وهذا مناسبٌ للمظهر الذي قبله، وهو محور كلام العلماء السابق؛ أي العمل بمراضي الرب ومحابِّه، والابتعاد عن مبغوضاته ومكروهاته تعالى.

فأخصُّ علامات محبة الله لعبدِه أن يتولى الله تعالى أمرَه.. ظاهرَه وباطنَه، سرَّه وجهرَّه، فيكون هو المشير عليه، والمدبِّر لأمره، والمزيّن لأخلاقه، والمستعمل لجوارحِه، والمسدِّد لظاهره وباطنه، والمؤنِسَ له بلذِّة المناجاة في خلواته، والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته.

 

وقد روى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أم سلمة -رضي الله عنها-: "إذا أحبَّ الله عبدًا جعل له واعظًا من نفسِه، وزاجرًا من قلبِه، يأمره وينهاه"[1].

 

وهو مناسب للدليل الذي قبله؛ فحديث "كنت سمعه... الخ" مناسبٌ هنا أيضًا، وبعضُ الأوجه السبعة المذكورة هناك أوفَق لهذا المظهر؛ فهذا كما يعني النُّجْح والسداد، يعني أيضًا القرب من الله ومما يحبُّه سبحانه، والنفور من غيره مما يغضِبُه تعالى. وهل يسمى العبد مسدَّدا وناجحًا إلا إذا كان يفعل ما يرضي الرب تعالى وينفر مما يغضبُه؟! إذ المطلوبُ النهائي والهدف الختامي رضاه سبحانه ودخول جنَّته، ولا يبلغُ ذلك إلا من فعل الطاعات واجتنب المنهيات، فيسمى مسدَّدا لأنَّه نال مبتغاه، ويسمى متقرِّبا لأنه فعل ما يُتقرَّب به، وهكذا فالصراط المستقيم واحدٌ ومعالمه واحدة.. فرائض ونوافل، والفرائض صلاةٌ وزكاةٌ وصوم وحج وجهاد وغيرها، والنوافل ما زاد على الفرض مما ندَب الشرع إليه، وأحسنُه ما واظبَ عليه إمامُ الأولياء وسيد المتقرِّبين وأنجح الناجحين - صلى الله عليه وسلم -.

 

وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أحبَّ الله عبدًا حماه الدنيا كما يظلُّ أحدُكم يحمي سقيمَه الماء"[2].

 

قال المباركفوري:

قوله "إذا أحبَّ الله عبدًا حماه الدنيا"؛ أي حفِظه من متاع الدنيا ومناصِبِه؛ أي حال بينه وبين ذلك بأن يُبعدَه عنه ويعسِّر عليه حصولَه، "كما يظلُّ أحدكم يحمي سقيمه الماء"؛ أي شربَه إذا كان يضرُّه والأطباء تحمي شربَ الماء في أمراضٍ معروفة[3].

 

وقال المناوي:

"إذا أحبَّ الله عبدًا حماه"؛ أيْ حفِظه من متاع "الدنيا"؛ أي حالَ بينه وبين نعيمِها وشهواتها ووقاه أن يتلوَّث بزهرتها لئلا يمرض قلبُه بها وبمحبَّتِها وممارستها ويألفها ويكره الآخرة، "كما يحمِي" أي يمنع "أحدُكم سقيمَه الماء"؛ أي شربَه إذا كان يَضُرُّه، وللماء حالةٌ مشهورة في الحماية عند الأطباء؛ بل هو منهيٌّ عنه للصحيح أيضًا إلا بأقلِّ ممكن، فإنَّه يبلِّد الخاطر ويضعِفُ المعدة[4]؛ ولذلك أمروا بالتقليل منه وحمَوْا المريضَ عنه، فهو جلَّ اسمُه يذُود من أحبّه عنها حتى لا يتدنَّسَ بها وبقذارتها ولا يَشْرَق بغصَصِها، كيف وهي للكبار مؤذيةٌ وللعارفين شاغلةٌ وللمريدين حائلةٌ ولعامة المؤمنين قاطعة، والله تعالى لأوليائه ناصرٌ ولهم منها حافظٌ وإن أرادوها؟![5].

 

ـــــــــــــــــــــــ

[1] قال الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء": أخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أم سلمة بإسناد حسن بلفظ "إذا أراد الله بعبد خيرا".

• لكن أورده الألباني في "الضعيفة" (5/143 ح2124)، وعزاه للديلمي (ص93 "زهر الفردوس" للحافظ)، وهناد (1/290 ح506)، وأبو نعيم في "الحلية" (2/264) من حديث أم سلمة.

[2] [صحيح] أخرجه الترمذي (ح2036)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (ح1728)، والطبراني في "الكبير" (ح15360)، والطبري في "تهذيب الآثار" (ح 2534)، وصححه ابن حبان (ح671)، والحاكم (ح7571 و7968 و8360)، والبيهقي في "الشعب" (ح10059)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (ح 5186). جميعًا من طريق: عمارة بن غزية عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، فذكره. قال أبو عيسى الترمذي: "وهذا حديث حسن غريب". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الدارقطني في "أطراف الغرائب" (4/267): "تفرد به عمارة بن غزية عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود عنه".

• وأخرجه مرسلا: ابن أبي شيبة (8/320)، والترمذي (ح2036)، وأحمد (5/427 ح24021) و(5/428 ح24027)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (ح10061) من حديث محمود بن لبيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا. قال أبو عيسى الترمذي: "وقتادة بن النعمان الظفري هو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، ومحمود بن لبيد قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورآه وهو غلام صغير".

• وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (ح4174)، والطبري في "تهذيب الآثار" (ح 2535)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (ح10060)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (ح2364 و2365) من حديث محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فجعله من مسند رافع بن خديج. قال الهيثمى (10/285): "إسناده حسن".

• وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (ح6716) عن محمود بن لبيد، عن عقبة بن رافع، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر الحديث، من مسند عقبة بن رافع. قال الهيثمى (10/285): "إسناده حسن".

[3] انظر: "تحفة الأحوذي" (ج6 ص159).

[4] في هذا نظرٌ يرجَع فيه إلى الأطباء، ولا يحمل جزمًا على حديث رسول الله، فليس هذا من معاني الحديث ضرورة.

[5] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص246).