فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى الله عبدالله وَعبدالرحمن"[1]، وعن أنسٍ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن والحارث"[2].

 

قال المناوي - رحمه الله تعالى -:

"أحب الأسماء" وفي رواية لمسلم "إن أحب أسمائكم"، ومنه يعلم أن المراد أسماء الآدميين، "إلى الله"؛ أي: أحب ما يسمى به العبد إليه، "عبدالله وعبدالرحمن"؛ لأنه لم يقع في القرآن عبد إلى اسم من أسمائه تعالى غيرهما، ولأنهما أصول الأسماء الحسنى من حيث المعنى؛ فكان كل منهما يشتمل على الكل، ولأنهما لم يسمِّ اللهَ بهما أحدٌ غيره.. وذكر المصنف أن اسم عبدالله أشرف من عبدالرحمن، فإنه تعالى ذكر الأول في حق الأنبياء والثاني في حق المؤمنين، وأن التسمي بعبدالرحمن في حق الأمة أولى انتهى، وما ذكره لا يصفو عن كدر؛ فقد قال بعض العلماء الشافعية: التسمي بعبدالله أفضل مطلقا؛ لأن البداءة به هنا؛ فتقديمه على غيره يؤذن بمزيد الاهتمام، وذهب إلى ذلك صاحب المطامح من المالكية؛ فجزم بأن عبدالله أفضل، وعلله بأن اسم الله هو قطب الأسماء، وهو العلم الذي يرجع إليه جميع الأسماء ولا يرجع هو إلى شيء، فلا اشتراك في التسمية به البتة، والرحمة قد يتصف بها الخلق؛ فعبدالله أخص في النسبة من عبدالرحمن؛ فالتسمي به أفضل وأحب إلى الله مطلقا، وزعم بعضهم أن هذه أحبية مخصوصة؛ لأنهم كانوا يسمون عبد الدار وعبد العزى؛ فكأنه قيل لهم أحب الأسماء المضافة إلى العبودية هذان لا مطلقا؛ لأن أحبها إليه محمد وأحمد إذ لا يختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلا الأفضل، رد بأن المفضول قد يؤثر لحكمة، وهي هنا الإيماء إلى حيازته مقام الحمد، وموافقته للحميد من أسمائه تعالى، على أن من أسمائه أيضا عبدالله كما في سورة الجن، وإنما سمى ابنه إبراهيم لبيان جواز التسمي بأسماء الأنبياء، وإحياء لاسم أبيه إبراهيم ومحبة فيه، وطلبا لاستعمال اسمه، وتكرره على لسانه، وإعلانا لشرف الخليل، وتذكيرا للأمة بمقامه الجليل، ولذلك ذهب بعضهم إلى أن أفضل الأسماء بعد ذينك إبراهيم؛ لكن قال ابن سبع: أفضلها بعدهما محمد وأحمد ثم إبراهيم[3].

 

وقال النووي - رحمه الله تعالى -:

قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأسماء إلى الله تعالى عبدالله وعبدالرحمن" ليس بمانع من التسمية بغيرهما[4].

 

خلاصة هذا السبب:

أن هذه الأسماء، خاصة الأوَّلَيْن منها، هي أحب الأسماء قاطبةً إلى الله تعالى، وإن لم يكن حاملها محبوبًا إليه تعالى، وإن كان غير حاملها أحب إليه تعالى من حاملها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أخرجه مسلم في كِتَاب الْآدَابِ، بَاب/ النَّهْيِ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ (ح3982) بإسناد "فيه عبد الله بن عمر العدوي وهو ضعيف الحديث"، لكن أخرجه الدارمي في "سننه" (2/204 ح2612) من حديث "مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا عَبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -" الحديث بإسناد متصل رجاله ثقات على شرط مسلم. وأخرجه أيضا أبو داود (ح4949)، والترمذي (2/136)، وابن ماجه (ح3828)، وأحمد (2/24)، والحاكم (4/274)، والبغوي (12/333)، والبيهقي (9/306) وغيرهم الجميع من حديث ابن عمر، لكن بعضها لا يخلو من مقال.

[2] [حسن] أخرجه ابن عدي في "الكامل" (1/282) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن وقتادة عن أنس به. قال ابن عدي: "وأحاديثه (أي إسماعيل) غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة إلا أنه ممن يكتب حديثه"، وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا "أحب الأسماء إلى الله ما سمي به له، والحارث وهمام، وأكذب الأسماء خالد ومالك، وأبغض الأسماء إلى الله ما سمي به لغيره، ويقظة ومرة والحباب وذلك اسم الشيطان" أخرجه ابن عدي (1/232) من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة... فذكره، وهو ضعيف، وآفته إبراهيم هذا. قال ابن عدي: "وهذا الحديث مع أحاديث سواها عن إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن أبي هريرة مما لم أذكره فكل ذلك غير محفوظ، ولم أر في أحاديثه أفحش منها.. ومع ضعفه يكتب حديثه وعندي أنه لا يجوز الاحتجاج بحديثه"، وشاهد آخر من حديث عبد الله بن جراد وله صحبة -كما قال البخاري وابن حبان- أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (3/1/35)، وقال: "في إسناده نظر". وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم 904) وفي "صحيح الجامع" (رقم 162).

[3] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص218-219).

[4] انظر: "شرح النووي على مسلم" (ج14 ص125-126).