نقِفُ اليوم - بعَوْن الله - على أنموذج من أنبياء الله - عليهم السلام - لنرى كيف ربّاه الكريم سبحانه وأدبه... وهو: خاتَم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم -:

قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾.. إلى قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ الآيات [الضحى: 3-11].

 

قال الإمام القرطبي:

ذكر البخاري، وهو أصح ما قيل في ذلك والله أعلم، وقد ذكره الثعلبي أيضا، عن جندب بن سفيان البجلي قال: رُمِي النبي - صلى الله عليه وسلم - في إصبعه بحجرٍ فدميت فقال: "هل أنت إلا إصبعٌ دميت وفي سبيلِ الله ما لقيت"[1]، فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم الليل، فقالت له أم جميلٍ امرأة أبي لهب: ما أرى شيطانَك إلا قد تركَك، لم أره قربَك منذ ليلتين أو ثلاث، فنزلت ﴿ وَالضُّحَى ﴾ [2].

 

و﴿ وَدَّعَكَ ﴾ معناه: تركك، ﴿ وَمَا قَلَى ﴾؛ أي ما أبغضك ربُّك منذ أحبَّك، وترك الكاف[3] لأنَّه رأسُ آية، والقِلى: البغض. وتأويل الآية: ما ودَّعك ربُّك وما قلاك.

 

﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى ﴾؛ أي ما عندي في مرجِعِك إليَّ يا محمد خيرٌ لك مما عجَّلت لك من الكرامة في الدنيا، وقال ابن عباس: أُرِيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ما يفتَح الله على أمَّتِه بعدَه فسرَّ بذلك فنزل جبريل بقوله: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾[4]، وقيل: هي الشفاعةُ في جميع المؤمنين، ورُوِي غير ذلك. وفي صحيحِ مسلمٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا قولَ الله تعالى في إبراهيم: ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36]، وقولَ عيسى: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ [المائدة: 118] فرفع يديه، وقال: "اللهم أُمَّتِي أُمَّتِي"، وبكى، فقال الله تعالى لجبريل: "اذهب إلى محمدٍ فقل له: إن الله يقولُ لك: إنَّا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك"[5].

 

وعدَّد سبحانه مِنَنَه على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً ﴾ لا أبَ لك قد مات أبوك، (فَآوَى)؛ أي جعلَ لك مأوىً تأوي إليه عند عمِّك أبي طالِبٍ فكفَلَك. وعن مجاهِدٍ: هو من قول العرب: دُرَّةٌ يتيمة إذا لم يكن لها مثلٌ فمجاز الآية: ألم يجدْك واحدًا في شرَفِك لا نظير لك فآواك الله بأصحابٍ يحفظونَك ويحوطُونك.

 

قوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى ﴾؛ أي غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك؛ أي أرشدَك، والضلال هنا بمعنى الغفلة كقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ﴾ [طه: 52]؛ أي لا يغفَل، وقال في حقِّ نبيه: ﴿ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3]، وقال قوم:  ﴿ ضَالاًّ ﴾ لم تكن تدري القرآن والشرائع فهداك الله إلى القرآن وشرائع الإسلام عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ ﴾ [الشورى: 52].. وقال قوم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ ﴾؛ أي في قومٍ ضُلاَّل فهدَاهم الله بك، هذا قولُ الكلبي والفرَّاء وعن السدي نحوه؛ أي ووجد قومَك في ضلالٍ فهداك إلى إرشادهم، وقيل: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ ﴾ عن الهجرة فهداك إليها، وقيل: ﴿ ضَالاًّ ﴾ أي ناسيًا شأنَ الاستثناء حين سُئِلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فأذْكَرَك، كما قال تعالى: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ﴾ [البقرة: 282]، وقيل: ووجدَك طالبًا للقِبلة فهداك إليها؛ بيانُه: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 144] الآية، ويكون الضلالُ بمعنى الطلَب لأن الضالَّ طالبٌ، وقيل: ووجدك متحيِّرا عن بيان ما نزل عليك فهداك إليه؛ فيكون الضلالُ بمعنى التحيُّر؛ لأن الضالَّ متحيِّرٌ، وقيل: ووجدك ضائعًا في قومِك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع، وقيل: ووجدك محبًّا للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿ قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ﴾ [يوسف: 95] أي في محبَّتِك، قال الشاعر:

هذا الضلال أشاب منِّي المفرقا

والعارضين ولَم أكن متحقِّقا

عجبا لعَزَّةَ في اختيار قطيعتي

بعد الضلال فحبْلُها قد أخلقا

 

وقال الجنيدي:

ووجدك متحيّرا في بيانِ الكتاب فعلمَّك البيان بيانه: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44] الآية، و﴿ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [النحل: 64]، وقال بعضُ المتكلِّمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاةٍ من الأرض لا شجَر معها سمَّوها ضالّة فيُهتدى بها إلى الطريق، فقال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ ﴾؛ أي لا أحدَ على دينِك وأنتَ وحيدٌ ليس معَك أحدٌ فهديت بك الخلقَ إليّ.

 

قلت[6]: هذه الأقوال كلُّها حِسانٌ، ثم منها ما هو معنويٌّ ومنها ما هو حِسِيٌّ، والقول الأخير أعجبُ إليَّ؛ لأنّه يجمع الأقوالَ المعنوية.

 

﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾؛ أي فقيرًا لا مالَ لك ﴿ فَأَغْنَى ﴾؛ أي فأغناك بخديجة -رضي الله عنها- يقال: عالَ الرجلُ يعيلُ عيلةً إذا افتقر، وقال أُحَيْحَةُ بن الجلاَّحِ:

فما يدري الفقيرُ متى غناه

وما يدرِي الغني متى يعيلُ 

 

أي يفتقر، وقال مقاتِلٌ: فرضَّاك بما أعطاك من الرزق، وقال الكلبي: قنعك بالرزق، وقال ابن عطاء: ووجدك فقيرَ النفس فأغنى قلبك، وقال الأخفَش: وجدك ذا عيالٍ دليله ﴿ فَأَغْنَى ﴾، ومنه قول جرير:

اللهُ أنزَل في الكتاب فريضةً

لابن السبيل وللفقير العائلِ 

 

وقيل: وجدَك فقيرًا من الحُجَج والبراهين فأغناك بها، وقيل: أغناك بما فتح لك من الفتوح وأفاءَه عليك من أموال الكفار، القشيري: وفي هذا نظرٌ لأنّ السورة مكية، وإنما فرض الجهاد بالمدينة، وقراءة العامَّة (عائلا) وقرأ ابن السميفع (عيِّلا) بالتشديد مثل طيِّب وهيِّن.

 

﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾؛ أي انشُر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء والتحدث بنعم الله والاعتراف بها شكرٌ، وروى ابن أبي نجيج عن مجاهد ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ قال: بالقرآن، وعنه قال: بالنبوة؛ أي بلِّغ ما أُرسِلت به، والخِطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والحكم عامٌّ له ولغيره، وعن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: إذا أصبتَ خيرًا أو عمِلْت خيرا فحدّث به الثقةَ من إخوانك، وعن عمرَ بن ميمون قال: إذا لقِي الرجل من إخوانه من يثق به يقول له: رزق الله من الصلاة البارحة كذا وكذا، وكان أبو فراسٍ عبدُ الله بن غالب إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحة كذا، قرأتُ كذا وصلَّيت كذا وذكرت الله كذا وفعلت كذا، فقلنا له: يا أبا فراس إن مثلَك لا يقول هذا! قال يقول الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ وتقولون أنتم لا تحدِّثْ بنعمةِ الله! ونحوه عن أيوب السختياني وأبي رجاءٍ العطاردي - رحمهما الله - [7].

 

أما حديث "أدبني ربي فأحسن تأديبي"[8] فقد قال فيه الزركشِيُّ: معناه صحيحٌ لكنَّه لم يأت من طريقٍ صحيح، وذكره ابن الجوزي في الواهيات عن عليٍّ، وقال السخاوي: ضعيفٌ وإن اقتصر شيخُنا - أي ابن حجَرٍ العسقلاني - على الحكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه، وقال ابن تيمية: لا يُعْرَف له سندٌ ثابت.

 

ومع ذلك فقد شرحَه شُرَّاح الحديث بما يلي:

"أدَّبَني ربي"؛ أي علَّمني رياضَة النفس ومحاسنَ الأخلاق الظاهرة والباطنة، والأدب ما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسَبة، وفي شرح النوابغ: هو ما يؤدِّي بالناس إلى المحامد؛ أي يدعوهم.

 

"فأحسن تأدِيبِي" بإفضاله عليَّ بالعلوم الكسْبِية والوَهْبِية بما لم يقع نظيرُه لأحدٍ من البشر.

 

وقال بعضهم: أدَّبَه بآداب العبودية وهذَّبه بمكارم أخلاق الرُّبُوبِيّة، ولما أراد إرسالَه ليكون ظاهر عبوديته مرآةً للعالم كقوله "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي"[9]، وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته وللصديقين في السير إليه ﴿ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ ﴾ [آل عمران: 31].

 

وقال القرطبي:

حفِظَه الله من صِغَره وتولَّى تأديبَه بنفسه ولم يَكِلْه في شيءٍ من ذلك لغيره، ولم يزَل اللهُ يفعل به حتى كرَّه إليه أحوالَ الجاهلية وحماه منها فلم يجْرِ عليه شيءٌ منها، كل ذلك لُطْفٌ به وعطفٌ عليه وجمع للمحاسن لديه. انتهى.

 

قال في "العوارف":

وكل الآداب متلقياتٌ عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه مجمعها ظاهرًا وباطنًا.

 

وقال بعضهم:

قد أدّب اللهُ تعالى روحَ نبيه - صلى الله عليه وسلم - وربّاها في محلِّ القرب قبل اتصالها ببدنه الظاهر باللطف والهبة، فتكامل له الأنسُ باللطف والأدب بالهيبة، واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج باتصالها كمالات أخرى من القوة إلى الفعل، وينال كلٌّ من الروح والبدن بواسطة الأخرى من الكمال ما يليق بالحال ويصير قُدْوة لأهل الكمال، والأَدَبُ: استعمالُ ما يُحْمَد قولاً وفعلا. وقيل: الأخذُ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوفُ مع المستحسَنات، وقيل: تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونَه، وقيل: غير ذلك[10].

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

[1] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (ح2802)، ومسلم في الجهاد (ح1796) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.

[2] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (ح4983)، ومسلم في الجهاد (ح1796) من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.

• [قلت]: لم أر هذين الحديثين مجموعين إلا فيما ذكره ابن كثير في "تفسيره" (4/523) في رواية ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبو سعيد وعثمان وعمرو بن عبد الله الأودي قالا حدثنا أبو أسامة حدثني سفيان حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جندبا يقول. فذكره.

[3] أي كاف الخطاب؛ أي لم يقل (قلاك).

[4] ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (8/542) وعزاه للطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الدلائل".

[5] أخرجه مسلم في الإيمان (ح202) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[6] أي الإمام القرطبي، وجميع ما في هذه الجزئية من تفسيره "الجامع لأحكام القرآن"، باختصار، وقد نقل أقوالا أخرى بعيدة تحاشيناها لبعدها.

[7] انظر: "تفسير القرطبي" (ج22 ص337 وما بعدها) باختصار وتصرف.

[8] تقدم تخريجه والكلام عليه.

[9] [متفَقٌ عليه] أخرجه البخاري في الأذان (ح631) وله أطراف أخرى، ومسلم المساجد ومواضع الصلاة (ح674) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

[10] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص224-225) مختصرا.