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (ج6 ص350) ط2 دار الكتب - مصر.

[4] انظر: المصدر السابق (ج17 ص260)، وفيهما تفسير رضى العباد بحالٍ قريبةٍ منه، لكن الأوجَه أن معناه أنهم رضوا به تعالى ربًّا لهم، وفي حديث مسلم وغيره "رضيت بالله ربًّا"، وفي البخاري أن عمر قال أمام رسول الله: "رضينا بالله ربًّا".

[5] انظر: "فتح القدير" (ج5 ص272).

[6] انظر: "معالم التنزيل" (ص497).

[7] انظر: "تفسير البيضاوي" (ص315).

[8] في "الدر المنثور" (4/272): "أخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير والقاسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية، أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: لما أنزلت هذه الآية ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ ﴾ إلى قوله ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا لأمتي كلهم، وليس بعد الرضا سخط".

[9] انظر: "تفسير النسفي" (ج4 ص228).