عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحبّ إلى الله؟ وأيّ الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كُرْبَةً، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرد عنه جوعًا - وفي رواية جزَعًا - ولئن أمشي مع أخٍ لي في حاجةٍ أحبُّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا، في مسجدِ المدينة... ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يُثبتها له ثبَّت الله قدمه يوم تزول الأقدام"[1].

 

وقد ورد الشطر الأول من هذا الحديث مجزَّأ على حديثين في الجامع الصغير..

 

أولهما: "المؤمن يألَف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعُهم للناس" قال المناوي: قال الماوردي: بَيَّن به أن الإنسان لا يُصلِح حالَه إلا الألفة الجامعة؛ فإنه مقصودٌ بالأذية محسودٌ بالنعمة، فإذا لم يكن ألِفًا مألوفا تختطفه أيدي حاسديه، وتحكم فيه أهواء أعاديه؛ فلم تسلم له نعمةٌ ولم تصْفُ له مدة، وإذا كان ألِفًا مألوفا انتصر بالألف على أعاديه، وامتنع بهم من حسَّاده فسلمت نعمتُه منهم وصَفَت مودته بينهم، وإن كان صفو الزمان كدرًا ويسره عسرًا وسِلمه خطرا والعرب تقول: من قَلَّ ذلَّ[2].

 

وثاني الحديثين: "أحبُّ العباد إلى الله تعالى أنفعُهم لعياله"؛ أي لعيال اللهِ[3].. أما خبر "الخلق كلهم عيال الله وأحبُّهم إليه أنفعهم لعياله"[4] فضعيفٌ، وأما خبر "أحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للناس"[5]، والمراد من يُستطاع نفعه من الخلق الأهم فالأهم، أو المراد عيال الإنسان أنفسهم الذين يعولهم وتلزمه نفقتهم، والأوّل أقرب.. قال الماوردي ونظمه بعضُهم فقال:

الناس كلُّهم عيا

ل الله تحت ظلاله

فأحبهم طرًّا إليـ

ه أبرُّهم بعياله[6]

 

وإذًا فإن الله - بمقتضى هذا الحديث - يحب: من ينفع الناس، وكلما كان الإنسان أنفع للناس كان أحبَّ إلى الله سبحانه. وإدخالُ السرور على المسلم، وتفريج كربهم، وقضاء ديونهم عنهم، ودفع الجوع عنهم، والجزع؛ وهو الخوف والحزن.

 

خلاصة هذا السبب:

أن مما يحبُّه الله ويحبُّ فاعليه السعيُ في حاجة الناس؛ فإن نصوص الشريعة متظاهرةٌ على ذلك، حتى غدا بابَ خيرٍ عظيمًا تحتاجُه الأمة ويحتاجه الفرد؛ لكن - ياللحسرة - يكاد المسلمون يُقلِعون عنه بالكلية اليوم؛ فحسبنا الله ونعم الوكيل. وكذلك نفع الناس؛ خاصة المسلمين منهم. وإدخال السرور على قلب المسلم؛ سواء بسد دَينه أو دفع جوعه أو تفريج كربته.

 

ــــــــــــــــــــ

[1] [حسن] أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/453 ح1346)، و"الأوسط" (6/139 ح6126)، و"الصغير" (2/106 ح861) من طريق: عبدالرحمن بن قيس الضبي عن سكين بن سراج، عن عمرو بن دينار، عن عمر مرفوعًا، قال الطبراني في "الصغير": "لم يروه عن عمرو بن دينار إلا مسكين بن سراج، ويقال: ابن أبي سراج البصري، تفرد به عبدالرحمن بن قيس الضبي". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/191): "رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه مسكين بن سراج وهو ضعيف". ضعفه الألباني من هذا الوجه كما في "السلسلة الصحيحة" (906)؛ لكنه قال: "لكن قد جاء بإسناد خير من هذا، فرواه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" وأبو إسحاق المزكي في "الفوائد المنتخبة" ببعضه - وابن عساكر من طرق عن بكر بن خنيس عن عبدالله بن دينار عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- (كذا قال ابن أبي الدنيا، وقال الآخران: عن عبدالله بن عمر - قال: قيل يا رسول الله من أحب الناس إلى الله ..." وفيه الزيادة. قلت: وهذا إسناد حسن، فإن بكر بن خنيس صدوق له أغلاط كما قال الحافظ. وعبدالله بن دينار ثقة من رجال الشيخين. فثبت الحديث. والحمد لله تعالى".

[2] انظر: "فيض القدير" (ج6 ص253).

[3] عيال الله؛ أي المساكين الذين يَعُولهم الربُّ تبارك وتعالى؛ بمعنى أنه تعالى رازقُهم وكاسيهم وآويهم، لا أنهم أبناء الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا- هذا إذا كان الضمير في "عياله" عائدا على الله جل وعلا، وهو أضعف الوجهين لضعف حديث أبي يعلى "الناس كلّهم عيال الله"، والوجه الثاني أن يعود الضمير على الإنسان؛ أي أنفعهم لعيال نفسه، وهو أقوى الوجهين لصحة خبر "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".

[4] [ضعيف] أخرجه أبو يعلى (6/65)، وضعفه الألباني في "الضعيفة" (1900). وحسن الألباني حديث "أحب العباد إلى الله تعالى أنفعُهم لعياله" المرسل عن الحسن عند عبدالله بن أحمد بن حنبل في "زوائد الزهد". انظر: "صحيح الجامع" (ح172) و"الجامع الصغير وزيادته" (ح172).

[5] سبق تخريجه قريبا.

[6] انظر: "فيض القدير" (ج1 ص174) بتصرف كبير.