نقِفُ اليوم -بعَوْن الله- على أنموذج من أنبياء الله - عليهم السلام- لنرى كيف ربّاه الكريم سبحانه وأدبه... وهو: يوسفَ الصدّيق - عليه السلام -: حكى القرآن الكريم قصة يوسف في السورة المسماة باسمه - عليه السلام - فأفاضَ فيها، ومما جاء في تلك السورة مما يتعلق بموضوع تربيته تعالى هذا النبيَّ الكريم..

 

1- في قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾... إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ الآيات [يوسف: 4-6].. أن ربه تعالى تعهَّده منذ أن كان طفلاً في كنَف أبيه النبي يعقوب - عليه السلام - وحسبُك بنبيٍّ يُوحى إليه مربِيًا ومؤدِّبًا؛ فقد أحبَّ يعقوبُ يوسفَ -عليهما السلام- لِما رأى عليه من علائم النِّعمة والنجابة وما ألقاه الله عليه من سيما الجمال، ونصح يعقوبُ لابنه بما يجب عليه إزاءَ هذه العلائم التي سماها نعمةً ورجَا أن يتمَّها الله عليهما. وكل هذا إنما هو فضل الكريم المنّان سبحانه؛ فهو الذي أولَد يوسفَ ليعقوب، وألقى في قلبِه محبَّته، وأرى يوسفَ هذه الرؤيا الصالحةَ، وألقى على لسان أبيه النصيحةَ له، وعلى رغْمَ أنها لم تمنع قَدَرَ الله على يوسف ولا ابتلاء الله إيّاه إلا أنها جعلته متوقِّعًا ما قد يجري وحسبُك بذلك مؤنسًا ومعينا على الصبر على البلاء.

 

2- أن في هذه النصيحة فوائدَ أخرى منها: أنها بُشرى بعزٍّ بعد ذُلّ؛ لأنه أمرٌ مشتَّت يجمعه الله من بعد، وتعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إيّاه غاية التعظيم، فيخرِّون له ساجدين إجلالاً واحترامًا، وإذًا فيوسف - عليه السلام - يُرَى المبشرات ومعَه والدُه النبي يعقوب - عليه السلام - يوجّهه، وكل هذا من تربية الله تعالى وإعداده إيَّاه للنبوة والاصطفاء.

 

3- وفي قوله تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [يوسف: 10]؛ أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمرًا لابد من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرَفَهم اللهُ عنه بمقالة أخيه روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في أسفل الجبِّ، يلتقطه بعض المارة من المسافرين؛ فتستريحوا منه بهذا ولا حاجةَ إلى قتله، إن كنتم عازمين على ما تقولون[1]. فانظر إلى حفظ الله تعالى له من القتل لِمَا ادَّخر له من النعمة!!

 

4- وفي قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 15] يقول تعالى -ذاكرًا لطفَه ورحمتَه وإنزالَه اليُسر في حال العسر-: إنه أوحَى إلى يوسفَ في ذلك الحال الضيّق تطيِيبًا لقلبه وتثبيتا له: إنك لا تحزن مما أنت فيه فإن لك من ذلك فرجًا ومخرجا حسَنًا، وسينصرك الله عليهم ويعليك ويرفع درجتَك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع[2]. وهكذا ابتُلِي يوسف - عليه السلام - منذ كان طفلاً صغيرا هذا البلاء الشديد فصبر، وابتلِيَ من إخوته أقرب الناس إليه، والشاعر يقول:

وظُلْم ذوي القربى أشدُّ مضَاضَةً على المرءِ من وقْعِ الحُسام المُهَنَّدِ

 

ثم الله تعالى هو من صبَّره وهو من أنجاه، والابتلاء أعظم تربيّة؛ لذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه»[3].

 

5- وقال تعالى في تنْجِيَتِه إيّاه مما حيك له - عليه السلام - : ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [يوسف: 19].

 

6- وقال في إحسانه إليه، وتمكينه له، وتعليمِه تأويل الأحاديث، وإيتائه الحُكم والعلم: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ (يوسف: 21-22).

 

7- وقال في عِصمَته إيَّاه من الفاحشة التي لا تليق بمثله - عليه السلام - : ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24]. ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ [يوسف: 24].

 

8- وقال في تبرئته - عليه السلام - من التهمة التي ابتلي بها: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ  * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ [يوسف: 26-29].

 

9- ثم نجاه الله تعالى وعصمه من فتنة النساء به وفتنته بهن فأُدخل السجن.. ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾ [يوسف: 33-35].

 

10- وعلَّمه ربه الإيمان والتوحيد فكان على دين آبائه الأنبياء الكرام إبراهيم وإسحاق ويعقوب.. ﴿ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ [يوسف: 37-38].

 

11- ثم أخرج من السجن مبرَّءًا من التهم، محظيًّا عند الملك، ممكَّنا له في الأرض.. ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾.. إلى قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ﴾ الآيات [يوسف: 54-56].

 

12- ثم جمع الله شمله بعد أن تفرّق؛ فجمع إخوته إليه، وأبيه وأمه، وخروا له سجدا كما رأى في الرؤيا وهو صبيّ.. ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100].

 

13- ثم وفّقه الله لهذا الدعاء الجامع يدعو به ربه.. ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101] لمَّا تمت نعمةُ الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته وما منَّ الله به عليه من النُّبُوَّة والمُلك، سألَ ربَّه - عليه السلام - أن يتوفَّاه مسلمًا حين يتوفاه، وأن يلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين -صلوات الله وسلامُه عليهم أجمعين.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: المصدر السابق (ج2 ص338) باختصار وتصرف.

[2] انظر: السابق (ج2 ص340).

[3] [صحيح] أخرجه الترمذي في الزهد (ح2398)، وابن ماجه في الفتن (ح4023)، والدارمي (2/412)، وابن حبان (7/160)، والحاكم (1/99). من طريق: عاصم بن بهدلة عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: «قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة».

•  قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم- سئل: أي الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم».