مما سبق - من مقالاتٍ - نرى أن أسباب تحصيل محبته تعالى عبادَه تتلخص فيما يلي:

السبب الأول: الإيمان بالله تعالى وحده، والصلاة على وقتها، وخلاصته:

1- كما أن الكفر والشرك أول موانع حصول محبة الله للعباد؛ فإن الإيمان بالله تعالى وحده أول أسباب تحيل محبته تعالى للعباد، وأنه أحب الأعمال إليه سبحانه، وذلك لأنه لا تصح الأعمال إلا بعد الإيمان؛ لحديث عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصلُ الرحم ويطعم المسكينَ فهل ذاك نافِعُه؟ قال: "لا ينفعُه، إنَّه لم يقل يومًا ربِّ اغفِرْ لِي خطيئتي يوم الدِّين"[1]، وغيره من النصوص في ذلك.

 

2- أن الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأول أسباب تحصيل محبَّته سبحانه؛ لدخولها في الإيمان دخولا أوليًّا لا ينفك عنه.

 

3- مما يلحق بهذا صلاة الجماعة في المساجد؛ خاصة المسجد الجامع، وبخاصة صلاتي الفجر والعشاء.

 

4- قول "آمين" بعد انتهاء الإمام من تلاوة الفاتحة.

 

5- وكذلك كثرة السجود لله تعالى، وسجود الشكر؛ خاصة عند نزول مصيبة.

 

6- قيام الليل، وهو أحب إليه سبحانه إذا كان مديمًا على ذلك، أو كان صاحب زوجٍ جميلةٍ وفرُش وثيرة، أو في سفر فهجع الرفاق وقام هو فصلى، أو كان ذلك ديدنَه وشأنَه في السراء والضراء والحضر والسفر، لا يتخلف ليلة عن القيام بين يدي ربه سبحانه يناجيه في جوف الليل الآخر. ثم صلاةُ الليل في السفَر؛ فإنها وإن كانت نافلةً في موطن رخصة دليل همة العابد وارتباط العبدِ بربه، ثم إنها عملُ خيرٍ ينبغي للمواظب عليه ألا يهجره في حضَرٍ ولا سفر، وإن أحبّ الأعمال إلى الله أدومُها، كما سيأتي في آخر هذا الباب.

 

السبب الثاني: صلة الأرحام وأخصها بر الوالدين، وخلاصته:

أن صلة الرحم من أسباب تحصيل محبته - سبحانه وتعالى - للواصل بظاهر نص الحديث، وأن قطعها من موانع حصول تلك المحبة بمفهوم مخالفة هذا الحديث، وما أوردنا من آياتٍ وأحاديث، وإن لم تصرح بلفظ المحبة، أدلةٌ صالحةٌ على ذلك.

 

وأن بر الوالدين أول المأمورات بعد توحيد الله تعالى، أو على الأكثر بعده وبعد الصلاة والزكاة.. قال سبحانه: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ [مريم: 31-32]، وأن عُقُوقَهما أول المحذورات بعد الشرك، وأن هذا البر هو السبب الثالث من أسباب تحصيل محبة الله - عز وجل - بعد الإيمان والصلاة على وقتها؛ وذلك بظاهر نص حديث عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه- المتفق عليه، الذي جمع فيه بين الصلاة على وقتها وبر الوالدين والجهاد، ثم إذا أضفنا حيث أحب الأعمال إيمان بالله يكون الإيمان بالله سابقا على الثلاثة التي تضمنها حديث ابن مسعود شرعا وعقلا؛ لأن ثلاثتها تأتي بعد الإيمان شرعا وعقلا.

 

فإن قلت: جعل الحديث الآخر صلة الرحم بعد الإيمان بالله مباشرة ولم يفصل بينهما لا بالصلاة ولا بغيرها، قلت: معلوم من جملة الشرع أن الصلاة التي جاءت قبل بر الوالدين في حديث ابن مسعود لا بد أن تسبق صلة الرحم لأنها سبقت بر الوالدين وهما أول ذوي الأرحام وأمسهم بالمسلم، عدا أدلة أخرى كثيرة.

 

السبب الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله تعالى، وخلاصته:

أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أبواب الخير في الدنيا والآخرة.. في خاصة نفس المسلم وعامة الأمة المسلمة، وأنه لذلك أحد أخطر أسباب تحصيل محبة الله عبادَه، وأن مرتبته في الأسباب هي الثالثة مع الجهاد في سبيل الله تعالى، وبعد الإيمان وصلة الأرحام، وأنه مناط التمكين للأمة في الأرض.

 

وأما الجهاد في سبيل الله فالواجب فيه يلي:

• اتباع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد.

 

• الإنفاق في الجهاد، وهو الجهاد بالمال.

 

• عدم الضعف والاستكانة والهوان أثناء اللقاء.

 

• الصبرُ في الجهاد وعليه فإنه من أعظم الصبر.

 

• دعاء الله سبحانه في الجهاد بالثبات والنصرة والمغفرة.

 

• التوكل على الله في أثناء الجهاد، وقبل الخروج إليه.

 

• الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين في الجهاد.

 

• عدم خشية لوم اللائمين حين يلومونه على الجهاد.

 

• الثبات في الجهاد.

 

• القتال ملتزمًا صفّ المؤمنين.

 

• الغزو بالفعل، أو على الأقلّ تحديث النفس به لمن لا يستطيعه.

 

• لُقيا العدوِّ مجاهدًا لا مرائيًا المسلمين ولا مواليًا للكافرين.

 

• الاحتساب في الخروج أنّه في سبيل الله وقطْعُ العلائق بغير ذلك.

 

• مقاتلة أعداء الله بالفعل بلا خوفٍ أو رهبة.

 

• الشهادة في سبيل الله.

 

• أمرُ الحاكم الجائر بالمعروف ونهيُه عن المنكر فإنه أفضل الجهاد.

 

• الكَلْمُ في سبيل الله حتى يقطر الدم وينـزف.

 

وبذا يكون الجهاد جامعًا لكل أسباب محبة اللهَ تعالى عبيدَه، من اتباعٍ وإحسانٍ وتقوى وإقساطٍ وتطهُّر وتوَّابيّة وصبرٍ وتوكُّل وذلّة على المؤمنين وعزة على الكافرين.. إلى آخر الأسباب كما سيأتي؛ إلا أن مرتبته في الأسباب الثالث بعد الصلاة لوقتها وبر الولدين؛ لظاهر نص الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود -رضى الله عنه.

 

وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزءٌ لا يتجزَّأ من الجهادِ، وأمرَ ونهي السلطان الجائر الظالم أفضل الجهاد؛ لأنه أفضل الأمر والنهي.

 

السبب الرابع: اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم- وحبه وحب آل بيته، وخلاصته:

• وجوب اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم- في الدين كله، وأن ذلك أول أسباب محبة الله تعالى المسلمين؛ بل لا يصح سبب إلا من بعد هذا الاتباع المصحوب بمحبة صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم.

 

• محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فاتباعه ليس اتباعَ مكرَه وكاره بل اتباع محب ومقبل.

 

• محبة أهل بيته - رضوان الله عليهم جميعًا - وخاصة من وردت فيهم الأحاديث ممن سبق ذكرهم، وكذلك جميع الصحابة الأخيار، بل جميع أولياء الله تعالى.

 

السبب الخامس: الإخلاص في العبادة (أداء الفرائض، التقرب إلى الله بالنوافل، إتيان العزائم في مواطنها والرخص في مواطنها، ترك المعاصي)، وخلاصته:

• أداء الفرائض التي افترضها الله تعالى على عباده باتباعٍ وإخلاص، وما يبدو على مؤدي الفرائض من آثارها؛ كأثر السجود في الوجه، وأثر الصوم على البدن، والنفقة على المال، والله أعلم.

 

• التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض، وتحرّي ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه أفضل من تطوَّع.

 

• الأخذ بالعزائم في مواطنها؛ فإنه مِن تقوى الله - عز وجل -، والأخذ بالرخص في مواطنها؛ فإنه من قبول إحسان المنعم سبحانه.

 

• ترك المعاصي.

 

• صلاة الليل في السفر؛ فإنها وإن كانت نافلةً في موطن رخصة دليلُ همة العابد وارتباط العبد بربه، ثم إنها عمل خير ينبغي للمواظب عليه ألا يهجره في حضر ولا سفر.

 

السبب السادس: التخلق بمكارم الأخلاق (الحياء والستر، الرفق، التقى مع الغنى مع الخفاء، البر والتقى والخفاء، الحلم والأناة، التحديث بالنعم وإبداؤها، الجمال، السماحة في البيع والشراء والقضاء)، وخلاصته:

• التخلق بمكارم الأخلاق كلها؛ فإنها رسالة الإسلام وتزكية النفوس.

 

• الرفق، وهو أول الأخلاق المحبوبة لله تعالى.

 

• الحلم والأناة، مع الحذر من الجبن، ومن التباس المفاهيم في هذا الزمن المملوء عيًّا.

 

• التماس الأعذار.

 

• العفو والصفح.

 

• التحديث بالنعم وإبداؤها؛ فإن ذلك من الشكر.

 

• التجمل، بالنظافة والطهارة، وبلا خيلاء أو إسراف.

 

• السماحة في البيع والشراء والقضاء، مع عدم ترك الحق لمن يطغيه ذلك.

 

• الحنيفية السمحة.

 

• الغيرة في الريبة.

 

• الخيلاء عند القتال وفي الصدقة.

 

• الغنى إذا اجتمع بالتقى مع الخفاء.

 

• البر والتقى والخفاء.

 

• الحياء والستر.

 

السبب السابع: الإحسان، وخلاصته:

• الإنفاق في وجوه الخير، وعلى رأسها الإنفاق في سبيل الله (الجهاد).

 

• كظم الغيظ.

 

• العفو عند المقدرة.

 

• اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، في القتال والعمل والقول جميعًا.

 

• عدم الضعف والتمارض.

 

• عدم الذلة والهوان.

 

• الصبر، وخاصة في الجهاد.

 

• الاستغفار من الصغائر والكبائر، والاستغفار حتى ولو ظنَّ الإنسانُ بنفسه الخير.

 

• الدعاء وسؤال الله الثبات والنصرة.

 

• المداومة على التقوى والإيمان والعمل الصالح.

 

السبب الثامن: التقوى، وخلاصته:

• التقوى بمعنى أداء الأمانة والوفاء بالعهد.

 

• التقوى بمعنى الوفاء بعهد المعاهدين من المشركين.

 

• الوفاء للأوفياء من دون الغادرين؛ لأن الله تعالى لا يمنع أخذ الحق لكن يمنع العدوان.

 

السبب التاسع: الإقساط، وخلاصته:

• في القضاء يجب الإقساط بين أهل الكتاب إن تحاكموا إلينا؛ وإلى المسلمين من باب أولى.

 

• في الحرب يجب الإقساط بين الطائفتين المسلمتين المقتتلتين، لا نميل مع أيِّهما بل نحق الحق ونبطل الباطل، وننصر الطائفة المظلومة على الطائفة الظالمة.

 

• في السلم يجب الإقساط إلى غير المقاتلين من المشركين وبرهم.

 

• الاعتدال في الدين والدنيا جميعًا؛ فمجرد العدل فضيلة ومكرمة يحبها الله تعالى ويحب صاحبها؛ لكن بشرط أن يكون مؤمنا مسلما.

 

السبب العاشر: التطهر، وخلاصته:

• التطهر من الأحداث الصغار ومن الكبائر على حد سواء، وسائر النجاسات.

 

• التطهر من الأخلاق الذميمة والشركيات والبدع.. إلخ.

 

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] أخرجه مسلم في الإيمان، باب/ الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل (ح214) من حديث عائشة رضي الله عنها.