1- ففي سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) فعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِ فَيَخْتِمُ بِـ ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ". فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ"[1].

 

قال الحافظ -رحمه الله تعالى-:

قوله: "فيختم بقل هو الله أحد" قال ابن دقيق العيد: هذا يدل على أنه كان يقرأ بغيرها ثم يقرأها في كل ركعة وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الأخيرة، وعلى الأول فيؤخذ منه جواز الجمع بين سورتين في ركعة.. انتهى.. قوله: "لأنها صفة الرحمن" قال ابن التين: إنما قال إنها صفة الرحمن لأن فيها أسماءه وصفاته، وأسماؤه مشتقة من صفاته. وقال غيره: يحتمل أن يكون الصحابي المذكور قال ذلك مستندا لشيء سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إما بطريق النصوصية، وإما بطريق الاستنباط.

 

قال البيهقي:

ولا يجوز وصفه تعالى إلا بما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة أو أجمع عليه، ثم من صفات الله تعالى ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام من صفات ذاته، وكالخلق والرزق والإحياء والإماتة والعفو والعقوبة من صفات فعله، ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة كالوجه واليد والعين من صفات ذاته، وكالاستواء والنزول والمجيء من صفات فعله، فيجوز إثبات هذه الصفات له لثبوت الخبر بها على وجه ينفي عنه التشبيه[2].

 

وقال القرطبي في "المفهم":

اشتملت ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال؛ وهما الأحد والصمد؛ فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال؛ فإن الواحد والأحد وإن رجعا إلى أصل واحد فقد افترقا استعمالاً وعرفا؛ فالوحدة راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه والأحد يثبت مدلوله ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا يستعملونه في النفي ويستعملون الواحد في الإثبات، يقال: ما رأيت أحدًا ورأيت واحدًا؛ فالأحد في أسماء الله تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره، وأما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال؛ لأن معناه الذي انتهى سؤدده؛ بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها، وهو لا يتم حقيقة إلا لله.

 

قال ابن دقيق العيد:

قوله "لأنها صفة الرحمن" يحتمل أن يكون مراده أن فيها ذكر صفة الرحمن؛ كما لو ذكر وصف؛ فعبر عن الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن نفس الوصف، ويحتمل غير ذلك؛ إلا أنه لا يختص ذلك بهذه السورة؛ لكن لعل تخصيصها بذلك لأنه ليس فيها إلا صفات الله سبحانه وتعالى؛ فاختصت بذلك دون غيرها.

 

قوله: "أخبروه أن الله يحبه" قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون سبب محبة الله له محبته لهذه السورة، ويحتمل أن يكون لما دل عليه كلامه؛ لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده.. والتحقيق أن الاستقامة ثمرة المحبة، وحقيقة المحبة له ميلهم إليه لاستحقاقه سبحانه المحبة من جميع وجوهها انتهى[3].

 

2- وفي سورة الفلق قال عقبة بن عامر - رضى الله عنه -: تعلقت بقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله! أقرئني سورةَ هود وسورة يوسُف؛ فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عقبة بنَ عامرٍ إنك لم تقرأ سورةً أحبَّ إلى الله - عز وجل - ولا أبلغَ عنده من قل أعوذ برب الفلق"، قال يزيد: لم يكن أبو عمران يدعها، وكان لا يزال يقرؤها في صلاة المغرب[4].

 

قال الإمام المنذري:

عن عقبة بن عامر - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن؛ قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس" رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود، ولفظه قال: "كنت أقود برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر؛ فقال: يا عقبة! ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؛ فعلمني قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس" فذكر الحديث، وفي رواية لأبي داود قال: "بينما أنا أسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس، ويقول: يا عقبة! تعوَّذْ بهما، فما تعوَّذَ متعوِّذٌ بمثلهما"، قال: "وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة"، ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه: "قلت يا رسول الله! أقرئني آيًا من سورة هود وآيًا من سورة يوسف، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا عقبة بن عامر إنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ عنده من أن تقرأ قل أعوذ برب الفلق، فإن استطعت أن لا تفوتك في الصلاة فافعل"، ورواه الحاكم بنحو هذه، وقال: صحيح الإسناد وليس عندهما ذكر قل أعوذ برب الناس، وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقرأ يا جابر" فقلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال: "قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس"، فقرأتهما، فقال: "اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما" رواه النسائي وابن حبان في صحيحه[5].

 

ولعل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أراد بهذا الحديث أن يرغّب في قصار السور لئلا يهجُرَها الناس، لكن يبقى أنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى كما زكَّاه بذلك ربه - عز وجل -، فتبقى لهذا قراءةُ سورة الفلق أحبَّ إلى الله تعالى وأبلغ عنده من أيّة سورةٍ أخرى لظاهر هذا الحديث.

 

خلاصة هذا السبب:

1- أن من أسباب محبة الله تعالى عبده محبته سورة الإخلاص، ومحبته ذكر صفات الرب التي تدل على صحة اعتقاده.

 

2- أن قراءةَ سورة الفلق من أسباب تحصيل محبّة الله - عز وجل -، ولما كانت هذه السورة من أقصر سور القرآن الكريم، وأنها - والحمد لله تعالى - مما يجري على ألسنة المسلمين علمائهم وعامّتهم لسهولتها وقصرها، فبقي لطالب محبة الله تعالى أن لا يفتأَ يلهجُ بها لسانُه عسى أن يحبّه الله تعالى بفضلِه وببركتِها.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أخرجه البخاري في كِتَاب التَّوْحِيدِ، بَاب/ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى توحيد الله... (ح6854)، وأخرجه أبو نعيم في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" كِتَابُ الصَّلاةِ، بَابٌ/ فِي أَوْقَاتِ الصَّلاةِ (ح1651) بلفظ البخاري.

[2] [قلت]: وينفي عن صفاته تعالى التأويل أيضًا.

[3] انظر: "فتح الباري" (ج13 ص356-357) بختصار وتصرف.

[4] [صحيح] أخرجه أحمد في "المسند" (ح17454) وهذا لفظه، والدارمي في "سننه" (2/553 ح3439) وابن حبان في "صحيحه" (5/150 ح1842) وزاد "فإن استطعت أن لا تفوتك في صلاةٍ فافعل"، والحاكم في "المستدرك" (2/589 ح3988)، والطبراني في "الأوسط" (2/80 ح1311 و6/149)، والبيهقي في "الشعب" (2/513 ح2566)، والنسائي في "السنن الكبرى" (4/438 ح7840)، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم 1485): "صحيح".

[5] انظر: "الترغيب والترهيب من الحديث الشريف" لأبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ج2 ص250-251) ط1 دار الكتب العلمية - بيروت سنة 1417 تحقيق: إبراهيم شمس الدين.