عن سهل بن سعد الساعديِّ - رضى الله عنه - أنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! دُلَّنِي على عمل إذا عملته أحبَّني اللهُ وأحبني الناسُ؛ فقال: "ازهد في الدنيا يحبَّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"[1].

 

أ- معنى الزهد في الدنيا:

قال الحافظ ابنُ رجب: ومعنى الزهد في الشيء الإعراض عنه لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمّة عنه، يقال: شيءٌ زهيدٌ أي قليل حقير، وقد تكلّم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا وتنوّعت عباراتهم عنه، وفي الحديث "والزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال؛ ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك"[2]، وقال أبو مسلمٍ الخولاني -رضى الله عنه-: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أُصِبت مصيبةً كنت أشد رجاءً لأجرها وذخرها من إيّاها لو بقيت لك [3]، وأن يكون مادحُك وذامُّك في الحق سواءً[4].

 

وقال المناوي:

ومعنى الزهد أن يملِك العبدُ شهوتَه وغضبه، وبذلك يصير العبد حرّا، وباستيلاء الشهوة يصير عبدا لبطنه وفرجه وسائر أغراضه؛ فيكون مسخَّرا كالبهيمة يجرُّه زمام الشهوة إلى حيث يريد، فما أعظم اغترار الإنسان! أيظن أنه ينال المال بمصيره مملوكًا، وينال الربوبية بأن يصير عبدا، ومثله هل يكون إلا معكوسًا في الدنيا منكوسا في الآخرة! ولهذا قال بعض الملوك لبعض الزهَّاد: هل لك حاجة؟ قال: كيف أطلب منك حاجتي وملكي أعظم من ملكك؟! قال: كيف؟ قال: من أنت عبدُه فهو عبدي، أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك وأنا ملكتُهم فهم عبيدي، فهذا هو المُلك في الدنيا وهو الجارُّ إلى ملك الآخرة، فالمخدوعون بالغرور خسروا الدنيا والآخرة [5].

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وصار المتأخِّرون كثيرا ما يقرنون بالفقر معنى الزهد، والزهد قد يكون مع الغنى وقد يكون مع الفقر؛ ففي الأنبياء والسابقين الأوَّلين ممن هو زاهد مع غناه كثير، والزهد المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركُه من الزهد المشروع[6].

 

ب- أقسامُ الزهدِ وأشكالُه:

قال ابن رجب - رحمه الله تعالى -:

ففسّر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحدٍ بالزهد؛ فإن الزهد في القلب...

 

أحدها: أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين وقُوِّته؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - ضمن أرزاق عباده وتكفَّل بها كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا ﴾ [هود: 6]، وقال تعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22]، وقال تعالى: ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ﴾ [العنكبوت: 17]. وقال الحسن: إن مِن ضَعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله - عز وجل -، وعن عليٍّ وابن مسعود قالا: إن أرجى ما يكون الرزق إذا قالوا ليس في الدنيا دقيق، وقال مسروق: إن أحسن ما أكون ظنًّا حين يقول الخادم ليس في البيت قَفِيزٌ من قمحٍ ولا درهم، وقال الإمام أحمد: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصْبِح وليس عندي شيءٌ، وقيل لأبي حازمٍ الزاهد: ما مالُك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر.. الثقة بالله واليأس مما في أيدي الناس، وقيل له: أما تخافُ الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! ودفع إلى عليِّ بن الموفق ورقة فقرأها فإذا فيها: يا عليّ بن الموفق أتخاف الفقر وأنا ربُّك؟ وقال الفضيل بن عياض: أصل الزهد الرضا عن الله - عز وجل -، وقال: القنوع هو الزاهد وهو الغنيّ؛ فمن حقق اليقين وثِقَ بالله في أموره كلها ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاءً وخوفًا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقةً وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له شيء من الدنيا؛ كما قال عمار -رضى الله عنه-: كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنىً، وكفى بالعبادة شغلا، وقال ابن مسعود -رضى الله عنه-: اليقين أن لا تُرضي الناس بسخط الله ولا تحسد أحدًا على رزق الله ولا تلوم أحدًا على ما لم يؤتِك الله؛ فإنَّ رزق الله لا يسوقه حرصُ حريص ولا يرده كراهِيَة كاره؛ فإن الله تعالى بقسطه وعلمه وحكمته جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في السخط والشك، وفي حديثٍ مرسل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ولسانًا صادقا حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقا قسمته لي، ورضِّني من العيش بما قسمته لي"[7]، وكان عطاءٌ الخُراساني -رحمه الله تعالى- لا يقوم من مجلسه حتى يقول: اللهم هب لنا يقينا منك حتى تهوّن علينا مصائب الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت علينا، ولا يصيبنا من الرزق إلا ما قسمت لنا، وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا قال: "من سرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدَيْ اللهِ أوثق منه بما في يده"[8].

 

والثاني: أن يكونَ العبدُ إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذَهاب مالٍ أو ولد أو غير ذلك أرغبَ في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له، وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين، وقد رُوي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغُنا به جنَّتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا"[9]. وهو من علامات الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها؛ كما قال علي بن أبي طالب -رضى الله عنه-: من زهد الدنيا هانَت عليه المصيبات.

 

والثالث: أن يستوي عند العبد حامِدُه وذامُّه في الحق، وهذه من علامات الزهد في الدنيا واحتقارها وقلة الرغبة فيها؛ فإنَّ من عظمت الدنيا عنده اختار المدح وكره الذم، فربما حمله ذلك على ترك كثيرٍ من الحق خشية الذم، وعلى فعل كثير من الباطل رجاءَ المدح؛ فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق دل على سقوط منـزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبَّة الحق وما فيه رضا مولاه؛ كما قال ابن مسعود - رضى الله عنه -: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله، وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم[10].

 

جـ- درجات الزهد:

ومن الزهد أيضًا الزهد في الرئاسة والمحاسنة والمحادثة والمعاشرة، وأول الزهد الزهد في الحرام، ثم الزهد في المباح، وأعلى مراتب الزهد أن تزهَد في الفضول، والفضول كلُّ ما لك عنه غنى، فكأنك تزهد في كل شيء إلا فيما أمرك الله أو فيما ندبك إليه مما يقربك إليه أو ما لابد منه، وكل ما كان سوى ذلك فهو من الفضول، وهو ترك ما لا يُغني. وقال قومٌ: النار كهذه الأشياء وإن كان يحبها ويريدها إذا تركها مجاهدًا لنفسه صابرًا عنها إنه زاهد، وقال آخرون: لا يسمى زاهدا حتى يكون مع تركه لها غير مريدٍ لها، وذلك خروج قدْرها من القلب. واختلفوا إذا خرج قدرها من القلب ولم تحبّها النفس فتتناول منها شيئًا على جهة المباح؛ فقال قومٌ: قد تم زهده بخروج قدرها من قلبه وإن تناول منها، وقال آخرون: إذا خرج قدرها فتناول منها شيئًا فهو ناقص إلا أن يكون المتناول منها يعين على طاعة أو ما لابد منه مما لو تركه لم يأمن نفسه الخروج إلى غيره؛ مثل من يكف به طبعه وبشريته من الغذاء والنوم واللباس والنساء، إذ كانت البشرية مطبوعةً على ذلك، وإنما المذموم أن يتعاطى الإنسانُ الزيادة على ما يحتاج إليه من ذلك بعد تسكين البشرية متلذِّذًا متمتعًا وإن كان مباحا، وقال آخرون: لا يكون خارجًا من الزهد من يتناول مباحًا كما لا يكون زاهدًا من تناول محظورًا، وقال آخرون: كل ما يتناوله أو يدخل فيه لابد من أن يكون محرَّما منهيًّا عنه أو محلَّلا مأمورا به أو مباحًا مسكوتًا عنه، فأما الحرام فلا معنى للكلام فيه، وأما الحلال والمباح فلا يدخل فيه إلا بنيَّة، ولا تخلو النية من أن تكون محصورةً يراد بها الطاعة أو مذمومة تؤول إلى المعصية أو مسكوتًا عنها، فمن دخل الأشياء بلا نية لم يطلق عليه اسم حمدٍ ولا ذم، وما دخل فيها بنية رد إلى نيته، وقد قال قوم: إذا دخل بلا نية فهو ناقص لأنه عبد مأمور منهيٌّ، فكل ما دخل فيه مما لا يوافق أمرًا ولا نهيا فهو فضول لا يغني وتركه أفضل، وإن كان تركه أفضل فتناوله أنقص[11].

 

د- من أقوال السلَف في الزهد:

قال ابنُ رجب:

وقد رُوي عن السلف عباراتٌ أخر في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما تقدَّم؛ كقول الحسن: الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال هو أفضل مني، وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها؛ ولهذا يقال: الزاهد في الرياسة أشدّ منه في الذهب والفضة؛ فمن أخرج من قلبه حبَّ الرياسة في الدنيا والترفُّع فيها على الناس فهو الزاهد حقًّا، وهذا هو الذي يستوي عنده حامدُه وذامه في الحق.

 

وكقول وهب بن الورد - رحمه الله تعالى -:

والزهد في الدنيا أن لا تأسى على ما فات منها ولا تفرح بما آتاك منها. قال ابن السماك - رحمه الله تعالى -: هذا هو الزاهد المبرز في زهده، وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إقبالها وإدبارها وزيادتها ونقصها، وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق.

 

وسئل بعضُهم - أظنه الإمام أحمد - عمن معه مالٌ هل يكون زاهدًا؟ قال: إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه فهو زاهد، أو كما قال.

 

وسئل الزهريُّ عن الزاهد:

فقال من لم يغلب الحرام صبره ولم يشغل الحلال شكره، وهذا قريب مما قبله؛ فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدَر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال لم يشغله عن الشكر بل قام بشكر الله عليه.

 

وقال أحمد بن الحواري - رحمه الله تعالى -:

قلت لسفيان بن عيينة: من الزاهد في الدنيا؟ قال: من إذا أُنْعِم عليه شكر وإذا ابتُلِي صبر، فقلت: يا أبا محمد الذي قد أنعم عليه فشكر وإذا ابتلي فصبر وحبس النعمة كيف يكون زاهدا؟ فقال: اسكت، من لم تمنعه النعماء من الشكر ولا البلوى من الصبر فذلك الزاهد.

 

وقال ربيعة:

رأس الزهادة جمع الأشياء بحقّها ووضعها في حقها.

 

وقال سفيان الثوري - رحمه الله تعالى -:

الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء. وقال: وكان من دعائهم "اللهم زهِّدنا في الدنيا ووسع علينا منها ولا تردها عنا فترغبنا فيها".

 

ولهذا قال الإمامُ أحمد:

الزهد في الدنيا قصر الأمل. وقال مرة: قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس. ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبَّة الله -سبحانه وتعالى-[12] ولقائه والخروج من الدنيا، وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها؛ فمن قصُر أمله فقد كره البقاء في الدنيا، وهذا نهاية الزهد فيها والإعراض عنها، واستدل ابن عيينة لهذا بقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 94] إلى قوله ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ [البقرة: 96] الآية[13].

 

أولاً: الزهد في الدنيا سبب لمحبَّة الله تعالى عبدَه:

قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"[14].

 

قال الإمام النووي: اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حثَّ على التقلُّل من الدنيا والزهد فيها، وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"[15]... وفي حديث آخر "إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه في الدنيا والآخرة، والراغب في الدنيا يتعب قلبه في الدنيا والآخرة"[16]. واعلم أن من في الدنيا ضيفٌ وما في يده عاريَّة، وأن الضيف مرتحل والعارية مردودة والدنيا عرَض حاضرٌ يأكل منها البرُّ والفاجر، وهي مُبغضة لأولياء الله محببة لأهلها؛ فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه. وقد أرشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السائل إلى تركها بالزهد فيها، ووعد على ذلك حبَّ الله تعالى، وهو رضاه عنه؛ فإن حب الله تعالى لعباده رضاه عنهم[17]، وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبّة الناس له، وترك حب الدنيا؛ فإنه ليس في أيدي الناس شيءٌ يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا الدنيا. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغِمة، ومن كانت الدنيا همه شتت الله شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قدِّر له"[18]، السعيد من اختار باقيةً يدوم نعيمها على باليةٍ لا ينفد عذابه[19].

 

ثانيًا: الاحتراف لكسب القوت:

عن المقدام بن معدي كرب -رضى الله عنه- أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما أكل أحد منكم طعامًا أحبَّ إلى الله - عز وجل - من عمل يديه"[20].

 

قال الحافظ - رحمه الله تعالى -:

قوله: "ما أكل أحد" زاد الإسماعيلي "من بني آدم". قوله: "طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده" في رواية الإسماعيلي "خير" بالرفع وهو جائز، وفي رواية له من "كد يديه"، والمراد بالخيرية ما يستلزم العمل باليد من الغنى عن الناس، ولابن ماجة من طريق عمر بن سعد عن خالد بن معدان عنه "ما كسب الرجل أطيب من عمل يديه"، ولابن المنذر من هذا الوجه "ما أكل رجل طعامًا قط أحل من عمل يديه"، وفي فوائد هشام بن عمار عن بقية حدثني عمر بن سعد بهذا الإسناد مثل حديث الباب، وزاد "من بات كالاًّ من عمله بات مغفورًا له"، وللنسائي من حديث عائشة أن "أطيب ما أكل الرجل من كسبه"، وفي الباب من حديث سعيد بن عمير عن عمه عند الحاكم ومن حديث رافع بن خديج عند أحمد ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود. قوله "وأن داود.. الخ" في رواية الإسماعيلي بحذف الواو، وفي روايته "من كسب يده". قوله "لا يأكل إلا من عمل يده"، وهو صريح في الحصر بخلاف الذي قبله، وحديث أبي هريرة هذا طرف من حديث سيأتي في ترجمة داود من أحاديث الأنبياء... وفي الحديث فضل العمل باليد وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره، والحكمة في تخصيص داود بالذكر أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله تعالى، وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل؛ ولهذا أورد النبي - صلى الله عليه وسلم - قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد، وهذا بعد تقرير أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولاسيما إذا ورد في شرعنا مدحه وتحسينه، مع عموم قوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: 90]، وفي الحديث أن التكسب لا يقدح في التوكل، وأن ذكر الشيء بدليله أوقع في نفس سامعه[21].

 

وقد ورد في أحاديث أن الله تعالى يحب عبده المحترف إلا أنها ضعيفة، وهذا الذي معنا في نفس المعنى، والمحترف هو مَن يعتاش مِن حرفةٍ أي من عمل يده، وهو أشرف الكسب وأحله؛ غير أن كثيرين من أهل زماننا يحتقرانه وهو جهلٌ بهم، وتراهم يُحَبِّذون الجلوس إلى المكاتب ويصدرون الأوامر للمحترفين والعمال بما يحمل نبرة التعالي عليهم، ولو فقهوا في دينهم لعلموا أن المحترف خير وأحب إلى الله تعالى من غير المحترف.

 

خلاصة هذا السبب:

أن الزهد في الدنيا على الطريقة السنيّة السلفيّة، وهي طريقة الأنبياء - عليهم السلام - والصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم جميعا - مما يحبِّب الله في عباده؛ إذ من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، ومحبة الله خير من الدنيا وما فيها، والزاهدون على هذه الطريقة الصحيحة تركوا دنياهم كلّها لله، فنسأله تعالى أن يعوِّضنا وإياهم خيرا منها.

 

ومن تمام الزهد في الدنيا الاحتراف لكسب القوت؛ لأن الزاهد غير العالة الذي يتكفف الناس، وليس المتعالي عليهم بالمنصب والجاه والمال، فإذا كان لابد للزاهد من المأكل والمشرب والملبس وما شابه فخير ما يكسب منه ذلك عمل يده.

 

ــــــــــــــــــــــــ

[1] [حسن] أخرجه ابن ماجه (4102)، والعقيلي في "الضعفاء" (2/11)، والطبراني في "الكبير" (5972)، وابن عدي في "الكامل" (3/458)، والحاكم (4/313)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/252-253 و7/36)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (643)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (10523) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي - رضى الله عنه -، فذكره مرفوعًا. قال النووي في "الأربعين" (ح31): "حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة". لكن تعقبه ابن رجب في "شرحه للأربعين" وقال: وفيه نظر، ثم بين ما في الحديث من نقد إسنادي معتبر وإن كان المعني حسنا.

[2] [صحيح موقوف] أخرجه الترمذي في الزهد (ح2340)، وابن ماجه في الزهد (ح4100)، من رواية عمرو بن واقد عن يونس بن حليس عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن واقد منكر الحديث، قال ابن رجب: "قلت الصحيح وقفُه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد". يعني الصحيح أنه من كلام أبي إدريس الخولاني.

[3] أخرجه أحمد في "الزهد" (96). وانظر "جامع العلوم والحكم" (ص289) بتصرف.

[4] انظر: "جامع العلوم والحكم" (ص289) بتصرف، ط1 دار المعرفة - بيروت 1408.

[5] انظر: "فيض القدير" (ج5 ص3-4).

[6] انظر: "مجموع الفتاوى" (ج11 ص28).

[7] أخرجه ابن أبي الدنيا في "اليقين" (ص112).

[8] [مرسل] هو جزء من حديث طويل أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (3/218-219)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (367 و368) من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-.

[9] [حسن] أخرجه الترمذي (ح3502)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (ح402)، والحاكم (1/528)، من حديث عبد الله بن عمر، به، وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه".

[10] [صحيح موقوف] أخرجه هناد بن السري في "الزهد" (ح530)، والبيهقي في "الأربعين الصغري" (ح47)، وابن الأعرابي في "معجمه" (1448) جميعًا عن عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه، وانظر: "جامع العلوم والحكم" (ص289-291).

[11] انظر: "الزهد وصفة الزاهدين" لابن الأعرابي تحقيق مجدي فتحي السيد ط1 دار الصحابة للتراث - طنطا.

[12] ليس فيما حصرنا من نصوص الشرع ما يدل لذلك؛ إلا أن يكون مستنبطًا من بعضها كحديث "من أحب لقاء الله".

[13] انظر: "جامع العلوم والحكم" (ص291).

[14] [صحيح] سبق تخريجه.

[15] أخرجه البخاري في الرقاق (ح6053)، والترمذي (2333)، وابن ماجه (4114) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[16] لم أقف عليه.

[17] هذا تأويل لصفة المحبة، وليست كما قال.

[18] [رجاله ثقات] أخرجه ابن ماجه (4105)، وأحمد في "المسند" (5/183)، والطبراني في "الكبير" (11/266). قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/56): "رواه ابن ماجه ورواته ثقات، والطبراني". وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (4/212 ح3541): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة بنحوه، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في "صحيحه" بنحوه، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبان بن عثمان عن زيد بن ثابت، وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الترمذي في الجامع وابن ماجه".

[19] انظر: "شرح الأربعين النووية" (ص80)، وحذفنا الحديث الموضوع "حب الدنيا رأس كل خطيئة".

[20] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب/ كسب الرجل وعمله بيده (ح1966)، بلفظ "خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود - عليه السلام - كان يأكل من عمل يده"، وأخرجه أحمد في "المسند" (ح17220)، والطبراني في "مسند الشاميين" (2/168 ح1123)، بلفظ "أحب إلى الله"، وقال شعيب الأرناؤوط في حديث أحمد: "حديث صحيح".

[21] انظر: "فتح الباري" (ج4 ص306).