نقِفُ اليوم - بعَوْن الله - على أنموذج من أنبياء الله - عليهم السلام - لنرى كيف ربّاه الكريم سبحانه وأدبه... وهو: نبيَّ الله موسى - عليه السلام -:

قال الله - سبحانَه - لموسى - عليه السلام - : ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴾.. إلى قوله تعالى: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ الآيات (طه: 37-41).

 

قال الشوكاني - رحمه الله تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ لتقوية قلبِ موسى بتذكيره نعمَ الله عليه، والمنّ الإحسان والإفضال، والمعنى: ولقد أحسنّا إليك مرةً أخرى قبل هذه المرة، وهي حفظ الله - سبحانَه - له من شرِّ الأعداء، كما بيَّنه سبحانه هاهنا.. ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴾؛ أي مننَّا ذلك الوقت وهو وقت الإيحاء.. والمراد بالإيحاء إليها إما مجرَّد الإلهام لها أو في النوم بأن أراها ذلك أو على لسان نبيٍّ أو على لسان ملَك لا على طريق النبوَّة كالوحي إلى مريْم، أو بإخبار الأنبياء المتقدِّمين بذلك وانتهى الخبر إليها، والمراد بـ﴿ مَا يُوحَى ﴾ ما سيأتي من الأمر لها أبْهَمَه أولا وفسره ثانيا تفخيمًا لشأنه.. وجملة ﴿ أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ﴾ مفسِّرة لأنَّ الوحي فيه معنى القولِ أو مصدريّة على تقدير بأن اقذفيه؛ أي اطرحيه في التابوت... ﴿ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾؛ أي اطرحيه في البحر.. قال الفرَّاء: هذا أمرٌ وفيه المجازاة: أي اقذفيه يلقِه اليمُّ بالساحل، والأمر للبحر مبنيٌّ على تنـزيله منـزلة من يفهم ويُميِّز لما كان إلقاؤه إيَّاه بالساحل أمرًا واجبَ الوقوع... والضمائر هذه كلُّها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقِي معه لكن المقصود هو موسى مع كون الضمائر قبل هذا وبعدَه له، وجملةُ ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ [طه: 39] جوابُ الأمر بالإلقاء، والمراد بالعدُوِّ فرعونُ؛ فإنَّ أُمَّ موسى لما ألقته في البحر، وهو النيل المعروف وكان يخرُجُ منه نهرٌ إلى دار فرعون، فساقه الله في ذلك النهرِ إلى دارِه فأخذ التابوت فوجد موسى فيه، وقيل إن البحرَ ألقاه بالساحل فنظره فرعونُ فأمر من يأخذه، وقيل وجدتْه ابنةُ فرعونَ، والأول أولى.

 

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾[طه: 39]؛ أي ألقى الله على موسى محبَّةً كائنةً منه تعالى في قلوب عبادِه لا يَراه أحدٌ إلا أحبَّه، وقيل: جعل عليه مسحةً من جمالٍ لا يراهُ أحدٌ من الناسِ إلا أحبَّه، وقال ابنُ جرير: المعنى وألقيت عليك رحمتي[1]، وقيل كلمة من متعلقة بـ(ألقيت) فيكون المعنى: ألقيت مني عليك محبة؛ أي أحببتُك، ومن أحبَّه الله أحبَّه الناس.

 

﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾؛ أي: ولتُربَّى وتغذَّى بمرأى منِّي، يقال: صنع الرجل جاريته إذا ربّاها، وصنع فرسه إذا داوَم على علَفِه والقيام عليه، وتفسير ﴿ عَلَى عَيْنِي ﴾ بمرأىً مني صحيح، قال النحاس: وذلك معروفٌ في اللغة[2]؛ ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى؛ فإن جميعَ الأشياء بمرأىً من الله، وقال أبو عبيدة وابنُ الأنباري: إن المعنى لتغذَّى على محبتي وإرادتي تقول: أتخذ الأشياء على عيني؛ أي على محبَّتي، قال ابن الأنباري: العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار من قول العرب: غدا فلانٌ على عيني؛ أي على المحبة مني، قيل: واللام متعلقة بمحذوفٍ؛ أي فعلتُ ذلك لتصنع، وقيل متعلِّقة بـ(ألقيت)، وقيل متعلقة بما بعده؛ أي ولتصنع على عيني قدَّرنا مشيَ أختك، وقرأ ابن القعقاع ﴿ وَلِتُصْنَعَ ﴾ بإسكان اللام على الأمر، وقرأ أبو نهيكٍ بفتح التاء، والمعنى: ولتكونَ حركتُك وتصرفك بمشيئتي وعلى عينٍ مني.

 

﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ﴾ ظرفٌ لـ(ألقيت) أو (لتصنع)، ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا ﴾، وأختُه اسمها مريْم، ﴿ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ﴾ [طه: 40]، وذلك أنها خرجَت متعرِّفة لخبره فوجدت فرعون وامرأتَه آسِيَةَ يطلبان له مرضِعَة فقالت لهما هذا القول؛ أي هل أدلكم على من يضمُّه إلى نفسه ويربِّيه، فقالا لها: ومن هو؟ قالت: أمي؛ فقالا: هل لها لبَن؟ قالت: نعم لبن أخي هارون، وكان هارونُ أكبرَ من موسى بسنةٍ وقيل بأكثرَ، فجاءت الأمُّ فقَبل ثديَها وكان لا يقبَل ثديَ مرضعةٍ غيرها، وهذا هو معنى ﴿ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ ﴾.

 

﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ﴾.. والمراد بقرَّةِ العين السرورُ برجوع ولدها إليها بعد أن طرَحَته في البحر وعظُم عليها فراقُه، ﴿ وَلا تَحْزَنَ ﴾؛ أي لا يحصل لها ما يكدّر ذلك السرور من الحزن بسببٍ من الأسباب، ولو أراد الحزن بالسبب الذي قرَّت عينُها بزواله لقدّم نفي الحزن على قرّة العين، فيحمل هذا النفي للحزن على ما يحصل بسببٍ يَطْرَأُ بعد ذلك، ويمكن أن يُقال إن الواوَ لمّا كانت لمُطلَق الجمْع كان هذا الحمْل غيرَ متعيِّن، وقيل المعنى: ولا تحزن أنت يا موسى بفقد إشفاقها، وهو تعسُّف.

 

﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً ﴾ المراد بالنفس هنا نفس القِبْطيّ الذي وكَزه موسى فقضى عليه، وكان قتله خطأً، ﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ ﴾ [طه: 40]؛ أي الغمِّ الحاصل معك من قتْلِه خوفًا من العقوبة الأُخروية أو الدنيوية أو منهما جميعًا، وقيل الغمُّ هو القتل بلغة قريش، وما أبعَد هذا.

 

﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ الفتنة تكون بمعنى المِحْنَة، وبمعنى الأمر الشاقِّ، وكلُّ ما يُبتلى به الإنسانُ، والفتون يجوزُ أن يكون مصدرًا كالثبور والشكور والكفور؛ أي ابتليناك ابتلاءً واختبرناك اختبارًا، ويجوز أن يكون جمع فِتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجور في حجرة وبدور في بدرة؛ أي خلَّصناك مرَّةً بعدَ مرة مما وقعتَ فيه من المحَن التي سبق ذكرُها قبل أن يصطفِيَه الله لرسالته، ولعل المقصودَ بذكر تنجيته من الغم الحاصل له بذلك السبب وتنجيته من المحن هو الامتنانُ عليه بصُنْع الله - سبحانَه - له وتقوية قلبه عند ملاقاة ما سيقَعُ له من ذلك مع فرعونَ وبني إسرائيل.

 

﴿ فلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ قال الفرّاء: تقديرُ الكلام وفتنَّاك فتونا فخرجت إلى أهل مدين فلبث سنين، ومثلُ هذا الحذْفِ كثيرٌ في التنـزيل، وكذا في كلام العرب؛ فإنهم يحذِفون كثيرا من الكلام إذا كان المعنى معروفًا، ومَدْيَنُ هي بلَد شُعَيب، وكانَت على ثماني مراحِلَ من مصر، هرَب إليها موسى فأقام بها عشرَ سنين، وهي أتمُّ الأجَلَين، وقيل أقام عند شعيبٍ[3] ثمانيَ وعشرين سنةً منها عشرٌ مهر امرأتِه ابنة شعيب، ومنها ثماني عشرة سنة بقي فيها عنده حتى وُلِد له، والفاء (في) ﴿ فَلَبِثْتَ ﴾ تدل على أن المراد بالمحن المذكورة هي ما كان قبلَ لبثه في أهل مدين.

 

﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾؛ أي في وقتٍ سبق في قضائي وقدَري أن أكلِّمك وأجعلَك نبِيًّا، أو على مقدارٍ من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة، أو على موعِدٍ قد عرَفتَه بإخبار شعيَبٍ لك به.. قال الشاعر:

نال الخلافَةَ إذ كانت له قدَرًا

كما أتى ربَّه موسى على قدَرِ

 

وكلمة (ثُمَّ) المفيدة للتراخي للدلالة على أن مجيئه - عليه السلام - كان بعد مدَّة، وذلك بسبب ما وقع له من ضلالِ الطريق وتفرُّق غنَمِه ونحو ذلك.

 

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ الاصطناع: اتخاذ الصّنْعة، وهي الخيْرُ تُسدِيه إلى إنسان، والمعنى اصطنعتُك لوحيِي ورسالتي لتتصرَّف على إرادتي، قال الزجّاجُ: تأويلُه اخترتُك لإقامة حجَّتي وجعلتُك بيني وبين خلْقي، وصِرت بالتبليغ عني بالمنـزلة التي أكون أنا بها لو خاطَبْتهم واحتججت عليهم، قيل: وهو تمثيلٌ لما خوَّله الله - سبحانَه - من الكرامة العُظمى بتقريب الملِك لبعض خواصِّه[4].

 

ــــــــــــــــــــــ

[1] منهجُ الطبري في تفسيره ليس على تأويل الأشاعرة، فهو هنا لم يقصد تأويل صفة المحبة بالرحمة، وإنما قصد أن المحبَّة التي من الله تعالى لموسى - عليه السلام - كانت بمعنى تحبيب الناس فيه - عليه السلام - رحمةً من الله تعالى به لصغَرِه وفقدانِه حنانَ أمه.

[2] أي: ليس هذا تعطيلا ولا تأويلا لصفة العين؛ لأن هذا تعبيرٌ عن العناية والاهتمام في لغة العرب، ومناسب لأساليبها.

[3] اختلف أهل التفسير في كون من استأجر موسى وزوَّجه ابنته نبي الله شعيبًا أو رجلا صالحا آخر، ومما يقوِّي الأوّل قولُه تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ [القصص: 45]؛ فقد ذكر الإرسال إلى أهل مدين، ومعروف أن نبيّهم شعيبٌ لا موسى -عليهما السلام- فإنه لم يكن أرسِل إليه بعد وهو في مدين، وهذه الآية جاءت وسط آياتٍ تتحدث عن موسى - عليه السلام - ولم تذكر غيره من الأنبياء، كما في السور التي ذكرت شعيبًا - عليه السلام -.

[4] انظر: "فتح القدير" (ج3 ص521-523) بتصرف واختصار.