لا يظن ظانٌّ أن تربية الله تعالى عبيدَه الذين يحبُّهم وتأديبَه إيّاهم يبدأُ من مرحلةٍ ما عمرية أو يتوقَّف عند أخرى.. ذلك أن تربيته تعالى أحباءَه وتأديبه سبحانه إيَّاهم بدأَت منذ إرادته تعالى خلقَهم؛ فقد كرَّمهم وأحسنَ صورهم وعلمَّهم.

 

ثم إنَّه سبحانه لا يزال يكلأ عبادَه الأحبّة ويرعاهم منذ يُولدون؛ فيوفِّقَهم إلى أَن يولدوا لأبَوَيْن مسلميْن تقيَّين شريفين، ويوفِّقهم إلى أن يتعلموا على أيدي فقهاء علماء عاملين، ويصرِفُهم عن السوء ومواطن الإثم، ويضعُ في طريقهم الأصدقاء والأخلاَّء الدَّيِّنين، ويلقي في طريقهم الكتب النافعة، ويوقعُهم على الصفحات الأكثر خيرًا ليقرءوها، وإن كان هؤلاء الأحبَّة أنبياءً أوحى إليهم الهدى وعلَّمهم من لدنْه علمًا، وإن لم يكونوا أنبياء أوجدَهم في زمن الأنبياء وعرفَّهم بهم، ولربما أوجدهم في أماكنهم، ولربما جعلهم أصدقاء من قبل النبُوّة. ثم من لم يوجد في زمن الأنبياء أوجدَ اللهُ في حياته ما يعرفه بالنبي؛ كرجلٍ صالح أو كتاب نافع أو غير ذلك.

 

ثم في آخر حياة العبد المحبوب يحسِن الله تعالى خاتمتَه مهما عمِل من سوء.. نسأله - عز وجل - أن يحسن خاتمتَنا جميعًا.. آمين.

 

أ- تربية الربّ تعالى أحباءه:

فالتربية من رَبا الشيءُ يَرْبُو رُبُوّا ورِباءً: زاد ونما، وأَرْبَيْته: نَمَّيته، ورَبَا يَرْبُو من باب علا؛ إذا نشأ، ويتعدى بالتضعيف فيقال: رَبَّيْتُهُ فَتربَّى، ورَبَّاهُ تَرْبِيَةً وتَرَبَّاهُ أي غذاه، وهذا لكل ما ينمى كالولد والزرع ونحوه[1].

 

والتربية -رعاك الله- وثيقةُ الصلة بالربِّ تعالى؛ ذلك أن ربَّ كلِّ شيءٍ هو مربِّيه، وهي وثيقة الصلة بالربوبية وبتوحيد الربوبية؛ بل إن اللفظين «تربية» و«ربوبية» يعودان إلى أصلٍ واحد. وبحسب الرب تكون التربية، ألا ترى إلى قول القائل -حينما يزكِّي أحدَهم أو يذمُّه-: لقد ربّاه فلان؛ فإن كان هذا المربِّي صالحًا كان المربَّى صالحا، والعكس بالعكس.. قال الشاعر:

إذا كان ربُّ البيت بالدفِّ ضاربًا

فشيمة أهل البيت كلِّهِمُ الرَّقْصُ

 

وقد رأينا في زماننا هذا، وفي كل زمانٍ يرى الناسُ، أبناءَ العلماء يصبحون علماء، وأبناء الأمراء يصبحون أمراء، وأبناء القرّاء يصبحون قراء، وكذا في الجهة الأخرى فأبناء الممثلين ينشأون ممثلين، وبنت الراقِصة تنشأ راقصة، وبنت المومس تصبح مومسًا، وهذا من توفيق الله تعالى.. قال الشاعر:

وينشأُ ناشِئُ الفِتْيانِ منّا

على ما كانَ عوَّدَه أبُوهُ

 

مع أن هذه القاعدة لا تطَّرِد، بل هي على الأعم الأغلب؛ ليبقى الله سبحانَه يَهْدِي من يشاء ويُضل من يشاء، وحتى لا ييأس المبتَلى، ولا يرتكِن ذوو الأحساب إلى أحسابهم؛ كما في شأن نوحٍ وإبراهيم -عليهما السلام- فابن نوحٍ كان كافرا، وأبو إبراهيم كان كافرًا، لكن هذه شواذُّ القاعدة أما القاعدة نفسها فهي أن أبناء نوحٍ الآخرين كانوا مؤمنين، وأبناء إبراهيم كانوا أنبياء، ومعظم آباء وأمهات الأنبياء -عليهم السلام- كانوا صالحين. وأنجب إسحاق يعقوب، ويعقوب يوسف والأسباط، وأنجب داود سليمان، وزكريا يحيى، وعمران موسى وهارون، وعمران الآخر مريم، ومريم عيسى، وعمر عبد الله، وعليٌّ الحسنَ والحسين، والحسين عليًّا زين العابدين؛ فهذا إن لم يكن اطِّرادا إلا أنه الغالب، وقد أصبح هذا من بدَهِيَّات العقل حتى دعا الشذوذ في هذه القضية إلى العجَب؛ فتعجب أحد الشعراء من حدوثِه قائلا:

فموسى الذي ربَّاه جبريلُ كافِرٌ

وموسى الذي ربّاه فرعونُ مرسَلُ!

 

فإنَّ السامريَّ الذي صنع العجلَ لبني إسرائيل ليعبدُوه من دون الله كان اسمه موسى، وقيل إن الذي ربَّاه جبريل - عز وجل - وحُقَّ لهذا الشاعر أن يعجب؛ إذ لم يعلم أن الذي ربَّى موسى - عز وجل - حقيقةً هو الذي ربَّى محمدًا - صلى الله عليه وسلم-؛ ألا وهو ربُّ العالمين تعالى لا فرعون اللعين[2].

 

ويبيِّن الإمامُ القرطبي -رحمه الله تعالى- الصِّلَة بين «الربّ» تعالى والتربية فيقول: قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]؛ أي مالِكُهم، وكلُّ من ملك شيئًا فهو ربُّه، فالربُّ: المالك، وفي الصحاح: والربُّ اسمٌ من أسماء الله تعالى، ولا يقالُ في غيرِه إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملِك.. قال الحارث بن حِلِّزة:

وهُو الرَّبُّ والشهيدُ على يَو

م الحِيَارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ

 

والربُّ: السيِّد، ومنه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42]، وفي الحديث: «أن تَلِد الأمة ربَّتها»[3]؛ أي سيِّدتها.

 

والربُّ: المصلحُ والمدبِّر والجابِر والقائِم، قال الهروي وغيره: يُقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قدْ رَبّه يربُّه فهو ربٌّ له ورابٌّ، ومنه سمي الربانِيِّون لقيامِهم بالكتب، وفي الحديث: «هل لك من نعمة تربها عليه»[4]؛ أي تقوم بها وتصلحها.

 

والربُّ: المعبودُ، ومنه قول الشاعر:

أَرَبٌّ يبولُ الثعلبانِ برأسِه؟

لقدْ ذلَّ من بالت عليه الثعالِبُ

 

ويُقال على التكثير: ربَّاه ورببه وربته، حكاه النحاس، وفي الصحاح: وربَّ فلان ولده يربُّه ربًّا ورببه وترببه بمعنى؛ أي ربَّاه، والمربوب: المربَّى.. قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمَّل ذلك في القرآن كما في آخرِ آل عمران وسورة إبراهيم وغيرِهما، ولما يُشعِر به هذا الوصف من الصلة بين الربِّ والمربوب، مع ما يتضمَّنُه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال[5].

 

واختلف في اشتقاقِه فقيل: إنه مشتقٌّ من التربية؛ فالله - سبحانه وتعالى - مدبِّر لخلقه ومربيهم، ومنه قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23]؛ فسمَّى بنتَ الزوجة ربيبةً لتربية الزوج لها؛ فعلى أنَّه مدبِّر لخلقه ومربيهم يكون صفةَ فعل، وعلى أن الربَّ بمعنى المالك والسيِّد يكون صفة ذات.

 

ومتى أُدخِلت الألف واللام على ربّ اخْتصَّ اللهُ تعالى به؛ لأنها للعهد، وإن حُذِفتا منه صار مشترَكًا بين الله وبين عباده، فيقال: الله ربُّ العباد، وزيدٌ ربُّ الدار؛ فالله سبحانه ربُّ الأرباب يملك المالك والمملوك، وهو خالقُ ذلك ورازقُه، وكل ربٍّ سواه غير خالق ولا رازق، وكل مملوكٍ فمُمَلَّك بعد أن لم يكن ومنتزعٌ ذلك من يدِه، وإنما يملك شيئًا دون شيءٍ، وصفةُ الله تعالى مخالفةٌ لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين[6].

 

قال الحرّاني: والربوبيّة إقامة المربوب لما خلَق وأريد له، فربُّ كل شيءٍ مقيمُه بحسب ما أبداه وجوَّده، فربُّ المؤمنِ ربَّه ورباه للإيمان، وربُّ الكافر ربَّه ورباه للكُفْران، وربُّ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم- ربه ورباه للحمد، وربُّ العالمين ربّ كل عالم لما خلق له.. ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50]، فالرُّبوبيّة بيانٌ في كل رتبة بحسب ما أظهَرَتْه آية مربوبه من عرَف نفسه فقد عرف ربه[7].

 

وهكذا يكون من معاني اسم الربِّ ومن معاني الرُّبُوبِيّة التربية؛ أي تربية الربِّ تعالى خَلْقَه.

 

ب- تأديب الله تعالى أحبَّاءَه:

أَدَبْتُه أَدبًا: عَلَّمتُه رياضة النفس ومحاسن الأخلاق، والأَدَبُ يقع على كلِّ رياضةٍ محمودة يَتَخَرَّجُ بها الإنسان في فضيلةٍ من الفضائل، فَالأَدَبُ اسمٌ لذلك، والجمع آدَابٌ؛ مثل سبَب وأسباب[8].

 

وفي خبر «أدَّبَني ربِّي فأحسَن تأديبي»[9]، قال المناوي: أيْ علَّمني رياضةَ النفس ومحاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة، والأدب ما يحصل للنفس من الأخلاق الحسنة والعلوم المكتسَبة، وفي شرح النوابغ: هو ما يؤدِّي بالناس إلى المحامد؛ أي يدعوهم.. وقال بعضُهم: أدَّبَه بآداب العبودية وهذَّبه بمكارم أخلاق الربوبية، ولما أراد إرساله ليكون ظاهر عبوديته مرآةً للعالم كقوله: «صلُّوا كما رأيتموني أصلّي»، وباطِنُ حالِه مرآة للصادقين في متابعته وللصديقين في السَّيْر إليه ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ﴾ [آل عمران: 31].

 

وفي هذا من تعظيم شأن الأدَب ما لا يخفى، ومن ثَمَّ قالوا: الأدَب صورةُ العقل فصَوِّرْ عقلَك كيف شئت، وقالوا: الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والنسَب؛ لأنَّ من ساء أدبُه ضاع نسبه ومن ضلَ عقله ضل أصله، وقالوا: زَكِّ قلبَك بالأدب كما تُزكِّي النار بالحطب، وحُسْن الأدب يستر قبيح النسب.

 

وقال في «العوارف»: بالأدب يفهم العلم، وبالعلم يصلح العمل، وبالعمل تنال الحكمة، ولما ورد أبو حفصٍ النيسابوري العراق جاءَه الجُنَيد فرأى أصحابَه وقوفًا على رأسه يأتمرون بأمره فقال: أدَّبْت أصحابَك آدابَ الملوك. قال: لا، ولكن حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن[10].

 

ــــــــــــــــــــــــ

[1] راجع: «اللسان» (ج14 ص304) مادة (ر ب و)، و«المصباح المنير» (ج1 ص217)، و«مختار الصحاح» (ص267) مادة (ر ب و).

[2] سنأتي لقصة تربية الله موسى - عليه السلام - قريبا إن شاء الله.

[3] [متفَقٌ عليه] جزء من حديث جبريل المشهور؛ الذي أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -، والبخاري بنحوه من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه -، وقد سبق تخريجه.

[4] جزء من حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه -، وقد سبق تخريجه.

[5] اختُلف في اسم الله الأعظم، بين كونه لفظ الجلالة (الله)، أو في الاسمين ﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255] كما في آية الكرسي وأول آل عمران، أو في الأسماء الحسنى التي في آخر سورة الحشر، وغير ذلك.

[6] انظر: «تفسير القرطبي» (ج1 ص212) بتصرف واختصار.

[7] انظر: «فيض القدير» (ج1 ص224-225) مختصرا.

[8] انظر: «المصباح» (ج1 ص9) مادة (أ د ب) باختصار.

[9] [ضعيف] قال الزركشي: حديث «أدبني ربي فأحسن تأديبي» معناه صحيح لكنه لم يأت من طريق صحيح، وذكره ابن الجوزي في «الواهيات» عن علي، وقال السخاوي: ضعيف وإن اقتصر شيخنا -يعني ابن حجر العسقلاني- على الحكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه، وقال ابن تيمية: لا يعرف له سند ثابت.

• راجع: «اللآلي المنثورة في الأحاديث المشهورة» للزركشي (ص160)، و«فيض القدير» (1/224)، و«المقاصد الحسنة» للسخاوي (ح45)، و«كشف الخفاء» (1/72 ح164)، و«الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» للشوكاني (ص327 ح25).

[10] انظر: «فيض القدير» (ج1 ص224-225) مختصرا.