1- المداومة على العمل الصالح:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سددوا وقاربوا، واعملوا أن لن يدخل أحدَكم عملُه الجنة، وأن أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ"[1].

 

قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -:

"أدومها وإن قل" فيه سؤال، وهو أن المسئول عنه أحب الأعمال، وظاهره السؤال عن ذات العمل؛ فلم يتطابقا، ويمكن أن يقال إن هذا السؤال وقع بعد قوله في الحديث الماضي في الصلاة وفي الحج وفي بر الوالدين؛ حيث أجاب بالصلاة ثم بالبر.. الخ، ثم ختم ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولا أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجرا؛ لكن ليس فيه مداومة... والحكمة في ذلك أن المديم للعمل يلازم الخدمة فيكثر التردد إلى باب الطاعة كل وقت ليجازي بالبر لكثرة تردده، فليس هو كمن لازم الخدمة مثلا ثم انقطع، وأيضا فالعامل إذا ترك العمل صار كالمعرض بعد الوصل؛ فيتعرض للذم والجفاء، ومن ثم ورد الوعيد في حق من حفظ القرآن ثم نسيه، والمراد بالعمل هنا الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات[2].

 

وقال المناوي - رحمه الله تعالى -:

"أحب الأعمال إلى الله"؛ أي عند الله، فإلى بمعنى عند، وقيل للتبيِّين؛ لأن إلى المتعلقة بما يفهم حبًّا أو بغضًا من فعل تعجب أو تفضيل معناها التبيين، كما ذكره ابن مالك وابن هشام. "أدومها"؛ أي أكثرها ثوابا أكثرها تتابعا ومواظبة، ولفظ رواية مسلم "ما دووم عليه" كذا هو في أكثر أصوله بواوين وفي بعضها بواو واحدة والصواب الأول... قلت: المراد بالدوام العرفي وهو قابل للكثرة أو القلة. "وإن قل" ذلك العمل المداوم عليه جدا؛ لأن النفس تألفه فيدوم بسببه الإقبال على الحق تقدس، ولأن تارك العمل بعد الشروع كالمعرض بعد الوصل، ولأن المواظب ملازم للخدمة وليس من لازم الباب كمن جد ثم انقطع عن الأعتاب... ولا أن المداوم يدوم له الإمداد من حضرة رب العباد، ولذلك شدد الصوفية النكير على ترك الأوراد، وفيه فضيلة الدوام على العمل، ورأفة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بأمته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة؛ لأن النفس فيه أنشط، وبه يحصل مقصود العمل وهو الحضور.. هذا عصارة ما قيل في توجيه الدوام في هذا المقام، وأقول: يحتمل أن يكون المراد بالدوام الترفق بالنفس وتدريبها في التعبد لئلا تضجر فيكون من قبيل "إن لجسدك عليك حقا" يقال: استدمت الأمر ترفقت به وتمهلت، واستدمت غريمي رفقت به[3].

 

2- الإكثار من العمل الصالح في عشر ذي الحجة:

فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر"، فقالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجلٌ خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجع من ذلك بشيء"[4]. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أيّام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد"[5].

 

قال المباركفوري:

"باب ما جاء في صيام العشر"؛ أي عشر ذي الحجة.. قوله: "ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - صائما في العشر قط"[6]، وفي رواية مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصم العشر.. قال النووي: قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر ها هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يُتَأوَّل؛ فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدا، لاسيما التاسع منها وهو يوم عرفة، وثبت في صحيح البخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه"، يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فيتأول قولها[7]: "لم يصم العشر" أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر والخميس" رواه أبو داود، وهذا لفظه وأحمد والنسائي وفي روايتهما وخميسين.. انتهى[8].

 

وقال الحافظ في "الفتح" في شرح حديث البخاري الذي ذكره النووي ما لفظه:

واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل. قال: ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صائما العشر قط"؛ لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته، كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضا.. انتهى[9].

 

وقال المباركفوري أيضًا:

"باب ما جاء في العمل في أيام العشر"؛ أي عشر ذي الحجة... قوله "ما من أيام" من زائدة "العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر"؛ أي العشر الأُوَل من ذي الحجة. وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" كذا في "الفتح"... كأنه قيل: ليس العمل في أيام سوى العشر أحب إلى الله من العمل في هذه العشر. قال ابن الملك: لأنها أيام زيارة بيت الله، والوقت إذا كان أفضل كان العمل الصالح فيه أفضل، وذكر السيد اختلف العلماء في هذه العشر والعشر الأخير من رمضان؛ فقال بعضهم: هذه العشر أفضل لهذا الحديث، وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم والقدْر، والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر؛ لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة وليلة القدر أفضل ليالي السنة؛ ولذا قال: "ما من أيام" ولم يقل من ليالٍ كذا في الأزهار، وكذا في المرقاة.

 

"ولا الجهاد في سبيل الله"؛ أي أفضل من ذلك، "إلا رجل"؛ أي إلا جهاد رجل، "لم يرجع من ذلك"؛ أي مما ذكر من نفسه وماله، "بشيءٍ"؛ أي صرف ماله ونفسه في سبيل الله؛ فيكون أفضل من العامل في أيام العشر أو مساويًا له[10].

 

وقال ابن حجر في "الفتح":

"والذي يظهر أنّ السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يأتي ذلك في غيره".

 

وقد ورد في فضل هذه الأيام العشر أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.. قال تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ (الفجر: 1-2).. قال الطبري - رحمه الله تعالى -: هي ليالي عشر ذي الحجة؛ لإجماع الحُجة من أهل التأويل عليه[11]، وقال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف: إنها عشر ذي الحجة.. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: وهو الصحيح[12]. وقال تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ (الحج: 28).. قال ابن كثير: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- الأيام المعلومات أيام العشر[13].

 

وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيّام، وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيّام جميعا، والمستحب الجهر بالتكبير لفعل عمر وابنه وأبي هريرة -رضي الله عنهم أجمعين- وحريٌّ بنا نحن المسلمين أن نحيي هذه السنة التي قد أضيعت في هذه الأزمان، وتكاد تنسى حتى من أهل الصلاح والخير -وللأسف- بخلاف ما كان عليه السلف الصالح، وفي صيغة التكبير عن الصحابة والتابعين: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا"، و"الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، والله أكبر، والله أكبر، ولله الحمد"، و"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد"[14].

 

خلاصة هذا السبب:

أن أحب الأعمال إلى الله تعالى هو أي عمل صالح يستطيعه المسلم ويداوم عليه.. كان صلاة أو صدقة أو صوما أو حجا أو برا أو جهادا أو ذكرا... الخ.

 

ولا إشكال بين حديث أحب الأعمال إلى الله أدومها وبين الأحاديث الأخرى التي تذكر أحب الأعمال إلى الله وتغاير بين هذه الأعمال؛ لأنه يمكن الجمع بينها بما جمع به العملماء مما سبق إيراده، وبأن أحب الأعمال إلى الله تعالى الصلاة على وقتها للمداوم عليها؛ فإن الصلاة أفضل أعمال الإسلام، ثم يليها بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله، ثم دوام ذكر الله ثم نفع المسلمين وإدخال السرور عليهم، وهكذا إلى آخر الأعمال المحبوبة عند الله، وكل بحسب طاقته واستطاعته؛ ولذا قال في أول هذا الحديث "سددوا وقاربوا"؛ فسددوا أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل... وقاربوا أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه[15]؛ أي لا يكلَف أحدكم من الأعمال إلا ما يطيق؛ ولذا في بعض روايات هذا الحديث "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون"[16].

 

والأعمال كما تكون أحبَّ إلى الله تعالى في نفسِها، فإن الأزمان وكذلك الأماكن تتفاضل في الأحبية مهما كان العمل؛ شريطة أن يكون عمل خير وبر مرضيًّا لله تعالى في نفسِه، وكلما جمع العمل بين هذه العناصر -كالصلاة مثلا- إذا كانت على وقتها وفي المسجد الحرام كانت أحبَّ إلى الله سبحانه من صلاةٍ نقص منها أحد هذه العناصر.

 

ــــــــــــــــــــــــ

[1] أخرجه البخاري في الرقاق، باب/ باب القصد والمداومة على العمل (ح6099)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب/ باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (ح2818)، وأحمد في "المسند" (ح25811) من حديث عائشة رضي الله عنها، وهذا لفظ المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/59)، وقال ألباني -في "صحيح الترهيب والترغيب" رقم (3174)-: "صحيح"، وقال: "رواه البخاري ومسلم".

[2] انظر: "فتح الباري" (ج11 ص299).

[3] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص165).

[4] [صحيح] سبق تخريجه.

[5] [صحيح الإسناد] أخرجه أحمد في "مسنده" (7/224)، والطبراني في "الكبير" (ح10962)، وصحّح الشيخ أحمد شاكر إسناده.

[6] أخرجه مسلم في كتاب الاعتكاف، باب/ صوم عشر ذي الحجة (ح1176)، وأبو داود في كتاب الصيام، باب/ في فطر العشر (ح2439)، والترمذي في الصوم (ح756) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[7] أي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-.

[8] انظر: "تحفة الأحوذي" (ج3 ص384-385).

[9] راجع : "المصدر السابق" (ج3 ص385).

[10] انظر: "السابق" (ج3 ص385-386) مختصرا.

[11] انظر: "تفسير الطبري" (ج7 ص514).

[12] انظر: "تفسير ابن كثير" (ج4 ص535).

[13] انظر: المصدر السابق (ج3 ص239).

[14] انظر: رسالة "فضل العشر الأول من ذي الحجة" للشيح محمد بن صالح العثيمين.

[15] انظر: "فتح الباري" (ج1 ص95).

[16] أخرجه البخاري في الرقاق، باب/ القصد والمداومة على العمل (ح6100).