عن الحسين بن علي - رضي الله عنهما - مرفوعًا: "إن الله كريمٌ يحبُّ الكرم ويحبُّ معالي الأمور"[1].

 

قال المناوي - في شرح صيغة الحديث التي أوردها السيوطي في "الجامع الصغير" -: "معالي الأمور وأشرافها"، وهي الأخلاق الشرعية والخصال الدينية لا الأمور الدنيوية؛ فإن العلوّ فيها نزول.. فمن اتصف من عبيده بالأخلاق الزكيّة أحبَّه ومن تحلى بالأوصاف الرديئة كرهه، وشرف النفس صونها عن الرذائل والدنايا والمطامع القاطعة لأعناق الرجال، فيربأ بنفسه أن يلقيها في ذلك، وليس المراد به التِّيه فإنه يتولد من أمرين خبيثين؛ إعجاب بنفسه وازدراء بغيره، والأول يتولد بين خلقين كريمتين؛ إعزاز النفس وإكرامها وتعظيم مالكها، فيتولد من ذلك شرَفُ النفس وصيانتها، وقد خلق - سبحانه وتعالى - لكلٍّ من القسمين أهلاً لما مر أن بني آدم تابعون للتربة التي خلقَهم منها، فالتربة الطيبة نفوسُها عليّة كريمة مطبوعة على الجود والسعة واللين والرفق لا كزازة ولا يبوسة فيها، فالتربة الخبيثة نفوسها التي خلقت منها مطبوعة على الشقوة والصعوبة والشح والحقد وما أشبهه[2]. وعُلِم مما تقرَّر أن العبد إنما يكون في صفات الإنسانية التي فارق بها غيره من الحيوان والنبات والجماد بارتقائه عن صفاتها إلى معالي الأمور وأشرافها التي هي صفات الملائكة، فحينئذ ترفع همته إلى العالم الرضواني وتنساق إلى الملأ الروحاني. وقال بعض الحكماء: بالهمم العالية والقرائح الزكية تصفو القلوب إلى نسيم العقل الروحاني وترقى في ملكوت الضياء والقدرة الخفية عن الأبصار المحيطة بالأنظار، وترتع في رياض الألباب المصفاة من الأدناس، وبالأفكار تصفو كدر الأخلاق المحيطة بأقطار الهياكل الجسمانية، فعند الصفو ومفارقة الكدر تعيش الأرواح التي لا يصل إليها انحلال ولا اضمحلال[3].

 

وقال ماجد الحموي - معلقا على كلام المناوي السابق -:

والإنسان يضارِع الملك بقوة الفكر والتمييز ويضارع البهيمة بالشهوة والدناءة، فمن صرف هِمَّته إلى اكتساب معالي الأخلاق أحبَّه الله فحقيقٌ أن يلتحق بالملائكة لطهارة أخلاقه، ومن صرفها إلى السفساف ورذائل الأخلاق التحق بالبهائم؛ فيصير إما ضاريًا ككلبٍ، أو شرها كخنـزير، أو حقودا كجمل، أو متكبِّرا كنمر، أو روّاغا كثعلب، أو جامعا لذلك كشيطان[4].

 

خلاصة هذا السبب:

أن على المسلم أن يكون محترِمًا لعمره مقدِّرا له، فلا يضيّعه في الهذر والخوض واللعب؛ فإنه خُلِق للعبادة ولعمارة الأرض، فخليق أن يكون ماجدًا مكرَّما كما كرَّمه الله.

 

ومن لا يُكَرِّم نفسَه لا يُكَرَّمِ

 

والهاذر اللاعب لا يكرم نفسه بل هو يهينها، ثم هو يوبِقُها؛ لأنه مسؤول من الله عن عمره وقوله وعمله، وفقنا الله وإيّاك لما يحب ويرضى.

 

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] [حسن] هذا الحديث روي من طرق كثيرة منها: (سهل بن سعد الساعدي، طلحة بن عبيدالله بن كَريز، الحسين بن علي، جابر بن عبدالله، سعد بن أبي وقاص)؛ إلا أن الطرق التي وقفتُ عليها متكلم فيها، والحديث له شواهد كثيرة تشهد لصحة معناه. وقد تقدم تخريجه في أول الكتاب وذكر تخريجات طرقه.

[2] لا دليل على افتراق الناس في التربة التي خلقوا منها، بل العكس صحيح؛ لنصوص منها الحديث الصحيح "الناس لآدم وآدم من تراب"، وأمر افتراقهم في التربة أقرب إلى الأساطير اليونانية منه إلى الواقع والحقيقة، والرأي أن الأمر أمر روحٍ لا أمر بدن، والتربة متعلقةٌ بالبدن لا بالروح.

[3] انظر: "فيض القدير" (ج2 ص295-296).

[4] انظر: المصدر السابق، نفس الموضع.