عن معاوية - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يرِد اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّين"[1].

 

قال الحافظ:

هذا الحديثُ مشتمِلٌ على ثلاثة أحكام..

أحدها: فضل التفقُّه في الدين.

وثانيها: أن المعطي في الحقيقةِ هو اللهُ.

وثالثها: أن بعضَ هذه الأمة يبقى على الحقِّ أبدًا.

فالأول لائقٌ بأبواب العلم، والثاني لائق بقَسْم الصدقات.. والثالث لائقٌ بذكر أشرَاط الساعة.. وقد تتعلق الأحاديثُ الثلاثة بأبواب العلم.. خاصةً من جهة إثبات الخير لمن تفقَّهَ في دين اللهِ، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتَحُ اللهُ عليه به، وأن من يفتح اللهُ عليه بذلك لا يزال جنسُه موجودًا حتى يأتي أمرُ الله، وقد جزَم البخاريُّ بأن المراد بهم[2] أهل العلم بالآثار، وقال أحمدُ بن حنبل: إن لم يكونوا أهلَ الحديث فلا أدري مَنْ هُم، وقال القاضي عياض: أرادَ أحمدُ أهلَ السنة ومن يعتقدُ مذهبَ أهلِ الحديث، وقال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة فِرقةً من أنواع المؤمنين ممن يقيمُ أمْرَ الله تعالى من مجاهدٍ وفقيهٍ ومحدِّثٍ وزاهدٍ وآمرٍ بالمعروف وغير ذلك من أنواعِ الخير، ولا يلزم اجتماعُهم في مكانٍ واحد؛ بل يجوزُ أن يكونوا متفرِّقين.

 

قوله "يفقِّهْه"؛ أي يُفَهِّمه.. يقال: فَقُهَ -بالضم- إذا صار الفِقْه له سجيَّة، وفَقَهَ - بالفتح - إذا سبَق غيرَه إلى الفهم، وفَقِهَ -بالكسر- إذا فَهِمَ، ونكَّر "خيرًا" ليشمَل القليلَ والكثيرَ والتنكيرُ للتعظيم؛ لأنّ المقام يقتضِيه، ومفهوم الحديث أنَّ من لم يتفقه في الدين أي يتعلَّم قواعدَ الإسلام وما يتصل بها من الفروعِ فقد حُرِمَ الخير. وقد أخرج أبو يعلى حديثَ معاوية من وجهٍ آخر ضعيفٍ وزاد في آخره "ومن لم يتفقَّهْ في الدين لم يُبالِ اللهُ به"[3]، والمعنى صحيحٌ؛ لأن من لم يعرِف أمورَ دينِه لا يكون فقيهًا، ولا طالبَ فِقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريدَ به الخير، وفي ذلك بيانٌ ظاهرٌ لفضل العلماء على سائر الناس ولفَضْل التفقُّهِ في الدين على سائر العلوم[4].

 

وقالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ:

فيه فضيلةُ العلم والتفقُّه في الدين، والحثّ عليه، وسببُه أنه قائِدٌ إلى تقوى الله تعالى[5].

 

ـــــــــــــــــــــــ

[1] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في العلم (ح71)، ومسلم في الزكاة (ح1037) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

[2] أي بالطائفة المنصورة الذين لا يضرُّهم من خالفَهم ولا من خذَلهم.

[3] [ضعيف] كما قال الحافظ هنا، ولم أقف عليه عند أبي يعلى، ولكنني وجدته عند ابن عدي في "الكامل" (7/73) في ترجمة (الوليد بن محمد الموقري القرشي) وهو ضعيف، ورواه الوليد عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاوية مرفوعًا بلفظ "إن المؤمن لا يغلب ولا يخلب ولا يتنبأ بما لا يعلم، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومن لم يتفقه لم يبال به".

[4] انظر: "فتح الباري" (ج1 ص164-165) مختصرا.

[5] انظر: "شرح النووي على مسلم" (ج7 ص128).